د.رفعت جبر: بريكس ومصر والخليج.. ولادة نظام مالي عالمي جديد بعيدًا عن الدولار
أستاذ ورئيس قسم التقنية الحيوية- كلية العلوم- جامعة القاهرة
خريف “اليانكي” وصعود “تنين الجنوب”: فنزويلا كحقل تجارب لنظام عالمي جديد
تشكل الاستجابة الصينية الشاملة لدعم فنزويلا نقطة تحول استراتيجية أعادت رسم خارطة القوى العالمية، بعيدًا عن الضجيج الخطابي الذي يطغى عادة على الأخبار السياسية، اختارت بكين لغة الأفعال الصامتة.
إذ ترى الصين في الصراع على كاراكاس معركة جوهرية لكسر النفوذ الأمريكي في “الحديقة الخلفية” للولايات المتحدة، مستفيدة من الفراغ السياسي والاقتصادي لفرض استراتيجية شاملة في المنطقة.
من خلال هذه التحركات، وجهت الصين ضربات مباشرة لمفاصل الإمبراطورية الأمريكية، بدءًا من تجميد التعامل بالدولار مع عمالقة الصناعات العسكرية وفك الارتباط التكنولوجي مع الشركات الأمريكية، وصولاً إلى إعادة توجيه صادرات النفط الفنزويلية نحو تكتل بريكس، ما تسبب بشلل نسبي في سلاسل الإمداد الخاصة بشركات عالمية مثل “أمازون”.
وفي الوقت نفسه، نجحت بكين في تعبئة 23 دولة من الجنوب العالمي لرفض الإملاءات الأمريكية، مستخدمةً احتكارها للمعادن النادرة ونظامها المالي البديل، الأمر الذي شكل ضغطًا اقتصاديًا على الولايات المتحدة دون إطلاق رصاصة واحدة.
المواجهة بالأرقام: بريكس تتفوق على نادي الأثرياء
في قراءة تحليلية لعام 2026، يبدو التفوق لصالح القوى الصاعدة بوضوح؛ إذ تسيطر دول بريكس+ اليوم على 41.5% من الناتج العالمي، متجاوزةً مجموعة السبع التي انكمشت إلى 27.8%.
يمتد هذا التفوق إلى “أعصاب الحياة الاقتصادية”، حيث يسيطر التكتل على 43% من إنتاج النفط العالمي، مدعومًا بكتلة سكانية تمثل 46% من سكان العالم.
هذا التوازن الجديد يضع القوة الاستهلاكية والإنتاجية في قبضة الشرق، ويحوّل التحديات المالية الأمريكية إلى فرص استراتيجية للنفاذ إلى أسواق جديدة من خلال نظام BRICS Pay، الذي يقلص تكاليف التشغيل بنسبة 20%، ويتيح للمستثمرين الدخول في أسواق بكر لم تتأثر بعد بالزخم الغربي.
مصر والخليج: نقلة “كش ملك” الجيوسياسية
انضمام السعودية والإمارات ومصر إلى بريكس لم يكن مجرد توسع عددي، بل تحول حقيقي في مركز الثقل الاستراتيجي، فوجود أعمدة الإنتاج في الخليج مع أعمدة الاستهلاك في الصين والهند خلق “نادي طاقة مغلق” يهدد عرش البترودولار التقليدي.
بالنسبة لمصر، أصبحت “بوابة العبور” الاستراتيجية بين الشرق والغرب، حيث توفر منطقة قناة السويس إمكانيات تصنيع منتجات بمدخلات صينية وتصديرها بامتياز “منشأ مصري”، متجاوزةً القيود التجارية والحروب الاقتصادية.
كما تحولت القاهرة إلى مركز مقاصة مالية للعملات البديلة ضمن بريكس في أفريقيا، ما يوفر ملاذًا آمنًا للشركات بعيدًا عن شروط صندوق النقد الدولي وضغوط نظام سويفت التقليدي.
سيناريو الزلزال: نموذج العمل والتحوط المالي
أي قرار سعودي بتسعير 20% فقط من نفطها بغير الدولار سيكون بمثابة “زلزال جيومالي”، يؤدي إلى انخفاض قيمة الدولار فورًا بنسبة تقدر بـ15%، لذلك، يعتمد نجاح الاستثمار في 2026 على استراتيجية “التصنيع المزدوج”، أي دمج التكنولوجيا الشرقية مع الموقع الاستراتيجي لمصر، وإدارة المحافظ الاستثمارية عبر سلة عملات متنوعة تشمل اليوان، الدرهم، والروبل كأداة للتحوط المالي.
تتصدر القطاعات الرابحة في هذا التحول الاستراتيجي التكنولوجيا الزراعية والخدمات اللوجستية، مدعومة بتمويلات ميسرة من بنك التنمية الجديد (NDB)، ما يفتح أسواقًا جديدة في البرازيل وجنوب أفريقيا كبدائل للأسواق الغربية المشبعة.
نهاية “الجزيرة الكبرى” وبداية العصر المتعدد
ما نشهده اليوم هو انكماش هيكلي في النفوذ الغربي، حيث تحولت الولايات المتحدة من إمبراطورية عالمية إلى “جزيرة كبرى” تحتمي خلف أسوار الرسوم الجمركية والحواجز الاقتصادية، بينما تبني الصين وتكتل بريكس نظامًا موازياً يجعل العقوبات الأمريكية مجرد ضجيج بلا تأثير فعلي.
في هذا السياق، تظهر فرص استثمارية بمليارات الدولارات لمن يمتلك الرؤية الاستراتيجية، حيث لم يعد الاستثمار مجرد مشروع اقتصادي، بل حجر أساس لنظام مالي عالمي يعاد صياغته الآن.
العالم في 2026 لم يعد يُدار من مكتب واحد؛ بل من شبكة معقدة تبدأ من موانئ شنغهاي، تمر عبر قناة السويس، وتنتهي في صناديق السيادة العربية، معلنةً بزوع فجر “القرن الآسيوي-الأفريقي”.
وربما يظهر تكتل إسلامي عربي-تركي جديد (مصر-السعودية-تركيا)، مدعومًا بباكستان وإندونيسيا، ليشكل قوة عالمية موازية إذا تمكن من الصمود أمام التحالفات الغربية والأمريكية.






ketocare I do not even understand how I ended up here, but I assumed this publish used to be great