وجهات نظر

د.رفعت جبر: درع النيل وحارس المتوسط.. الجيش المصري وضمانة استقرار المنطقة

أستاذ ورئيس قسم التقنية الحيوية- كلية العلوم- جامعة القاهرة

تطرح مقولة “الاستثمار في الدفاع هو استثمار في السلام” فلسفة عسكرية وسياسية عميقة تُعرف بـ الردع الاستراتيجي، وهي ليست مجرد شعار، بل حقيقة أثبتها التاريخ. فالسلام الذي لا تحميه قوة يتحول بسرعة إلى ضعف واستسلام، والضعف هو ما يغري الخصوم بالاعتداء.

أولًا: فلسفة القوة كضمانة للسلام

الهدف من بناء جيش قوي لا يقتصر على خوض الحروب، بل على منع وقوعها من الأساس. تستند هذه الفلسفة إلى ثلاث ركائز أساسية:

– حسابات التكلفة والعائد: عندما يدرك الخصم أن تكلفة العدوان ستكون باهظة ومدمرة، فإنه يختار التفاوض أو التراجع قسرًا. هنا تصبح القوة العسكرية أداة للسلام دون إطلاق رصاصة.

– تأمين الموارد الحيوية: في عالم يتصارع على الغاز والطاقة والمياه، تبرز القوة العسكرية كـ “حارس أمين” لهذه الموارد الاستراتيجية، فهي عصب الحياة للأجيال القادمة، وحماية هذه الموارد تعني حماية الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

– سيادة القرار الوطني: القوة تمنح الدولة استقلالية الإرادة، فلا تتأثر بسياسات خارجية، ولا تُفرض عليها خيارات سياسية تحت ضغط الاعتماد على الغير.

ثانيًا: النموذج المصري.. بناء القوة من أجل الاستقرار

منذ عام 2014، تبنت القيادة المصرية برئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسي استراتيجية تطوير شاملة للقوات المسلحة، استجابة للتحديات الإقليمية المتصاعدة في ليبيا والسودان وشرق المتوسط، بهدف الحفاظ على الأمن القومي والمصالح الوطنية.

محاور التطوير الأساسية:

– الاستقلال الاستراتيجي وتنوع مصادر السلاح: كسرت مصر احتكار أي دولة لتوريد السلاح، فتوّجت شراكات متعددة مع فرنسا (طائرات الرافال وحاملات المروحيات ميسترال)، روسيا (مقاتلات سوخوي ومروحيات كاموف)، ألمانيا (غواصات تايب)، إلى جانب الشراكة التاريخية مع الولايات المتحدة.

هذه الاستراتيجية أمنت عدم قدرة أي قوة دولية على الضغط على القرار المصري من خلال أسلحة محددة أو قطع توريدات الذخيرة.

– تأمين ثروات المتوسط: إنشاء الأسطول الجنوبي والأسطول الشمالي وتطوير القواعد البحرية الاستراتيجية مثل قاعدة 3 يوليو وبرنيس كان استباقيًا للصراع على الطاقة في شرق المتوسط، وحماية حقول الغاز مثل حقل ظهر، وضمان عدم استنزاف الموارد الوطنية من خلال مواجهات عسكرية مباشرة.

– توطين التكنولوجيا والتصنيع المحلي: تطوير فرقاطات “جويند” محليًا، وصناعة المدرعات والطائرات المسيرة (درون) التي ظهرت في معرض إيديكس، يعزز الاعتماد على الموارد الوطنية، ويمنح الجيش عمقًا استراتيجيًا وقدرة أكبر على الصمود في الأزمات.

ثالثًا: دروس من أوكرانيا وغزة

الأحداث الأخيرة مثل الحرب في أوكرانيا والتوترات في قطاع غزة أوضحت حقيقة الردع: الدول التي تعتمد على مظلات أمنية خارجية وتهمش بناء قوتها الذاتية تواجه مخاطر جسيمة.

في أوكرانيا، ظهر ضعف الدولة في مواجهة التدخلات الخارجية رغم دعمها من حلف الناتو، ما أعاد التأكيد على أن الاعتماد على القوة الذاتية ضرورة لا غنى عنها.

في البحر الأحمر، كشفت الحوادث البحرية وحماية التجارة العالمية أن سلاسل الإمداد لا تحميها القوانين الدولية وحدها، بل تحتاج إلى أساطيل وقواعد عسكرية لضمان الملاحة وتأمين مصالح الدولة.

النموذج المصري ظهر هنا كـ “جزيرة استقرار” وسط محيط من الأزمات، قادر على فرض خطوط حمراء استراتيجية دون خوض حرب مفتوحة، ما يعكس مفهوم الردع النشط بشكل واضح وعملي.

رابعًا: القوة المصرية كأداة للسلام

القوة العسكرية المصرية لم تكن هدفًا للتوسع أو العدوان، بل وسيلة لمنع الانزلاق الإقليمي للصراعات، وهي أثبتت فعاليتها في عدة ملفات:

– ليبيا والخط الأحمر: إعلان الرئيس السيسي أن سرت – الجفرة خط أحمر أجبر الأطراف على وقف العمليات العسكرية وفتح المسار السياسي.

– غزة ومنع التهجير: فرضت مصر سياسة رفض التهجير بشكل صارم، محافظة على الاستقرار الإقليمي.

– الأمن القومي العربي: بقوة الجيش المصري، الذي يعتبر الأقوى عربيًا وأفريقيًا، تم خلق توازن يقي المنطقة من الانهيار الكامل في ظل ضعف جيوش الدول المجاورة.

خامسًا: القوة العسكرية كضمانة للاستثمار والاقتصاد

الاستثمار في الدفاع، كما أثبتت التجربة المصرية، ليس فقط فاتورة دفاعية بل استثمار في بيئة اقتصادية مستقرة، فقد أظهرت الدول التي أهملت قدراتها العسكرية تعرضها لمخاطر اقتصادية وجيوسياسية مباشرة.

الجيش المصري يجسد القدرة على حماية:

– المصالح الاقتصادية الوطنية: تأمين خطوط الملاحة البحرية، حماية حقول الطاقة، وضمان سلاسل الإمداد الاستراتيجية.

– الاستثمار المحلي والأجنبي: ضمان بيئة آمنة للشركات والمستثمرين، بعيدًا عن مخاطر النزاعات العسكرية أو السياسية.

– الاستقرار الاجتماعي والسياسي: ردع الأطماع الخارجية يمنح الدولة مساحة لإدارة شؤونها الداخلية بحرية.

خاتمة

القوة العسكرية المصرية ليست مجرد وسيلة لفرض النفوذ، بل هي درع يحمي السلام والاستقرار والاقتصاد الوطني، ويشكل ضمانة حقيقية للأجيال القادمة.

في عالم تتصاعد فيه الأزمات الإقليمية والدولية، يظل النموذج المصري مثالًا للردع الاستراتيجي النشط الذي يوازن بين القوة العسكرية، الاستقلالية السياسية، وحماية مصالح الأمة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading