ذاكرة تعمل بالضوء قد تخفض استهلاك الذكاء الاصطناعي للكهرباء.. تُكتب بالليزر بدلًا التيار الكهربائي
تقنية ثورية تعد بتقليل الطاقة والحرارة في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي
في وقت يتزايد فيه الطلب العالمي على الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات العملاقة، كشف باحثون في اليابان عن تقنية مبتكرة قد تساعد على تقليل استهلاك الكهرباء بصورة كبيرة عبر تطوير نوع جديد من الذاكرة الإلكترونية يعتمد على الضوء بدلًا من التيار الكهربائي لكتابة البيانات.
ويمثل هذا الإنجاز خطوة مهمة نحو بناء حواسيب أكثر كفاءة واستدامة، خاصة مع التوقعات التي تشير إلى تضاعف استهلاك مراكز البيانات للطاقة خلال السنوات المقبلة نتيجة التوسع المتسارع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.
أزمة طاقة متنامية
تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة على مراكز بيانات ضخمة تضم آلاف الخوادم والمعالجات التي تعمل على مدار الساعة.
ولا تستهلك هذه المنشآت الطاقة في عمليات المعالجة الحسابية فقط، بل يذهب جزء كبير من الكهرباء إلى تخزين البيانات ونقلها بين مكونات الحاسوب المختلفة.
ومع كل عملية كتابة للمعلومات داخل الذاكرة الإلكترونية، تُستهلك طاقة إضافية وتتولد حرارة تستدعي تشغيل أنظمة تبريد متطورة، ما يزيد من البصمة البيئية والتكاليف التشغيلية لهذه المرافق.

كيف تعمل الذاكرة المغناطيسية؟
تعتمد بعض أكثر أنواع الذاكرة الإلكترونية موثوقية على المواد المغناطيسية، حيث يتم تخزين البيانات على شكل اتجاهات مغناطيسية تمثل الرقمين الثنائيين “0” و”1″.
ويجري عادة تغيير هذه الاتجاهات باستخدام تيارات كهربائية تمر عبر المادة المغناطيسية.
وتتميز هذه التقنية بقدرتها على الاحتفاظ بالمعلومات حتى بعد انقطاع التيار الكهربائي، إلا أن عملية الكتابة نفسها تستهلك طاقة وتولد حرارة، كما أن سرعتها تبقى محدودة مقارنة بالاحتياجات المتزايدة للحوسبة الحديثة.

الضوء بدل الكهرباء
قاد البحث فريق من العلماء في National Institutes for Quantum Science and Technology بقيادة الباحث سيجي ساكاي، الذي عمل لسنوات على تطوير تقنيات تسمح بتغيير الحالة المغناطيسية للمواد باستخدام الضوء فقط.
وتعتمد الفكرة على ظاهرة فيزيائية تتيح لنبضة ليزر قصيرة للغاية قلب الاتجاه المغناطيسي للمادة من دون الحاجة إلى تمرير تيار كهربائي.
وكانت هذه الظاهرة قد لوحظت سابقًا في بعض المواد المغناطيسية الخاصة، لكنها لم تكن مناسبة للاستخدام التجاري بسبب ضعف الإشارة الناتجة عنها وصعوبة قراءة البيانات المخزنة بشكل موثوق.

حل معضلة استمرت سنوات
تمكن الباحثون من تجاوز هذه العقبة عبر تطوير بنية جديدة تتكون من طبقات متناهية الصغر من الكوبالت والغادولينيوم وسبيكة CoFeB، وهي مادة مستخدمة بالفعل في العديد من تقنيات الذاكرة المغناطيسية الحديثة.
وتتميز سبيكة CoFeB بقوة الإشارة المغناطيسية وسهولة قراءة البيانات المخزنة فيها، لكنها كانت تُعتبر سابقًا غير مناسبة لتقنيات التبديل الضوئي.
إلا أن الفريق نجح في تصميم ترتيب ذري جديد يسمح بدمج مزايا التبديل الضوئي السريع مع إمكانية القراءة الدقيقة للبيانات، وهو ما عجزت عنه المحاولات السابقة.
أسرع ألف مرة
أظهرت التجارب أن نبضة ليزر واحدة لا تتجاوز مدتها أجزاء ضئيلة جدًا من الثانية قادرة على تغيير الاتجاه المغناطيسي للمادة بشكل فوري.
ووفقًا للباحثين، يمكن للضوء تنفيذ هذه العملية بسرعة تفوق الطرق التقليدية المعتمدة على التيار الكهربائي بنحو ألف مرة، مع إنتاج حرارة أقل بكثير.
كما أثبتت التجارب أن المادة تستطيع تحمل عمليات الكتابة المتكررة من دون فقدان قدرتها على تخزين المعلومات أو تغيير حالتها المغناطيسية بصورة موثوقة.
أهمية خاصة للذكاء الاصطناعي
يأتي هذا التطور في وقت أصبحت فيه كفاءة الطاقة أحد أكبر التحديات التي تواجه صناعة الذكاء الاصطناعي.
فكلما زادت أحجام النماذج الذكية وتعقدت عملياتها الحسابية، ارتفع الطلب على وحدات التخزين السريعة والقادرة على التعامل مع كميات هائلة من البيانات.
ويمكن للذاكرة الضوئية الجديدة أن تسهم في تقليل استهلاك الطاقة داخل مراكز البيانات، إلى جانب خفض متطلبات التبريد وتحسين سرعة نقل المعلومات بين مكونات الأنظمة الذكية.
طريق نحو الجيل القادم من الرقائق
يمثل أحد أهم جوانب هذا الإنجاز أن التقنية الجديدة متوافقة مع البنية الأساسية المستخدمة حاليًا في العديد من الرقائق التجارية، ما يزيد فرص دمجها مستقبلًا داخل خطوط الإنتاج القائمة بدل الحاجة إلى بناء مصانع جديدة بالكامل.
ويرى الباحثون أن هذه الميزة قد تسرّع انتقال التكنولوجيا من المختبرات إلى التطبيقات العملية.
كما يتوقع الفريق أن تظهر مكونات إلكترونية تعتمد على هذا المبدأ خلال العقد المقبل، بما يسمح بدمج الأنظمة الضوئية والإلكترونية في شريحة واحدة عالية الكفاءة.
مستقبل أكثر استدامة
يؤكد العلماء، أن الطريق لا يزال طويلًا قبل وصول هذه التقنية إلى الأسواق التجارية، إذ يتطلب الأمر مزيدًا من الاختبارات والتطوير الهندسي.
لكن النتائج الحالية تمثل خطوة واعدة نحو جيل جديد من الحواسيب منخفضة استهلاك الطاقة، وهو أمر قد يصبح ضروريًا مع استمرار التوسع العالمي في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة.
وتفتح هذه التقنية الباب أمام مستقبل يمكن فيه تنفيذ عمليات تخزين البيانات ونقلها بسرعة أعلى واستهلاك أقل للطاقة، ما يساهم في جعل البنية التحتية الرقمية أكثر استدامة وقدرة على مواكبة النمو المتسارع للتقنيات الذكية.
ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة Applied Physics Letters المتخصصة في الفيزياء التطبيقية وعلوم المواد المتقدمة.





