د. محمد الصوفي: دافوس 2026.. حين تختبر العولمة صدق التزامها بالتنمية المستدامة
خبير ومدرب دولي في البصمة الكربونية والتنمية المستدامة- عضو الاتحاد الدولي لمديري المرافق
تم عقد منتدى دافوس 2026 في سياق عالمي بالغ التعقيد، حيث تتقاطع الأزمات البيئية مع التحديات الاقتصادية والتحولات الجيوسياسية، ليعيد طرح سؤال جوهري: هل ما زال النمو الاقتصادي ممكنًا دون التضحية بحقوق الأجيال القادمة؟
هنا تبرز التنمية المستدامة، ليس كشعار أخلاقي، بل كخيار استراتيجي لا بديل عنه.
في دافوس، سويسرا، خلال الفترة من 19 إلى 23 يناير 2026، عُقد الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي تحت شعار «روح الحوار»، حيث ركز المنتدى على معالجة التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، مثل أزمة غرينلاند، والاضطرابات الاقتصادية العالمية، بمشاركة واسعة وحضور بارز لقادة دول ورؤساء تنفيذيين، من بينهم دونالد ترامب، وأورسولا فون دير لاين، ومارك كارني، والرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي.
الاستدامة بين الخطاب والواقع
تحولت التنمية المستدامة في دافوس إلى لغة مشتركة يتحدث بها الجميع، لكنها في كثير من الأحيان تظل لغة بلا تكلفة سياسية أو اقتصادية حقيقية. فالشركات الكبرى تتعهد بخفض الانبعاثات، بينما تستمر في نماذج إنتاج واستهلاك تُعد أصل الأزمة.
وفي دافوس 2026، يبدو هذا التناقض أكثر وضوحًا؛ إذ تُناقش مفاهيم «الحياد الكربوني» داخل قاعات دافئة، في وقت تدفع فيه الدول الفقيرة ثمن تغير مناخ لم تسهم في صناعته.
يبقى السؤال مطروحًا: من يحاسب الشركات متعددة الجنسيات على وعودها البيئية؟ ومن يضمن أن معايير ESG ليست مجرد أداة تسويقية جديدة لإعادة تدوير الرأسمالية بوجه أخضر؟
الواقع أن المنتدى، رغم نفوذه الرمزي، يفتقر إلى آليات إلزام حقيقية، ما يجعل التنمية المستدامة أقرب إلى «اتفاق أخلاقي» منها إلى التزام عالمي صارم.
العرب في دافوس: حضور بلا وزن كافٍ؟
رغم كل الحديث عن «الإنسان في قلب التنمية»، يظل صوت المجتمعات الأكثر تضررًا غائبًا عن طاولة دافوس. فالفلاحون، وسكان المناطق الساحلية، والعمال في القطاعات الهشة نادرًا ما يكونون جزءًا من صياغة الحلول، رغم أنهم أول من يدفع ثمن الفشل العالمي في تحقيق الاستدامة.
ورغم الحضور العربي المتزايد في منتدى دافوس خلال السنوات الأخيرة، فإنه لا يزال أقرب إلى المشاركة الرمزية منه إلى التأثير الفعلي. تُطرح مبادرات خضراء وتُعلن استثمارات في الطاقة المتجددة، لكن نادرًا ما تنجح الدول العربية في فرض أجندة جماعية تعكس أولويات المنطقة، وعلى رأسها ندرة المياه، وتغير المناخ، والأمن الغذائي في ظل الاضطرابات العالمية.
لا يمكن مطالبة الدول العربية بخفض الانبعاثات بالشروط نفسها المفروضة على الدول الصناعية التي بنت ثرواتها على استنزاف الموارد، ولا يمكن فرض «الانتقال الأخضر» دون توفير بدائل اقتصادية تحمي المجتمعات من الصدمات الاجتماعية. فالاستدامة هنا ليست قضية بيئية فحسب، بل قضية عدالة تنموية تمس حق الشعوب في التنمية أولًا.
نتائج دافوس 2026: ما الذي تغيّر فعليًا؟
اختُتمت أعمال منتدى دافوس 2026 وسط ضجيج عالمي حول المناخ والاقتصاد ومستقبل النظام الدولي، لكن السؤال الجوهري يبقى: ما الذي تحقق فعليًا لدعم التنمية المستدامة؟
أولًا: ترسيخ الاستدامة كشرط اقتصادي
شهد المنتدى انتقالًا واضحًا في الخطاب، حيث لم تعد الاستدامة تُطرح باعتبارها مسؤولية اجتماعية، بل شرطًا أساسيًا لاستقرار الاقتصاد العالمي وأمن سلاسل الإمداد.
ثانيًا: التمويل المستدام… تقدم محدود
رغم التأكيد على أهمية تمويل التكيف المناخي ودعم أدوات مثل السندات الخضراء، لم ينجح المنتدى في الخروج بتعهدات رقمية أو آليات إلزامية واضحة.
ثالثًا: التكنولوجيا الخضراء في الصدارة
برز دور الذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، وتحسين كفاءة المياه والزراعة، لكن التركيز ظل منصبًا على الابتكار أكثر من نقل التكنولوجيا للدول النامية.
رابعًا: العدالة المناخية… الحاضر الغائب
رغم الاعتراف بتأثر الدول الفقيرة بشكل أكبر، غابت الالتزامات الواضحة بشأن تعويضات الخسائر والأضرار، وتحمل المسؤولية التاريخية للدول الصناعية.
خامسًا: إشراك القطاع الخاص… سلاح ذو حدين
أكد المنتدى الدور المحوري للقطاع الخاص، لكن غياب الأطر الرقابية الصارمة يثير مخاوف من تحول الاستدامة إلى ممارسة شكلية.
الخلاصة
عزز دافوس 2026 حضور التنمية المستدامة في الخطاب العالمي، لكنه لم ينجح بعد في تحويلها إلى منظومة قرارات ملزمة. قدم المنتدى تشخيصًا دقيقًا للأزمة، لكنه لا يزال مترددًا في معالجة جذورها الاقتصادية والسياسية.
التنمية المستدامة خرجت من دافوس 2026 أكثر حضورًا… لكنها لم تخرج بعد أكثر قوة.





