وجهات نظر

د.فوزي يونس: نحو استدامة عادلة.. البصمة البيئية والقدرة الحيوية

أستاذ ورئيس وحدة فسيولوجيا الأقلمة بمركز بحوث الصحراء- استشاري البصمة الكربونية والاستدامة

البصمة البيئية والقدرة الحيوية كمدخل لتعزيز أهداف التنمية المستدامة

فتمثل الاستدامة البيئية ركيزة أساسية في تحقيق التنمية المستدامة الشاملة التي تنص عليها أجندة الأمم المتحدة 2030.

في هذا السياق تبرز مفهومان رئيسيان هما البصمة البيئية (Ecological Footprint) والقدرة الحيوية (Biocapacity) كأداتين تحليليتين محوريتين لقياس مدى توافق النشاط البشري مع حدود الطبيعة.

هذا ويساهم الفهم المتكامل لهذين المفهومين في تقييم الأداء البيئي للدول والمجتمعات وتوجيه السياسات نحو مستقبل أكثر استدامة.

أولا: البصمة البيئية – مقياس الضغط البشري على البيئة

يعرف William Ress البصمة البيئية بأنها مساحة الأرض المنتجة والنظم الإيكولوجية المائية اللازمة لإنتاج الموارد والمواد التي يتم استهلاكها واستيعاب النفايات الناجمة عن مجتمع يعيش عند مستوي حياه معين علي كوكب الأرض أي أنها مؤشر لقياس تأثير مجتمع ما علي الموارد الطبيعية ومستوى استدامة نمط عيش السكان وتأثيرهم على كوكب الأرض.

كما تشير البصمة البيئية إلى كمية الموارد البيئية التي يستهلكها الفرد أو المجتمع أو الدولة مقارنة بالقدرة الطبيعية للنظم البيئية على التجدد.

وتشمل هذه الموارد الأراضي الزراعية والغابات ومصايد الأسماك ومصادر الطاقة إضافة إلى امتصاص الإنبعاثات الكربونية.

وهي بذلك عبارة عن مقياس لتأثير الإنسان على النظم البيئية.

البصمة البيئية

كلما زادت البصمة البيئية دل ذلك على استهلاك مفرط لموارد الأرض وهو ما يعرف بـ “تجاوز القدرة البيئية للكوكب”.

وتشير بيانات الشبكة العالمية للبصمة البيئية إلى أن البشرية تستهلك اليوم موارد تعادل ما توفره 1.7 كوكب أرض سنويا مما يهدد بتسريع تدهور الأنظمة البيئية.

ثانيا: القدرة الحيوية – الطاقة الإنتاجية للنظم البيئية

بشكل عام فالقدرة الحيوية هي كمية الموارد المتوفرة في لحظة زمنية محددة لشريحة سكانية معينة (أي المؤونة) ويجب التمييز بينها وبين البصمة البيئية وهي المطالب البيئية لنظام بيئي محلي. هذا ويمكن للقدرة البيولوجية أن تحدد الآثار التي تخلفها البشرية في كوكب الأرض.

وتعرف القدرة الحيوية بأنها قدرة النظم البيئية على إنتاج الموارد البيولوجية وتجديدها وعلى امتصاص المخلفات لا سيما ثاني أكسيد الكربون.

هذا وتعتمد هذه القدرة على عوامل مثل نوعية التربة – المناخ – الغطاء النباتي والتنوع البيولوجي.

عندما تتجاوز البصمة البيئية القدرة الحيوية يحدث ما يسمى بـ “العجز البيئي” وهو ما تعاني منه العديد من الدول النامية والمتقدمة على حد سواء.

أما عندما تكون القدرة الحيوية أعلى من البصمة البيئية تكون هناك فرصة لتحقيق فائض بيئي يمكن استثماره في التنمية المستدامة.

ثالثا: الرابط مع أهداف التنمية المستدامة

تلعب العلاقة بين البصمة البيئية والقدرة الحيوية دورا حاسما في تعزيز وتحقيق عدد من أهداف التنمية المستدامة ومن أبرزها:

 الهدف 12: “ضمان أنماط استهلاك وإنتاج مستدامة”. فخفض البصمة البيئية يتطلب التحول نحو إنتاج نظيف واستهلاك مسؤول.

 الهدف 13: “العمل المناخي” حيث تساهم السياسات التي تقلل من البصمة الكربونية في التكيف مع تغير المناخ.

 الهدف 15: “الحياة في البر” فالحفاظ على النظم البيئية البرية يعتمد على التوازن بين الإستخدام والقدرة الحيوية للتجدد.

 الهدف 2: “القضاء على الجوع” إذ تعتمد الزراعة المستدامة على إدارة الأراضي والمياه بشكل يعزز من القدرة الحيوية دون استنزاف الموارد.

البصمة البيئية

رابعا: السياسات المطلوبة

لتحقيق التوازن بين البصمة البيئية والقدرة الحيوية ينبغي اعتماد سياسات بيئية واقتصادية متكاملة تشمل:

  • التحول نحو الاقتصاد الدائري لتقليل النفايات والاستهلاك.
  • إعادة تأهيل النظم البيئية وزيادة الغطاء النباتي.
  • التوسع في مصادر الطاقة المتجددة لتقليل الانبعاثات.
  • تشجيع الأنماط الغذائية المستدامة وتقليل هدر الطعام.
  • رفع الوعي البيئي لدى المواطنين وصانعي القرار.

كما إن تكاليف إنفاقنا الإيكولوجي المفرط أصبح أكثر وضوحا مع الوقت والفائدة التي ندفعها على الدين الإيكولوجي المتزايد في شكل زوال الغابات وشح المياه العذبة وتأكل التربة وخسارة التنوع البيولوجي وتراكم ثاني أكسيد الكربون في غلافنا الجوي تتزامن أيضا مع تكاليف بشرية اقتصادية متزايدة.

كما أن الحكومات التي تتجاهل حدود الموارد عندما تتخذ قراراتها قد تعرض أداءها الإقتصادي للخطر على المدى البعيد.

وعندما يستمر التجاوز ستجد البلدان التي تعاني من عجز في القدرة الحيوية أن تخفيض اعتمادها على الموارد يتماشى مع مصلحتها الخاصة.

وعلى العكس فإن البلدان التي تنعم بإحتياطات من القدرة الحيوية لديها حافز للحفاظ على هذه الأصول الإيكولوجية التي تشكل ميزة تنافسية متنامية في عالم يعاني من قيود إيكولوجية تزداد شدة وقسوة.

وفي النهاية يمكننا القول بأن البصمة البيئية تعد بمثابة جرس إنذار للناس والبلدان في العالم لمراقبة وتنظيم أنشطتهم التي قد تعرض البيئة للخطر كما تساعد في تحليل الضغوط علي كوكبنا.

كما أن دمج مفهومي البصمة البيئية والقدرة الحيوية في عمليات التخطيط والسياسات التنموية يوفر أداة علمية لتحديد المسارات الآمنة بيئيا والفعالة اقتصاديا.

وبهذا يمكن للدول والمجتمعات أن تتقدم بخطى واثقة نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة بما يضمن الحق في بيئة سليمة للأجيال الحالية والمستقبلية.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. I have been surfing online more than 3 hours today, yet I never found any interesting article like yours. It is pretty worth enough for me. In my opinion, if all web owners and bloggers made good content as you did, the web will be much more useful than ever before.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading