د.عطية سليم شلح: إثيوبيا على حافة الانفجار.. 7 جماعات مسلحة وتصعيد مع إريتريا يهددان القرن الأفريقي
الباحث و المحلل الجيوسياسي- دكتوراة في الجغرافيا السياسية
تشهد إثيوبيا واحدة من أكثر مراحلها السياسية والأمنية حساسية خلال السنوات الأخيرة، مع تجدد القتال في إقليم تيغراي، واتساع نطاق التوتر بين الحكومة الفيدرالية وعدد من الجماعات المسلحة، بالتزامن مع تدهور العلاقات مع إريتريا إلى مستوى غير مسبوق.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتداخل فيه الأزمة الإثيوبية مع ملفات إقليمية شديدة الحساسية، من الحرب في السودان، إلى أمن البحر الأحمر، والخلافات حول مياه النيل وسد النهضة، فضلًا عن التنافس على النفوذ في القرن الأفريقي.
وفي سبتمبر 2026، أعلنت سبع جماعات إثيوبية مسلحة تشكيل تحالف حمل اسم «تحالف قوى الشعب الإثيوبي من أجل البقاء»، ويضم جبهة تحرير شعب تيغراي، وحركة فانو الأمهرية، وجيش تحرير أورومو، إلى جانب أربع حركات أخرى من مناطق أوغادين وعفر وبني شنقول-قُمز. وأعلن التحالف أن هدفه مواجهة الحكومة الفيدرالية والعمل من أجل إقامة إدارة انتقالية شاملة.
إريتريا.. من حليف سابق إلى خصم محتمل
تزداد خطورة المشهد مع الانهيار السريع للعلاقات بين إثيوبيا وإريتريا.
ففي 1 أكتوبر 2026، أعلنت إريتريا قطع العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا، بعد أن كانت أديس أبابا قد أغلقت سفارتها في أسمرة وطردت 10 دبلوماسيين إريتريين، على خلفية اتهامات إثيوبية لإريتريا بدعم قوى معارضة مسلحة داخل إثيوبيا.
وتنفي أسمرة هذه الاتهامات.
وتزداد حساسية الخلاف بسبب قضية الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر؛ إذ ترى أديس أبابا أن الوصول إلى منفذ بحري يمثل مصلحة استراتيجية، بينما تنظر إريتريا بحذر شديد إلى أي مطالب إثيوبية يمكن أن تمس سيادتها أو موانئها.
وبالتزامن مع ذلك، تشهد منطقة تيغراي عودة للقتال بعد انهيار الهدوء الذي أعقب اتفاق بريتوريا لعام 2022، فيما تقدمت القوات الفيدرالية والقوات المتحالفة معها باتجاه ميكيلي، بينما أعلنت قوات تيغراي السيطرة على مناطق ومواقع استراتيجية.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الصراع لم يعد مجرد أزمة محلية داخل إقليم واحد، وإنما أصبح متشابكًا مع شبكة أوسع من الصراعات الإثيوبية والإقليمية.
سبع قوى مسلحة.. تحالف غير مسبوق ضد الحكومة
يكتسب التحالف الجديد أهميته من جمعه قوى كانت بينها في السابق خلافات وصراعات عميقة.
وتضم القائمة:
1- حركة فانو الأمهرية: وهي حركة مسلحة ذات قاعدة رئيسية في إقليم أمهرة، دخلت في صراع مع الحكومة الفيدرالية منذ عام 2023.
2- جيش تحرير أورومو: وهو تنظيم مسلح ينشط بصورة رئيسية في إقليم أوروميا، وله جذور مرتبطة بالصراع السياسي حول حقوق قومية الأورومو.
3- جبهة تحرير شعب تيغراي: القوة السياسية والعسكرية الرئيسية التي خاضت حربًا ضد الحكومة الفيدرالية بين عامي 2020 و2022، قبل أن تتجدد المواجهات في 2026.
4- جبهة تحرير أوغادين الوطنية: وهي حركة مرتبطة بقضية القومية الصومالية في شرق إثيوبيا.
5- الجبهة الثورية لوحدة عفر الوطنية: وهي حركة مرتبطة بإقليم عفر.
6- حركة تحرير شعب بني شنقول: وهي إحدى الحركات المنضوية في التحالف من منطقة بني شنقول-قُمز.
7- الحركة الديمقراطية لشعب قومز: وهي حركة أخرى مرتبطة بالمجموعات القومية في الإقليم نفسه.
وقد أكدت مصادر متعددة تشكيل هذا التحالف السباعي، في خطوة يمكن أن تغير طبيعة الصراع من مواجهات منفصلة إلى محاولة لتنسيق الضغط العسكري والسياسي على الحكومة المركزية.
ولا يعني تشكيل التحالف بالضرورة أن هذه القوى تمتلك قيادة عسكرية موحدة أو قدرة متساوية على العمل المشترك؛ فلكل حركة تاريخها وأهدافها ومناطق نفوذها، كما أن بعضها يملك أجندات محلية تختلف عن الأخرى.
من تيجراي إلى أمهرة وأوروميا.. جبهات متعددة
تواجه الحكومة الإثيوبية في الوقت نفسه تحديات أمنية في أكثر من منطقة.
فإقليم أمهرة يشهد منذ عام 2023 تمردًا مسلحًا تقوده فصائل فانو، بينما يستمر نشاط جيش تحرير أورومو في أجزاء من أوروميا.
وفي سبتمبر 2026، اتسعت المواجهات في الشمال، ووصل القتال إلى مناطق مجاورة لتيغراي، فيما تحدثت تقارير عن سيطرة قوات تيغراي على مطارات ومواقع استراتيجية.
وتكشف هذه التطورات عن صعوبة الفصل بين الأزمة السياسية الداخلية والصراعات الإقليمية المحيطة بإثيوبيا.
السودان.. جبهة أخرى في الحسابات الإثيوبية
لا يمكن قراءة المشهد الإثيوبي بمعزل عن السودان.
فالحرب السودانية المستمرة أضافت طبقة جديدة من التعقيد إلى العلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا، كما أن الخلافات الحدودية القديمة حول منطقة الفشقة، إلى جانب ملف سد النهضة، جعلت العلاقات بين البلدين شديدة الحساسية.
وقد اتهمت إثيوبيا السودان ومصر بدعم الجماعات المسلحة المناوئة لها، بينما رفضت الدولتان هذه الاتهامات، ولم تقدم أديس أبابا أدلة علنية حاسمة تثبتها.
وتشير هذه التطورات إلى أن أي توسع كبير للصراع الإثيوبي قد تكون له انعكاسات مباشرة على السودان، الذي يعاني أصلًا من حرب داخلية واسعة، وعلى أمن الحدود وحركة التجارة والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي.
سد النهضة.. ملف مصري سوداني في قلب المشهد
يمثل سد النهضة الإثيوبي أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات بين إثيوبيا ومصر والسودان.
وتزداد أهمية الملف في ظل التطورات الأمنية والسياسية الحالية، خصوصًا أن السد يقع في إقليم بني شنقول-قُمز، وهو أحد الأقاليم التي ترتبط بها إحدى الحركات المسلحة المنضوية في التحالف الإثيوبي الجديد.
ولا يعني ذلك وجود خطر مباشر أو وشيك على السد، لكن استمرار عدم الاستقرار في المناطق المحيطة به يضيف عاملًا أمنيًا جديدًا إلى الحسابات المتعلقة بالمنشأة.
وترى مصر أن أمنها المائي يرتبط بصورة مباشرة باستقرار نظام النيل، بينما تتمسك إثيوبيا بحقها في استغلال مواردها المائية والتنمية وتوليد الطاقة.
ومع افتتاح إثيوبيا رسميًا لسد النهضة في سبتمبر 2025 دون التوصل إلى اتفاق ملزم مع مصر والسودان، ظل الملف مصدر توتر إقليمي مستمر.
هل تتحول الأزمة الإثيوبية إلى حرب إقليمية؟
السؤال الأكثر إلحاحًا الآن هو: هل تستطيع إثيوبيا احتواء صراعاتها الداخلية، أم أن تداخلها مع إريتريا والسودان والصومال والبحر الأحمر يمكن أن يحولها إلى أزمة إقليمية أوسع؟
المؤشرات الحالية تدعو إلى مراقبة التطورات بحذر؛ فعودة القتال في تيغراي، وتشكيل التحالف السباعي، وانهيار العلاقات الدبلوماسية مع إريتريا، إلى جانب استمرار الحرب في السودان والنزاعات المرتبطة بأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي، كلها عوامل تجعل احتمالات انتقال الصراع عبر الحدود أكثر أهمية من أي وقت مضى.
وقد دفعت هذه المخاوف الاتحاد الأفريقي إلى الدعوة إلى ضبط النفس بين إثيوبيا وإريتريا ومصر، وتجنب الإجراءات أو التصريحات التي يمكن أن تؤدي إلى تصعيد إضافي، مع التأكيد على ضرورة استخدام القنوات الدبلوماسية والحوار.
ماذا يعني ذلك للقاهرة؟
بالنسبة إلى مصر، فإن التطورات الإثيوبية تفرض متابعة دقيقة لثلاثة مسارات متوازية: أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي، استقرار السودان، ومستقبل ملف سد النهضة.
ومن ثم، فإن أي تدهور واسع في إثيوبيا أو انتقال للصراع إلى دول الجوار سيكون له تأثير مباشر في الحسابات الأمنية والسياسية لدول المنطقة.
وفي المقابل، فإن الحديث عن تدخل عسكري مصري مباشر أو استهداف سد النهضة يظل، في الوقت الراهن، استنتاجًا سياسيًا يحتاج إلى أدلة موثقة، ولا ينبغي تقديمه كأمر واقع.
القرن الأفريقي أمام اختبار جديد
لم تعد الأزمة الإثيوبية مجرد صراع بين الحكومة الفيدرالية وقوى معارضة داخلية، بل أصبحت جزءًا من شبكة معقدة من النزاعات تمتد من تيغراي وأمهرة وأوروميا إلى إريتريا والسودان والصومال والبحر الأحمر.
أما مستقبل هذه الأزمة، فسيتوقف بدرجة كبيرة على قدرة الأطراف الإثيوبية على منع تحول التحالفات المسلحة الجديدة إلى حرب واسعة، وعلى قدرة دول الجوار والاتحاد الأفريقي والقوى الدولية على احتواء التصعيد.
وفي ظل هذا المشهد، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل تستطيع إثيوبيا إعادة بناء توازنها الداخلي قبل أن تتحول أزماتها المتعددة إلى صراع إقليمي أوسع؟
الأيام المقبلة قد تحمل إجابة أكثر وضوحًا، لكن المؤكد أن القرن الأفريقي دخل مرحلة شديدة الحساسية، وأن أي تطور كبير في إثيوبيا لن يبقى محصورًا داخل حدودها.





