وجهات نظر

د.عاطف معتمد: السادات والجغرافيا !

أستاذ الجغرافيا الطبيعية بكلية الآداب جامعة القاهرة

سيظل اسم عبد الناصر والسادات في تحليل حاضر مصر ومستقبلها 100 سنة أخرى على الأقل،والسبب هنا لا علاقة له بأفضلية على بقية رؤساء مصر في التاريخ الحديث والمعاصر بل بتأثير الجغرافيا العسكرية في مقابل السياسية الداخلية.

بعض زعماء الدول يرتكبون أخطاء أو يحققون نجاحات تغير من الجغرافيا بسبب السياسة، وبالتالي تتغير مصائر الشعوب.

لدى عبد الناصر حزمة من الأخطاء وحزمة من القرارات الملهمة، ربما تنسى الأجيال القادمة أحلام القومية العربية أو أخطاء حرب اليمن لكنهم لن ينسوا احتلال سيناء وحرب 1967 التي غيرت وما تزال في حاضر مصر ومستقبلها.

في حالة السادات لدينا زعيم يتحمل كل سهام النقد والهجوم اللاذع. بعض الهجوم عنصري تنمري..ينال من الشكل واللون وطريقة الكلام والسلوك المسرحي.

وبعض الهجوم بنيوي خطير يضع الرجل في مصاف الذين خانوا مصر والعالم العربي وسلموا المنطقة للأمريكان.

بعض الهجوم يضع صعود الإسلامي السياسي في مصر في رقبة السادات وبالتالي يرجعون مشاكل مصر المعاصرة إلى هذه الفترة.

إذا عقدت ندوة اليوم بين كبار المثقفين في مصر ستجد ساحة مشتعلة في تقييم الرجل بين مختلف التيارات…ولن ينتهي ذلك قريبا.

لكن السادات الذي لم يأخذ حقه في التقييم هو سادات الجغرافيا.

إن الرجل الذي استطاع في اقل من 6 سنوات بعد هزيمة يونيه 1967 أن يشن حربا على الاحتلال الإسرائيلي في سيناء هو رجل عظيم في الحغرافيا والحرب.

يوجه الناس للسادات تهم الخيانة لأنه سافر إلى القدس ورسم سلاما مع إسرائيل، لكن هل توقفنا قليلا عند ما حدث في الجغرافيا والجولان؟

الرئيس الراحل محمد أنور السادات

لقد بدأت خطة حرب أكتوبر بهجوم مشترك بين مصر وسوريا تشن فيه سوريا هجومها على الجولان وتشن فيه مصر هجوما على سيناء. الاتفاق بين حافظ الأسد والسادات (برعاية سوفيتية) أن يستمر الهجوم المصري إلى خط المضايق ولا يكتفي بعبور القناة.

في مذكرات الفريق سعد الدين الشاذلي -وهو قائد عسكري مخلص وناقد خطير للسادات- يؤكد إن الجيش المصري استعد للقتال في حرب أكتوبر وكافة القادة -ومنهم الشاذلي- على معرفة بأنهم من البداية لن يطوروا الهجوم إلى خط المضايق وأن أقصى طموحهم هو عبور خط القناة.

لم يعترض الشاذلي بأن في ذلك خيانة للاتفاق مع سوريا، كان الشاذلي يعرف أن الهجوم إلى المضايق يهدد قدرات مصر العسكرية وقتها .

لكنه وافق السادات على الخطة لأن هذا هو الممكن الوحيد رغم أن الاتفاق مع الأشقاء في سوريا كان بان يستمر الهجوم إلى المضايق.

وحين وقعت ثغرة الدفرسوار في حرب أكتوبر وتوغل شارون ومعه قوة إسرائيلية غرب القناة طلب الشاذلي عبور القوات للجبهة الغربية للقناة فرفض السادات رفضا حاسما …ولعل كل الخبراء لاحقا قالوا إن موقف السادات كان هو الأصح.

ورغم هجوم الشاذلي ونقده إلا أن الشاذلي اتفق مع السادات في الرأي السليم بعدم تطوير الهجوم شرقا في البداية، لولا أن السادات أمر لاحقا بتطوير الهجوم إلى المضايق فأوقعنا في خسائر كبيرة.

لقد وقع السادات في خطأ تطوير الهجوم وهو يعرف الخسائر الكاملة، ولم يفعل ذلك إلا لنفي تهمة الخيانة أمام سوريا التي صرخت عبر الاتحاد السوفيتي بأنها تتعرض للهجوم الإسرائيلي المكثف في الجولان بعد أن توقف الجيش المصري شرق القنال في سيناء.

غامر السادات ليرضي موسكو ودمشق بتطوير الهجوم ليخسر جزء من جيشه ويكسب موقفا سياسيا نافيا عن نفسه تهمة استغلال سوريا لتحقيق نصر على أرض سيناء وخسارة سوريا أرض الجولان.

توقفت الحرب خسرت سوريا الجولان ووجهت للسادات تهمة الخيانة !

نحن في حاجة إلى فهم كامل لسادات الجغرافيا الذي يرد ذكره كثيرا في كتب الجغرافيا السياسية والطبوغرافية العسكرية.

إن سادات الجغرافيا أكثر تعقيدا وثراء ومراوغة وصدمة وتنوعا مما يعرفه الناس عن الصورة الكاريكاتورية التي يرسمها عنه خصومه من الذين يغرفون عميقا من السلوك السياسي ويقنعون بقليل من المعارف الجغرافية.

نقلا عن صفحة الدكتور عاطف معتمد الشخصية على فيس بوك

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading