وجهات نظر

د.عاطف معتمد: القبح والجمال في جغرافية الأرياف!

أستاذ الجغرافيا الطبيعية بكلية الآداب جامعة القاهرة

زرت الأسبوع الماضي عددا من مراكز الأرياف في شمال الدلتا، من البرلس والحامول شرقا إلى سيدي سالم ودسوق غربا.

الفارق كبير للغاية بين ما تتمع به مدينة كفر الشيخ من تطوير عمراني وبين ما زالت تعيشه من مستوى درجة ثالثة مدن مثل الحامول وسيدي سالم.

ولست أنوي في هذا المقال أن اتناول الفوارق العمرانية في المدن والحواضر بقدر ما أسعى إلى تسجيل بعض المشاهدات عن الأرياف.

لقد تأثر الجغرافيون المصريون بالتبعية للمدارس الغربية التي رأت أن الجغرافيا الحديثة هي جغرافية المدينة وأن كل شيء في الصراع السياسي والاجتماعي والطبقي والتطور التقني والتجاري والأسواق يمكن أن نجده فقط في المدينة.

ومضى الجغرافيون المصريون على خطى الجغرافيين الأجانب في ربط التطورات الجغرافية بالتطورات في الحواضر والعواصم والمدن.

لقد وصلت الدرجة بواحد من الجغرافيين الأجانب إلى القول إنه لا توجد جغرافيا إلا في المدينة وأن الأرياف ليست إلا نغمة بطيئة متشابهة رتيبة لا فوارق بينها، تدعو إلى النعاس والهدوء وجماليات الطبيعة ولا تشغلنا بالثورة والتطور والتنمية.

ويبدو أن ذلك المفهوم ترسخ في عقول الإداريين المصريين منذ زمن الإقطاع الذي وضع الريف في فئة الحقل الزراعي الساذج الذي لا تطور فيه.

ولعل رائعة عبد الرحمن الشرقاوي “الأرض” التي حولها يوسف شاهين إلى فيلم رائع آخر بنفس العنوان مثال لتصوير الريف المصري بهذه السذاجة الغرائبية التي تضعه في حكايات ألف ليلة وليلة متخلفا عن التاريخ: امرأتان تتصارعان على روث بهيمة طمعا في الفوز بوقود للفرن، فلاح جاهل يمارس الجنس مع الحيوان، فتاة بالغة تتحرش جنسيا بصبي صغير طمعا في عملة فضية، هجَّانة من البدو الغلاظ أتوا من جنوب مصر يضربون بسياطهم ظهور الفلاحين…إلخ.

ورغم أننا استوردنا من الاتحاد السوفيتي شعار “عمال وفلاحين” في المفاهيم السياسية والثورية بعد 1952 إلا أننا لم نشهد حضورا للنقابات الزراعية أو العمل الفلاحي بالدرجة التي تعبر عن الأغلبية الساحقة من الشعب المرتبط بالأرض الزراعية.

وقد أصيب الصعيد بخيبة كبرى حين تعمق التفاوت الذي لا يصدقه عقل بين مدينة القاهرة التي أخذت تنمو وتصبح مدينة الأحلام وبقية محافظات الوادي الزراعي الذي ظل يتراجع وينزوي من دون فرص عمل تطورية تحفظ سكانه من الهجرة إلى القاهرة.

حالة الريف في كفر الشيخ (شمال الدلتا) مختلفة عن حالتها في الصعيد.

فهنا تم اختراع عاصمة إقليمية من مجموعة بلدات وقرى تحمل اليوم مسمى “مدينة كفر الشيخ” لتأخذا مكانا جديدا في شمال الدلتا بعد أن عجزت “طنطا” عن الوفاء بكل التزاماتها تجاه هذه المساحة الشاسعة.

ولعبت جامعة كفر الشيخ الحديثة الدور الأكبر في تنمية عاصمة المحافظة لأنها أصبحت قطبا جاذبا لأبناء المراكز المختلفة طلبا للحصول على شهادة جامعية.

إن مقارنة الحالة العمرانية لمدينة مثل كفر الشيخ من ناحية ومدينة مثل سيدي سالم أو الحامول من ناحية ثانية تدعو على الحزن.

فالوقت الفاصل بينهما بسيارة الأجرة أقل من ساعة لكن الفارق المعماري بينهما 100 سنة.

كفر الشيخ تقلد أحياء القاهرة المركزية من الخدمات التجارية والمطاعم والكافيهات من كل لون.

تتوسع مدينة كفر الشيخ بكل ثقة – وتجبر – على الأرض الزراعية المحيطة بها وتلتهم ما كان جيوبا ريفية منتجة من قبل.

أعود إلى جغرافية الأرياف التي ظلُمت في جغرافية مصر الحديثة لأقول إن المشهد الطبيعي في هذه الجغرافيا كان يتألف عادة من خمسة عناصر للجمال والنظافة:

فرع من فروع النيل التي كانت سبعة إلى تسعة أفرع وانتهت إلى فرعين فقط هما دمياط ورشيد. وقد حلت محلهما منذ ألفي سنة قنوات اصطناعية حفرها الفلاح المصري في مواضع الفروع القديمة وكان كل منها يمثل صورة مصغرة للنيل المتدفق بالمياه والطمى قاصدا الوصول إلى مصابه في البحر المتوسط أو في البحيرات الشمالية.

حقول زراعية تلمع بخضرتها ( في موسم النمو) أو بلونها الذهبي (وقت الحصاد). ولأن المياه هنا وفيرة والأرض مستوية فقد نجح محصول الأرز نجاحا باهرا حتى عرفت المنطقة بـ “بلاد الأرز”.

مساكن للفلاحين من طوب لبن تحول إلى طوب صلب بمرور الزمن. وقد قامت هذه المساكن قبل 5000 سنة فوق الأكوام العالية الجافة في قلب الأرض الزراعية لتصبح في حماية من الفيضان وبعيدا عن المستنفعات والطين.

وحين يأتي علماء الآثار ليبحثوا عن تاريخ مصر القديم يذهبون إلى ما بقي من هذه الاكوام والتلال الرملية والطينية القديمة (وتسمى اصطلاحا لشكلها القبوي بـ “ظهور السلاحف”).

وعلى واحدة من هذه الأكوام قامت عاصمة الدلتا الموجدة قبل آلاف السنين وتعرف باسم “إبطو”، (في مركز دسوق بكفر الشيخ حاليا) وتسمى هذه العاصمة اليوم باسم “تل الفراعين” أو كوم الفراعين، نسبة إلى التماثيل والآثار المدهشة التي عثر عليها في المنطقة.

ثروة حيوانية طبيعية ومراع وطيور مهاجرة وثروة سمكية في كل من البحيرات وفروع النيل والترع والقنوات.

غابات صغيرة من الأشجار حول البحيرات فيما يشبه الأحراش أو صفوف متراصة من أقوى الأشجار وأكثرها ظلا على جانبي القنوات المائية.

كانت صورة الريف في شمال الدلتا جنوب بحيرة البرلس نموذجا لبقية أراضي الدلتا في الشرق (بحيرة المنزلة) وفي الغرب (بحيرتا إدكو ومريوط).

وهذه الجغرافيا هي جغرافيا مصرية خالصة، حملت في بعض الأحيان مسمى “البراري” المصرية.

عرفت زميلا في الجامعة قبل ربع قرن (عليه رحمة الله ) كان اسم عائلته “البراوي”.

ولجهلي نطقت اسم عائلته أول مرة خطأ حين رأيته في هويته الشخصية بكسر الباء “البــــِراوي”.

بكل تسامح، صحح لي زميلي النطق بأن الباء مفتوحة، وهذا فارق كبير بين السماء والأرض !

فالبراوي بباء مكسورة كلمة شعبية تعني شخصا أنانيا لا خير فيه لأهله، أما البراوي بفتح الباء فهي نسبة إلى البراري في شمال الدلتا.

كان زميلي من محافظة البحيرة من أطراف بحيرة إدكو وغير بعيد عن رشيد.

يخبرنا أستاذنا الراحل عمر الفاروق السيد رجب في كتابه عن جغرافية “البراري” أن كلمة البراوي ظهرت في الخطط التوفيقية في وصف بعض سكان هذه المنطقة من الصيادين الذين يعيشون في البراري بعيدا عن الناس في عشة معزولة.

ويبدو أن أستاذنا الجليل عمر الفاروق عاد إلى الخطط التوفيقية التي ألفها على باشا مبارك في نهاية القرن التاسع عشر بينما القصة الأصلية مذكورة في موسوعة وصف مصر في الحملة الفرنسية التي عاد إليها علي باشا مبارك.

كانت جغرافية الأرياف في مصر غنية ومتنوعة وبها خصوصية البراري المصرية من نظام إيكولوجي (بيئي طبيعي) وتفاعل بين الإنسان وعناصر البيئة.

وقد بقيت هذه الصورة آلاف السنين حتى ستينيات وسبعينيات القرن العشرين ومعها يبدأ التغير الكبير في جغرافية الأرياف في شمال الدلتا.

أول ما تغير هو تجفيف مساحة البحيرات والمستنقعات والسياحات والبرك والأراضي البور من البوص والهيش، من أجل الاستصلاح الزراعي تلبية للأعداد المتزايدة من السكان لمواكبة القفزة الكبيرة في سكان مصر التي عرفت بمرحلة الانفجار السكني.

شمل التغير أيضا تفشي ظاهرة المزارع السمكية.

واكب ذلك أيضا إنشاء السد العالي وضعف وصول المياه إلى البحيرات والانتقال إلى الاعتماد على مياه الصرف الزراعي في بيئة البحيرات الشمالية من زراعة وصيد.

أما أكبر عناصر الإهمال التي أصابت جغرافية الريف في صميم فؤاده فهو إهماله من حيث النظافة واستيعاب مخلفات القرى والبلدات من صرف صحي ومخلفات صلبة.

لا نريد أن نصدق الشواهد التي تقول إن الفلاح المصري في الريف كسول وقدري وضعيف العزم في مسألة النظافة، ولا يؤمن بالعمل الجماعي في التعاون من أجل التخلص من هذه الأخطار بطريقة إبداعية وهو ابن حضارة آلاف السنين.

كان هذا الفلاح وما زال إلى اليوم في عام 2024 (ومصدري زيارتي الميدانية الأسبوع الماضي) يلقي بهذه المخلفات في الترع والمصارف، فوقعت حالات بالغة التدهور في جغرافية الريف.

إن الريف المصري يستحق من معشر الجغرافيين والمؤرخين وعلماء الاجتماع أن يشمروا عن سواعدهم لدراسة خصوصية بلادهم وتدريسها للطلاب ونشرها في وسائل الإعلام والتوعية بها وإنقاذ ما تبقى منها.

وتجدني هنا استخدم عبارة “معشر الدارسين” أي أن المشكلة تتجاوز ظهور فيلسوف جغرافيا جديد مثل العظيم جمال حمدان الذي يسعدنا دوما بقراءة أفكاره،

لأننا هنا أمام مشكلة جغرافية مزمنة يومية ومتفاقمة وتحتاج إلى مئات بل آلاف من الباحثين يعملون في مراكز البحث في الدولة لإنقاذ ثروة مصر الريفية ..أو ما تبقى منها.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading