وجهات نظر

د.عاطف معتمد: في الصحراء نعم..وعلى ساحل البحر أيضا !

أستاذ الجغرافيا الطبيعية بكلية الآداب جامعة القاهرة

أخذت الصورة المرفقة من مدينة القصير على ساحل البحر الأحمر قبل عدة سنوات.

يرتبط شطر من تاريخ القصير بالحكم العثماني لمصر. اهتم العثمانيون خلال الفترة التي أخضعوا فيها مصر بتدعيم ميناء قديم ليصبح نقطة الانطلاق إلى الحج، حاملا معه وفود الرحلة المقدسة من مصر وشمال إفريقيا وغربها.

لقد حلت القصير في هذه الفترة محل عيذاب في جنوب شرق مصر كمحطة للحج إلى مكة بعد الاضطرابات مع قبائل البچا ومخاطر السفر الطويل في الصحراء.

لهذا السبب أصبحت القصير منذ القرن 16 مركزا دينيا مهما للغاية باعتبارها الطريق إلى مكة المقدسة فنالت قبسا من هذه القداسة.

وجاء تكريس الجغرافيا المقدسة في القصير إما بوفاة علماء وشيوخ طرق صوفية في أرضها فأقيم على مواضع وفاتهم أضرحة ومساجد؛ أو بوفود علماء من خارج القصير والاستقرار، ومن بينهم مسجد الشيخ الفرَّان أحد أقدم مساجد القصير على البحر الأحمر، الذي تأسس في ١١١٧ هجرية – ١٧٠٤ ميلادي.

يقول أهل القصير من كبار السن إن الشيخ الفران جاء إلى بلادهم من الأراضي الحجازية للانشغال بالتدريس والعلم.

وحين ظهرت الدهشة في عيني أجابني أحد شيوخ البلدة قائلا: ألا تعلم أن في هذا البلد الطيب ” 44 مقاما” لأكابر الشيوخ والأولياء؟!

في الصورة المرفقة مع هذا المقال ضريح لبعض أولياء القصير، على ساحل البحر مباشرة، يضم المقام اثنين من أشهر أقطاب الطرق الصوفية وهما “عبد القادر الجيلاني” و “أبو الحسن الشاذُلي” .

ورغم أن عبد القادر الجيلاني (المختلف في أصله من “جيلان” فارس أم “جيلان” العراق) لم يزر القصير ولا علاقة لها بها؛

ورغم أن “أبو الحسن الشاذُلي” الفقيه والحاج المغربي الذي توفي في جنوب الصحراء الشرقية المصرية قبالة برنيس لم يكن له علاقة بالقصير من قريب أو بعيد، رغم كل ذلك إلا أن القائمين على هذا المقام جمعوا شيخين تحت قبة واحدة رغبة في إعطاء المكان مزيدا من القدسية.

لا تستكثر ذلك على القصير، إن هي إلا طريقة شهيرة حتى في الأماكن رفيعة المستوى العلمي في بلادنا، ألا ترى أن المؤسسات الأكاديمية تضع صور وتماثيل لكبار أساطين الفيزياء الذين لم يكن لهم علاقة بهذا المكان من قريب أو بعيد؟ ألا ترى أن المعاهد الجغرافية الكبرى في بلادنا التي ليست لديها موارد ولا طاقات للقيام بكشوف جغرافية تزين جدران أبنيتها بصور ورسومات لأكابر الرحالة أمثال ابن بطوطة وشفاينفورث وديفيد ليفنجستون ؟! ألا ترى معاهد الفلسفة تزين جدرانها بصور رواد الحرية والأخلاق؟

الصورة المرفقة لا تحمل لك هنا سوى القبة الخضراء. المكان نظيف جدا وفي حوشه الصغير أربعة أزيار للماء البارد، ونخلتان باسقتان، ومقامان يتشحان بالأخضر الفاقع: على اليمين مقام “الباز الأشهب” وهي الصفة التي يعرف بها عبد القادر الجيلاني وعلى اليسار مقام “أبو الحسن الشاذلي”.

وأود في الختام أن أستبق هجوم بعض الذين يريدون أن يصححوا لي العقيدة ويخبروني – في كل بوست – بأن هذه الأضرحة شرك بالله، فأقول لهم ما كتبته العام الماضي عن سبب استخدامنا لهذه الموضوعات في تقريب الجغرافيا الشعبية إلى القراء.

فالكتابة عن الأضرحة والمقامات والكنائس والمساجد لا تمثل أية دلالات دينية أو عقائدية للجغرافي، خلافا لما يظنه القراء. لي زملاء حول العالم لا يدينون بأية ديانة، ويؤلفون مقالات عن “الجغرافيا المقدسة”.

لقد صنفت الجغرافيا الثقافية هذه المواقع باعتبارها “أماكن مقدسة” رغم ما يثيره من حفيظة المتدينين ممن يرون أن الأماكن المقدسة حصرية في تلك التي يحجون إليها أو يصلون فيها.

والأماكن المقدسة مقدسة عند معتقديها، فنهر الجانج والبنجاب وبحيرات وتلال في سيبيريا أو أدغال في أفريقيا وأنهار في البرازيل تحمل صفة القداسة عند سكانها بغض النظر عما تمثله لعقائد أخرى.

ويجد باحث الجغرافيا في مثل هذه الأماكن “المقدسة” ثروة كبيرة للكتابة والدراسة.

وذلك لأنها ممزوجة بطابع خيالي وأسطوري وديني.

ومثل هذه الخيالات والأساطير والمعتقدات تمنح بعض الأماكن أهمية ويتردد اسمها وتصبح أكثر شهرة ومعرفة واهتماما بين الناس.

وكل ما يرجوه الجغرافي أن تصبح الأماكن مشهورة ومعروفة للناس حتى تزداد علاقات التبادل الإيجابي بين الإنسان والبيئة.
الجغرافي هنا ليس متدينا بالضرورة بقدر ما هو براجماتي نفعي يستغل الموقف لترويج سلعته.

أذكر أنني زرت قبل 10 سنوات المنطقة البحرية الحدودية بين فيتنام والصين على المحيط الهادئ.

كانت هذه هي المرة الأولى والأخيرة التي أزور فيها مكانا على المحيط الهادئ، ورغم أنني أعرف قدرا نظريا لا بأس به من جغرافية المنطقة إلا أن ذكريات الزيارة ما تزال منطبعة في ذهني كأنها أمس، وذلك لسبب أسطوري لا جغرافي ولا علمي.

تتألف المنطقة من مئات الجزر الصخرية في مياه المحيط في الخليج المعروف باسم “ها لونج Hạ Long Bay”.

المعلومات العلمية عن المكان لا بأس بها وتتحدث عن طبيعة الأصل الجيولوجي في انشطار الصخور وانتثار مئات الجزر الصخرية جراء حركات تكتونية وصدعية وانفلاق وانشطار وإزاحة.

لكن أسطورة محلية جعلتني أتذكر جغرافية المكان بشكل طازج دوما.

فالأسطورة تقول إن هذه المنطقة تعرضت لغزو جحافل الجيوش الصينية منذ قديم الأزل. وكان هناك تنين مقدس في فيتنام أراد أن يساعد الشعب المسالم أمام قوات لا قبل له بها زحفوا بأسطول جرار.

وحتى يعيق تقدم الأسطول الصيني فإنه حول نفسه إلى جبل ضخم على الساحل، ثم فجر نفسه ليفدي البلاد فتحول إلى شظايا من مئات وربما آلاف الجزر الصخرية التي حطمت سفن الغزاة.

تحرص كتب الإرشاد السياحي ومواقع الإنترنت والمرشدون السياحيون في فيتنام على ترديد تلك الأسطورة.

الحصافة في الإرشادات السياحية أنها لا تقول أسطول صيني كي لا تكرس أزمة عدائية بل تقول أسطول “شمالي” .

مع أنه لا يوجد في الشمال سوى الصين.

وحين تروى هذه الأسطورة على زوار الخليج لا يقول الزائرون من السياح والطلاب والباحثين “كفى سخفا..هذه أسطورة ضد العلم”! بل يستفيدون من الحكاية في “قدح” خيال الرؤية والتفكير فتتولد الأفكار وتستفيد المعرفة الجغرافية.

وبناء عليه، أرجو أن يطمئن السادة القراء إلى أن الكتابة عن “جغرافية الأولياء في البحر والصحراء” لا تنتوي أية أهداف دينية بقدر ما تستغل الموضوع لتعريفنا بجغرافية بلادنا !

نعود إلى القصير، نسيت أن أخبركم أن الصورة لا تحمل رائحة البخور التي تقربك من “ونس” المكان، كما أنها لا تضم صوت الطيور المهاجرة التي تغرد أعلى القبة الخضراء، وبدهي أنه لا تظهر فيها مياه البحر الهادئة من خلفك وهي تتهادى بين شِباك الصيادين الذين يتربصون متسللين للفوز بأسماك تدخل هنا مغدورة …تريد الراحة أو التوالد.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading