د.عاصم عبد المنعم أحمد: اتفاقية باريس .. التنفيذ والتهديد والانسحاب
رئيس قسم بحوث الأرصاد الجوية الزراعية بالمعمل المركزى للمناخ بمركز البحوث الزراعية

تُعتبر إندونيسيا إحدى أكبر الدول المسببة لانبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري في العالم، وفى خطوة غير متوقعة المح المبعوث الخاص للتغيرات المناخية والطاقة الإندونيسي هاشم جوى هادى كوسومو فى منتدى الاستدامة بالعاصمة الأندونيسية يناير 2025، أنها قد تحذو حذو الولايات المتحدة، وتَنسحب من اتفاقية باريس للمناخ، مُتعللًا بانسحاب الولايات المتحدة الأمريكية للمرة الثانية من الاتفاقية على الرغم من كونها ثاني اكبر دولة مُسببة لانبعاثات غازات الاحتباس الحرارى عالميًا والأكبر فى التاريخ فى المجمل.
وقدمت أندونيسيا تقريبًا نفس أسباب الدولة الصينية فى عام 1997 عندما رفضت التوقيع على بروتوكول كيوتو أنذاك، حيث أشار المبعوث الخاص للتغيرات المناخية الإندونيسي إلى التفاوت الصارخ في انبعاثات الكربون للفرد الواحد حيث تُنتج الولايات المتحدة حوالي 13 طنًا متريًا من الكربون للفرد سنويًا، في حين يُنتج المواطن الإندونيسي فى المتوسط حوالي ثلاثة أطنان مترية، كما أشار هاشم أيضًا إلى غياب العدالة المناخية بين الدول.
انسحاب الولايات المتحدة الأول من اتفاقية باريس
وبالرجوعِ الى الوراء قليلًا حينما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي تم انتخابهِ فى فترة رئاسته الأولى في نوفمبر من العام 2016 انسحاب الولايات المتحدة الأول من اتفاقية باريس، وعلى الرغم من إعلان الرئيس ترامب في البيت الأبيض في يونيو 2017 الانسحاب من الاتفاقية، إلا أن الانسحاب دخل حيز التنفيذ في 4 نوفمبر 2020 أي بعد يوم واحد من الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2020 ، والتي أسفرت عن خسارته.
ثم عَادت الولايات المتحدة الأمريكية مرة أخرى على يد الإدارة الأمريكية الجديدة انذاك بقيادة بايدن فى 19 فبراير 2021، إلا أن هذا الغياب القصير في نهاية المطاف عن اتفاق باريس نحو أقل من أربعة أشهر كافيًا لتعطيل دبلوماسية المناخ العالمية وتشويه مصداقية الولايات المتحدة على المسرح العالمي.
تَخلى الولايات المتحدة الأمريكية عن دورها القيادي
وفى بداية فترة رئاسته الثانية اعلن الرئيس دونالد ترامب الانسحاب مرة أخرى من الاتفاقية وذلك بموجب أمر تنفيذي وقعه يوم الاثنين 20 يناير 2025، كأحد أول إجراءاته بعد توليه منصبه لا يَعكس بالضرورة فشل اتفاق باريس بل يُشير إلى تَخلى الولايات المتحدة الأمريكية عن دورها القيادي فى هذا الموقف الصعب.
في حين لم تعلن إندونيسيا رسميًا عن أي خطط للانسحاب من اتفاقية باريس لعام 2015، شككَ عدد مُتزايد من كبار المسؤولين في عدالة التزام إندونيسيا بخفض الانبعاثات عندما اختارت دولة ملوثة رئيسية مثل الولايات المتحدة عدم الالتزام، وأشار وزير الطاقة والموارد المعدنية الإندونيسي بهليل لاهاداليا إلى أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقية سيؤدي إلى انخفاض الدعم المالي لمشاريع الطاقة المتجددة، مما سيجعل من الصعب على إندونيسيا أن تظل مُلتزمة بالتحول إلى الطاقة النظيفة.
تأثير الدومينو
وباعتبار دولة اندونيسيا دولة زعيمة مؤثرة في المنطقة فإن موقف إندونيسيا المُتردد يُهدد بتشجيع التراجع بين جيرانها وإضعاف التعاون المناخي الهش بالفعل فى رابطة دول جنوب شرق آسيا (ASEAN)، والأسوأ من ذلك هذا الانسحاب قد يُؤدى إلى إحداث تأثير الدومينو مما يحبس المنطقة فىي الاعتماد على الوقود الأحفورى فى وقت يَتسارع فيه بقية العالم نحو مصادر الطاقة المتجددة.
العمل المناخي في رابطة دول جنوب شرق آسيا مجزأ على الدوام، ففي حين أحرزت سنغافورة وبروناي وفيتنام تقدمًا كبيرًا في مجال الطاقة المتجددة لا تزال دول أخرى تَعتمد بشكل كبير على الوقود الأحفوري. وفي عام 2022 بلغت إعانات استهلاك الوقود الأحفوري في رابطة دول جنوب شرق آسيا 105 مليار دولار أميركي وإذا قللت إندونيسيا من أهمية اتفاق باريس للمناخ أو انسحبت منه فقد تحذو حذوها دول مثل ماليزيا أو تايلاند أو الفلبين مُستشهدةً بـالبراغماتية الاقتصادية كمبرر لإطالة أمد الاعتماد على الوقود الأحفوري.
قطاع الطاقة فى إندونيسيا
وبالنظر الى قطاع الطاقة فى إندونيسيا تُعتبر اندونيسيا منتجًا رئيسيًا للفحم والقصدير والنفط والغاز والنيكل والنحاس والذهب، حيث تَمتلك إندونيسيا 3.2% من احتياطي الفحم العالمي وهذه الطاقة المُولدة من الفحم في إندونيسيا مُخصصة بشكلٍ أساسي لتشغيل مجموعة مُختارة من الصناعات كثيفة الطاقة، حيث تَحتل المعادن مثل النيكل والألمنيوم، حصة كبيرة تليها اللب والورق والمواد الكيميائية والأسمنت والمنسوجات.
وتعزى الإضافات الرئيسية لمحطات توليد الطاقة بالفحم في خط الأنابيب إلى صناعة معالجة المعادن في إندونيسيا مثل النيكل وهو منتج هام لصناعة السيارات، كما وتُعتبر دولة اندونيسيا دولة مصدرة للنفط والغاز، حيث تبلغ نسبتهما نحو 13% من إجمالي الصادرات الأندونيسية.
الفائز الأكبر والخاسر الأكبر
وبالتالي عند النظر الى الصورةِ كاملة من تصريحات المبعوث الخاص للتغيرات المناخية والطاقة الإندونيسي ومقدرات الدولة النفطية والصناعية ومواردها، ونفوذ نخب رجال الأعمال ذات المصالح الخاصة في هذه القطاعات، وانسحاب الولايات المتحدة الأمريكية مرتين في عهد ترامب، سنجد أن الفائز الأكبر هو اللوبى الصغير (مجموعة الأفراد) الذى يَعمل فى صناعة النفط.
بينما الخاسر الأكبر هو دولة إندونيسيا نفسها التى تُعتبر من أكثر الدول عُرضةً لتغير المناخ فى العالم مع وجود أكثر من 17 ألف جزيرة تواجه ارتفاع مستويات سطح البحر وحوداث الطقس المُتطرف، وعلى هذا فإن التراجع عن الالتزامات المناخية ليس مُجرد تصرف غير مسؤول فقط بل إنه مُدمر للدولة نفسها.
الظلم ضد الإنسانية وضد كوكب الأرض
وما يزيد الأمر تعقيدا وسوءا أن التلوث المزمن بالضباب في المنطقة (دول جنوب شرق آسيا) يرجع إلى حدٍ كبير إلى حرق المحاصيل الزراعية في إندونيسيا، حيث تؤدي ممارسات حرق مزارع زيت النخيل واللب إلى اختناق سنغافورة وماليزيا ليس هذا فحسب بل وتَمتد السحب السوداء أيضًا إلى أغلب بلدان جنوب شرق آسيا إن لم يكن كلها، الأمر الذى يتسبب فى أمراض الجهاز التنفسي وإغلاق المدارس وهو دليل واضح على ضعف الإدارة والحوكمة البيئية فى دولة اندونيسا.
فإندونيسيا يجب أن تنظر إلى غياب القيادة الأمريكية بشأن قضايا المناخ كفرصة لتعزيز قيادتها للمناخ والضغط على الدول الغربية للوفاء بالتزاماتها بتمويل التحول العادل في مجال الطاقة وليس العكس.
فعلى قادة وزعماء الدول المختلفة عدم النظر إلى اتفاق باريس على أنه مجرد قطعة ورق مليئة بالتوصيات الفنية والمالية والبيئية للحد من الانبعاثات بل إنه التزام لحماية البشرية من خطر محدق بنا، فقضية التغيرات المناخية حدثت بالفعل وتأثيراتها واضحة أمامنا والانسحاب من اتفاق باريس هو عمل من أعمال الظلم ضد الإنسانية وضد كوكب الأرض، فليس هناك كوكب بديل للانتقال إليه أو عصا سحرية لإنقاذ كوكبنا من الهلاك.
من يتحمل إهدار خطوات التقدم نحو الطاقة المتجددة؟
وفى الختام لا بد من القول أنه لا تستطيع دولة إندونيسيا أو أى دولة أخرى أن تتحمل إهدار ما تم تحقيقه من خطوات للتغير نحو الطاقة المتجددة أو مصداقيتها من خلال إعطاء الأولوية للمكاسب قصيرة الأجل في مجال الوقود الأحفورى.
وباعتبارها جزءًا من مجتمع دول جنوب شرق آسيا يتعين عليها أن تؤكد أن العمل المناخي غير قابل للتفاوض أو المساومة وبعيدًا كل البعد عن السياسة. على الجانب الآخر فإن الحد من استهلاك الوقود الأحفوري، وتبني الإنتاج المستدام مع تعظيم إعادة الاستخدام وإعادة التدوير بما في ذلك طاقة الكتلة الحيوية من شأنه أن يدفع إلى تغيير معنوى ذي مغزى فى مسار اتفاية باريس للتغيرات المناخية.





