وجهات نظر

د. طارق قابيل: تأثير العملات المشفرة على المناخ وتداعياته في المستقبل

أكاديمي، كاتب، ومترجم، ومحرر علمي، عضو هيئة التدريس بكلية العلوم - جامعة القاهرة

أفادت دراسة حديثة نشرت في مجلة “ساينتفك ريبورت” (Scientific Reports) أن عملة البيتكوين المشفرة، وهي الأكثر شهرة في العالم، لها تأثير مناخي أكبر من تأثير تعدين الذهب، ومساو لتأثير استخراج الغاز الطبيعي أو تربية الماشية من أجل اللحوم.

وتشير نتائج التحليل الجديد الذي أجراه باحثون من جامعة نيو مكسيكو، إلى أن تشفير عملة البيتكوين يحتمل أن يكون غير مستدام، ويمكن أن تكون له تداعيات اجتماعية وبيئية كارثية في المستقبل، حيث تؤدي عملة البيتكوين إلى أضرار مناخية أكثر مما يؤدي إليه إنتاج لحوم البقر، ولها أضرار تقريبا مثل أضرار النفط الخام.

البيتكوين هي أول عملة رقمية لامركزية، من دون وجود بنك مركزي، يمكن إرسالها من شخص إلى أخر عبر شبكة بيتكوين بطريقة الند للند دون الحاجة إلى طرف ثالث (وسيط كالبنوك)، وهي عملة مشفرة تم اختراعها في عام 2008 من قبل شخص أو مجموعة من الاشخاص مجهولي الهوية عرفوا باسم ساتوشي ناكاموتو، وبدأ استخدام العملة في عام 2009 عندما تم إصدار تطبيقها كبرنامج مفتوح المصدر.

ما بين 2.9 إلى 5.8 مليون مستخدم

وتشير تقديرات البحوث التي تنتجها جامعة كامبريدج إلى أنه في عام 2017، هناك ما بين 2.9 إلى 5.8 مليون مستخدم يستعمل محفظة لعملة رقمية، ومعظمهم يستخدمون البيتكوين.

شبكة البيتكوين تعمل منذ 2009 ولم تتوقف منذ ذلك الحين، وتنتقد البيتكوين بسبب امكانية استخدامها في إجراء معاملات غير قانونية، ولتقلب سعر الصرف، وبسبب الكمية العالية من الكهرباء المستخدمة للتعدين لإنتاج كمية جديدة من البيتكوين.

وبحسب ما ذكرته الورقة البحثية، فمن عام 2016 إلى عام 2021، ارتفعت انبعاثات غازات الاحتباس الحراري المكافئة لثاني أكسيد الكربون من جراء إنتاج عملة البيتكوين من أقل من طن متري واحد إلى 113 طنا.

أضرار مناخية بقيمة إجمالية نحو 3.7 مليار دولار

ومن المحتمل أن تتسبب كل عملة منها تم تعدينها في عام 2021، في أضرار مناخية بقيمة إجمالية نحو 3.7 مليار دولار أمريكي لهذا العام وحده.

ومن المعروف أن البيتكوين تشكل صناعة بمليارات الدولارات، وعلى مدار فترة الدراسة التي استمرت خمس سنوات، وجدت الدراسة أن متوسط أضرارها المناخية بلغ 35% من قيمتها السوقية.

وهذا يعني أنك إذا أخذت دولارا أمريكيا واحدا من البيتكوين، فإن نحو 35 سنتا من هذا الدولار هي أضرار مناخية عائدة له.

وفي عام 2020، على سبيل المثال، تطلّب تعدين البيتكوين كمية من الطاقة أكثر من كمية استخدام النمسا أو البرتغال للطاقة في نفس العام.

ولوضع ذلك في المنظور الصحيح، قارن الباحثون تعدين العملات الرقمية بأنشطة أخرى تستهلك الكثير من الطاقة.

وكانت الأضرار المناخية للبيتكوين مقابل الدولار أقل بقليل من أضرار الغاز الطبيعي (عند 46 سنتا لكل دولار)، وأضرار البنزين من النفط الخام (عند 41 سنتا لكل دولار).

لكنها كانت أكثر بقليل من أضرار إنتاج لحوم البقر (33 سنتا)، وأكثر بكثير من أضرار تعدين الذهب (4 سنتات). ولا يعد أي من هذه الأنشطة حاليا نشاطاً مستداما.

بنجامين جونز

كتب بنجامين جونز الاقتصادي البيئي بجامعة نيو مكسيكو، وزملاؤه في ورقتهم البحثية: “بينما يعرض مؤيدو البيتكوين بانتظام وكأنها تمثل نوعا من الذهب الرقمي من منظور الأضرار المناخية، تسلك العملة المشفرة سلوكاً أشبه بسلوك النفط الخام الرقمي”.

يعتمد تعدين البيتكوين نفسه على النمو الهائل لقوة الحوسبة، والتي بدورها تتطلب المزيد من الكهرباء بشكل كبير. ولاعتبار عملة البيتكوين عملة مستدامة حقا، يجب أن تنخفض أضرارها المناخية بمرور الوقت مع نضوج التكنولوجيا وتصبح أكثر كفاءة. لكن هذه الحسابات الجديدة تظهر أن ذلك لا يحدث.

تعتمد عملة البتكوين، مثلها مثل العديد من العملات المشفرة الأخرى، على طريقة كثيفة الاستهلاك للطاقة لتوفير التحقق المشفر من الأموال في دفتر الموازنة العام. وفي أكثر من يوم واحد من أصل 20 يوماً في الفترة التي فحصها الباحثون، تجاوز الضرر المناخي من “تعدين البيتكوين” قيمة العملات المعدنية المنتجة، ويرجع ذلك بشكل كبير إلى استهلاك الكهرباء.

مجموعة من علامات الإنذار المرافقة

ورأى البعض أن مصادر الطاقة المتجددة يمكن أن تغطي هذا الطلب، لكن الباحثين كتبوا أن الضرر المناخي لكل دولار من القيمة المُنشأة كان أسوأ بعشر مرات لعملة البيتكوين مقارنة بتوليد طاقة الرياح والطاقة الشمسية، وهو ما يمثل “مجموعة من علامات الإنذار المرافقة لاعتبار هذا القطاع كقطاع مستدام”.

وكتب ألكسندر نيومويلر من كامبريدج: “تظهر النتائج أن الوقود الأحفوري يمثل ما يقارب ثلثي إجمالي مزيج الكهرباء (62.4%)، ومصادر الطاقة المستدامة 37.6% (منها 26.3% مصادر متجددة و11.3% نووية).

وبالتالي، فإن النتائج تنحرف بشكل ملحوظ عن نتائج الصناعة التي تقدر حصة مصادر الطاقة المستدامة في مزيج الكهرباء في البيتكوين بنسبة 59.5%”.

ويقول فريق كامبريدج، إن هذه الانبعاثات قابلة للمقارنة بتلك الصادرة عن دول مثل دولة النيبال أو جمهورية إفريقيا الوسطى.

ومع ذلك، وعلى الرغم من أن مزيج التوليد لا يزال كثيفا بالكربون، فقد انخفض إجمالي انبعاثات البيتكوين في الأشهر الـ12 الماضية بسبب الانخفاض الحاد في قيمة العملة المشفرة.

ويقدر الباحثون أن أسعار البيتكوين، وبالتالي المدفوعات المتوقعة للتعدين، قد انخفضت بمقدار الثلثين، ما أدى إلى خروج البعض من العمل ودفع البعض الآخر إلى خفض أنشطتهم، مما أدي لخفض الانبعاثات بنحو 14% مقارنة بعام 2021.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading