رش المبيدات في المنازل يصنع بعوضًا أكثر مقاومة للمبيدات
رش الحدائق لم يعد الحل.. دراسة تكشف كيف يكتسب البعوض مناعة ضد المبيدات
حذرت دراسة علمية جديدة من أن الاعتماد المكثف على رش المبيدات الحشرية في الحدائق والمنازل قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، تتمثل في ظهور بعوض أكثر قدرة على مقاومة المبيدات، ما قد يقلل من فعالية وسائل المكافحة في المستقبل ويزيد من مخاطر انتشار الأمراض التي تنقلها الحشرات.
وأجرى الدراسة باحثون من جامعة ولاية كارولاينا الشمالية (NC State University)، ونُشرت نتائجها في دورية Royal Society Open Science، حيث ركزت على بعوض النمر الآسيوي (Aedes albopictus)، وهو أحد أكثر الأنواع الغازية انتشارًا في الولايات المتحدة، ويتميز بلدغاته النهارية وقدرته على نقل أمراض خطيرة مثل حمى الضنك وشيكونجونيا وحمى غرب النيل.

الرش المنزلي يغيّر التركيبة الوراثية للبعوض
اعتمد الباحثون على جمع عينات من 31 حيًا سكنيًا في مدينة رالي بولاية نورث كارولاينا، وهي مدينة لا تطبق برنامجًا حكوميًا لمكافحة البعوض، ما يعني أن عمليات الرش تتم بالكامل تقريبًا بواسطة السكان أو شركات خاصة.
وخلال الدراسة، جُمعت 987 بعوضة باستخدام مصائد خاصة، ثم خضعت لتحليل وراثي للكشف عن الطفرات المسؤولة عن مقاومة المبيدات.
وأظهرت النتائج أن الرش المتكرر بالمبيدات، خاصة تلك التي تحتوي على البيرثرويدات (Pyrethroids)، أدى إلى زيادة انتشار طفرة جينية تمنح البعوض مقاومة لهذه المواد الكيميائية.

علاقة مباشرة بين الدخل ومقاومة البعوض
توصل الباحثون إلى نتيجة لافتة، إذ تبين أن الأحياء الأعلى دخلًا، والتي يميل سكانها إلى الاستعانة بشركات مكافحة الحشرات بصورة منتظمة، سجلت أعلى معدلات مقاومة للمبيدات.
وأوضحت الدراسة أنه:
في الأحياء التي يبلغ متوسط قيمة المنزل فيها نحو 350 ألف دولار، حمل نحو 20% من البعوض جين المقاومة، وعند ارتفاع قيمة المنازل إلى 720 ألف دولار، ارتفعت النسبة إلى نحو 50%.
أما في الأحياء التي تتجاوز قيمة المنازل فيها 1.5 مليون دولار، فقد تجاوزت نسبة البعوض المقاوم 80%، وبلغ متوسط انتشار جين المقاومة في جميع المناطق المدروسة 39%.
طفرة جينية تقلل تأثير المبيدات
ترتبط المقاومة بطفرة وراثية تعرف باسم F1534S داخل الجين المسؤول عن نقل الإشارات العصبية في جسم البعوض.
وفي الظروف الطبيعية، تعمل مبيدات البيرثرويد على تعطيل الجهاز العصبي للحشرة حتى تصاب بالشلل وتموت، إلا أن هذه الطفرة تقلل من تأثير المبيد بشكل كبير، وهي الظاهرة التي يطلق عليها العلماء اسم مقاومة الشلل (Knockdown Resistance – kdr).
وسبق رصد هذه الطفرة في عدة دول منذ ظهورها لأول مرة في سنغافورة عام 2009، وغالبًا ما ترتبط بالاستخدام المكثف للمبيدات.

مقاومة تتطور بسرعة
أشارت الدراسة إلى أن انتشار الطفرة الجينية تسارع بصورة لافتة خلال سنوات قليلة.
ففي عام 2020، لم تتجاوز نسبة البعوض الحامل للطفرات المقاومة 4.3%، بينما ارتفعت بحلول عام 2023 إلى أكثر من 50%، وهو معدل تطور اعتبره الباحثون سريعًا للغاية.
مفارقة علمية
ورغم أن الأحياء الثرية سجلت مستويات أعلى من مقاومة المبيدات، فإنها احتوت في الوقت نفسه على عدد أقل من البعوض مقارنة بالأحياء الأخرى.
ويشير ذلك إلى أن كثرة الرش نجحت بالفعل في تقليل أعداد البعوض مؤقتًا، لكنها في المقابل سمحت ببقاء الأفراد الأكثر مقاومة، لتصبح السلالة السائدة مع مرور الوقت.

لماذا يمثل ذلك خطرًا؟
يحذر الباحثون من أن استمرار الاعتماد على المبيدات الكيميائية وحدها قد يقلل من فعاليتها في مواجهة تفشيات الأمراض مستقبلًا.
ورغم أن بعوض النمر الآسيوي يمثل في بعض المناطق مصدر إزعاج أكثر منه خطرًا صحيًا، فإنه يعد ناقلًا رئيسيًا لأمراض مثل:
- حمى الضنك.
- فيروس غرب النيل.
- شيكونجونيا.
- دودة القلب التي تصيب الكلاب.
وفي عام 2024، سجلت الأمريكتان أكثر من 7 ملايين إصابة بحمى الضنك، ما يجعل الحفاظ على فعالية المبيدات أمرًا بالغ الأهمية.

الحل ليس المبيدات وحدها
أكد الباحثون أن أفضل وسيلة لمكافحة البعوض تتمثل في الإدارة المتكاملة للآفات، والتي تعتمد على إزالة أماكن تكاثر البعوض، والتخلص من المياه الراكدة، واستخدام وسائل بيئية وميكانيكية إلى جانب المبيدات، بدلًا من الاعتماد الكامل على الرش الكيميائي، الذي قد يؤدي مع مرور الوقت إلى إنتاج بعوض أكثر قدرة على مقاومة المبيدات.





