د.ضحي عبد الحميد: قراءة في نتائج cop29 ودور البريكس
خبير دولي في الاقتصاد التمويلي ومتابعة وتقييم التنمية
كانت الدورة التاسعة والعشرون لمؤتمر الأطراف cop29 في إطار اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC)، التي عُقدت في أذربيجان، نقطة حاسمة في معركة عالمية مستعرة ضد تغير المناخ. بينما تواجه الدول التأثيرات المتزايدة لتغير المناخ، بما في ذلك ارتفاع مستويات البحار، وتفاقم الأحداث المناخية المتطرفة، وفقدان التنوع البيولوجي، كان كوب 29 منصة للتفاوض حول تمويل المناخ، واستراتيجيات التخفيف، وجهود التكيف.
يتناول هذا المقال نتائج كوب 29، مع التركيز على التعهدات التي قدمتها الدول المتقدمة والنامية، والفوائد والتكاليف المرتبطة بها، والتأثير المحتمل لمجموعة البريكس (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، وجنوب أفريقيا، بالإضافة إلي مصر والإمارات العربية المتحدة بدءا من العام الحالي 2024) على القرارات المتخذة.
تمويل المناخ: التعهدات والتأثيرات
في كوب 29، أكدت الدول المتقدمة مجددا التزامها بتعبئة 300 مليار دولار سنويًا في تمويل المناخ للدول النامية، وهو أكثر ثلاثة أضعاف ما تعهد تم تقديمه في الأصل في cop15، في عام 2009، ومع ذلك، وفقًا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، تم تعبئة 83 مليار دولار فقط في عام 2022، مما يشير إلى عجز قدره 17 مليار دولار، علاوة على ذلك، كشف تقرير مبادرة سياسة المناخ أن 25% فقط من تمويل المناخ يتم تقديمه كمنح، بينما يتمثل الجزء الأكبر في قروض مما يعمل علي اثقال كاهل الدول النامية بمحفظة ديون تراكمية مرهقة لموازناتها وأعباء لأجيال مستقبل شعوبها.
كما أشار تقرير التكيف المناخي العالمي 2023 إلى أن تكاليف التكيف للدول النامية قد تصل إلى 300 مليار دولار سنويًا بحلول عام 2030، مع تقديرات تشير إلى أن هذه التكاليف قد ترتفع إلى 500 مليار دولار بحلول عام 2050 إذا ارتفعت درجات الحرارة العالمية بمقدار 2 درجة مئوية. وعلى الرغم من التعهدات المقدمة في كوب 29، أفادت العديد من الدول بصعوبات في تأمين التمويل للمشروعات الأساسية. على سبيل المثال، تم تأمين 30% فقط من الأموال اللازمة لمشروعات التكيف في أفريقيا في عام 2023، مما ترك فجوة كبيرة في الموارد للمجتمعات الهشة الضعيفة.

استراتيجيات التخفيف: مقارنة الأساليب
وقد حققت الدول المتقدمة تقدمًا كبيرًا في تنفيذ استراتيجيات التخفيف، فعلي سبيل المثال لا الحصر، يهدف الاتحاد الأوروبي إلى تقليل انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 55% بحلول عام 2030 مقارنة بمستويات عام 1990، مع هدف تحقيق انبعاثات صفرية بحلول عام 2050، كما التزمت الولايات المتحدة بتقليل الانبعاثات بنسبة 50-52% بحلول عام 2030 مقارنة بمستويات عام 2005، مع استثمارات كبيرة في الطاقة المتجددة من المتوقع لأن تصل إلى 369 مليار دولار بموجب قانون خفض التضخم.
وفقًا لوكالة الطاقة الدولية (IEA) ، من المتوقع أن تزيد القدرة العالمية للطاقة المتجددة بنسبة 50% بحلول عام 2025، مدفوعة بشكل أساسي بالاستثمارات من الدول المتقدمة، وفي عام 2023، فقد شكلت مصادر الطاقة المتجددة 29% من إجمالي توليد الكهرباء العالمي، مع تصدر الطاقة الشمسية وطاقة الرياح المشهد.
على النقيض من ذلك، تواجه الدول النامية غالبًا تحديات فريدة في جهود التخفيف، تعتمد العديد منها بشكل كبير على الوقود الأحفوري للنمو الاقتصادي، حيث لا تزال دول مثل الهند وجنوب أفريقيا تستثمر في بنية تحتية للفحم، ومع ذلك، تظهر أساليب مبتكرة، على سبيل المثال، أطلقت الهند التحالف الدولي للطاقة الشمسية، الذي يهدف إلى تعبئة تريليون دولار في استثمارات الطاقة الشمسية بحلول عام 2030. تمثل هذه المبادرة وسيلة لتمكين تعزيز التعاون جهود التخفيف بالرم من محدودية الموارد.
جهود التكيف: الاحتياجات والاستجابات
يعد التكيف عنصرًا أساسيا في العمل المناخي، خاصة بالنسبة للدول النامية التي تتأثر بشكل غير متناسب بتغيرات المناخ، ففي كوب 29، تعهدت الدول المتقدمة بزيادة التمويل لمشروعات التكيف، معترفة بالحاجة الملحة للدعم المالي العاجل. ومع ذلك، كشف تقرير فجوة التكيف 2023 أن تمويل التكيف لا يزال غير كافٍ، حيث تتلقى الدول النامية 20% فقط من الأموال اللازمة للتدابير الفعالة للتكيف.
فعلي ذات المضمار ظهرت مبادرات التكيف الناجحة في مناطق مختلفة من العالم النامي، على سبيل المثال، نفذت بنجلاديش أنظمة إدارة الفيضانات القائمة على المجتمع، مما قلل بشكل كبير من ضعف البنية الأساسية أمام الفيضانات، استثمرت البلاد حوالي مليار دولار في مثل هذه المبادرات، التي استفاد منها أكثر من 5 ملايين شخص من خلال تحسين القدرة على الصمود أمام الكوارث المتعلقة بالمناخ، وبالمثل، قام البنك الأفريقي للتنمية بالتأكيد علي أن تقييم استثماراته في البنية التحتية المقاومة للمناخ أفادت بمساعدته في حماية أكثر من 10 ملايين شخص من آثار المناخ عبر القارة السمراء.

دور البريكس في تشكيل قرارات كوب 29
تلعب دول البريكس دورًا حاسمًا في المفاوضات المناخية العالمية، حيث تمثل أكثر من 40% من سكان العالم وتساهم بحوالي 25% من انبعاثات غازات الدفيئة العالمية.
في كوب 29 أكدت دول البريكس على الحاجة إلى تمويل مناخي عادل ونقل التكنولوجيا النظيفة إلى الدول النامية وهو ما يتماشي مع استراتيجيات وتوجهات هذا التجمع الصاعد، وبالتالي يمكن أن تؤثر أصواتهم الجماعية ككتلة اقتصادية واحدة على اتجاه السياسات المناخية، داعين إلى نهج متوازن يأخذ في الاعتبار إدرة عملية النمو والتنمية الاقتصادية من جانب والاستدامة البيئية من جانب أخر تتسق أثاره مع ما سبق.

على سبيل المثال، التزمت الصين ببلوغ ذروة انبعاثات الكربون قبل عام 2030 وتحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2060، مما يظهر الإمكانية الكبيرة للاقتصادات الناشئة الكبرى في قيادة العمل المناخي.
ففي عام 2023، استثمرت الصين وحدها أكثر من 100 مليار دولار في مشروعات الطاقة المتجددة، مما جعلها أكبر مستثمر في الطاقة النظيفة على مستوى العالم.
ومن هنا يمكن أن يعزز التعاون بين دول البريكس فعالية المبادرات المناخية، بما يمكن تعزيز الابتكار وتبادل أفضل الممارسات فيما بين هذه الدول والعالم.

التوصيات
- الالتزام بزيادة الالتزامات المالية المناخية: يجب على الدول المتقدمة الوفاء بتعهدها في تمويل المناخ والعمل على زيادة هذا المبلغ لتلبية الاحتياجات المتزايدة للدول النامية، مستهدفةً فعليا على الأقل 200-300 مليار دولار بحلول عام 2030.
- العمل علي تعزيز اتاحة تمويل المناخ: تبسيط العمليات للدول النامية للوصول إلى تمويل المناخ، مع ضمان توجيه الأموال نحو مشروعات التخفيف والتكيف، مع التركيز على المنح والدعم الفني بدلاً من القروض.
- القيام بتعزيز نقل واعادة توطين التكنولوجيا: تسهيل نقل التكنولوجيات والآلات الإنتاجية النظيفة والمتطورة من الدول المتقدمة إلى الدول النامية، مما يمكنها من تنفيذ استراتيجيات التخفيف الفعالة ودعم القيم المضافة الناتجة عن التصنيع لدي الدول النامية وأسواقه، مع هدف نقل 50% على الأقل من التقنيات المتعلقة بالمناخ من الدول المتقدمة بحلول عام 2030.
- الجدية في تعزيز التعاون الإقليمي: تشجيع التعاون بين دول البريكس والدول النامية الأخرى من غير الأعضاء المرشحون للانضمام للتجمع لتبادل المعرفة والموارد وأفضل الممارسات في العمل المناخي، وإنشاء منتدى عمل المناخ لدول البريكس لتسهيل هذا التبادل وتوثيقه وتعميمه دوليا.
- التركيز على التكيف القائم على المجتمع: الاستثمار في مبادرات التكيف التي يقودها المجتمع والتي تمكن السكان المحليين من معالجة نقاط الضعف المناخية بشكل فعال، مع استهداف تخصيص 30% على الأقل من تمويل التكيف لمشروعات القاعدة الشعبية من خلال توفير أدوات تمويل مشروعات صغيرة ومتناهية الصغر بفوائد ميسرة مع التأكيد علي قياسات الأثر البيئي والمناخي.
وأخيرا
تؤكد نتائج مؤتمر المناخ cop29، على تعقيدات وتشابك قضايا معالجة تغير المناخ سواء من خلال التمويل، والتخفيف، والتكيف. فبالرغم من ان الدول المتقدمة قد قدمت بل ما زالت تقدم تعهدات كبيرة، تبقي فجوة التمويل والدعم للدول النامية تحديًا كبيرا لا يتوافق مع تسارع التدهور المناخي في الكوكب الأزرق. ولربما تبرز بارقة أمل جديدة للتأثير المحتمل لتجمع البريكس تزامنا مع خططه التوسعية فيما يتعلق بتوسيع عدد أعضاؤه من الاقتصادات الصاعدة والواعدة، وبالتالي قدرتة التأثيرية على قرارات cop29 (وما يليه) والتي تشدد علي أهمية التعاون والدعم العادل في تحقيق الأهداف المناخية العالمية لكوكب مستقبله أكثر اخضرارا واستدامة.





