وجهات نظر

د.سمير طنطاوي: التغيرات المناخية.. الأزمة الأخلاقية

استشاري التغيرات المناخية بالأمم المتحدة -كبير مؤلفي تقارير الهيئة الحكومية الدولية لتغير المناخ

 

إن العالم الذي يكون فيه جميع البشر متساوون وعقلانيون ومحكومون تمامًا عند مواجهة احتمالية الاحترار العالمي قد يصل إلى القرار الأمثل بناءً على علم المناخ الملزم، وسيجد هذا العالم المثالي عندئذ اتفاقيات دولية فعالة للحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وتجنب تغير المناخ الضار.

للأسف، نحن لا نعيش في مثل هذا العالم في الواقع، ولن يكون علم تغير المناخ – بغض النظر عن مدى تقدمه – كافياً لإخبار البشرية بما يجب أن تفعله فقد يكون العلم قادرًا على توجيه السياسة من خلال التنبؤ بمدى شدة تغير المناخ نظرًا لمستويات غازات الاحتباس الحراري المختلفة، ومع ذلك فإن التجربة تعلمنا أن العلم وحده لا يكفي أبدًا عند مواجهة التحديات البيئية لأن اعتبارات الإنصاف والعدالة يجب أن تكون مصدر إلهام لأي اتفاق دولي ناجح

وينطبق هذا بالتأكيد على ثلاث معضلات أخلاقية رئيسية يتمحور حولها النقاش حول تغير المناخ هي: كيفية الموازنة بين حقوق ومسؤوليات العالم المتقدم والنامي، وكيفية تقييم مخططات الهندسة الجيولوجية المصممة لعكس أو إبطاء تغير المناخ، وكيفية تقييم مسؤوليتنا تجاه الأجيال القادمة التي يجب أن تتعايش مع مناخ نقوم بتشكيله اليوم.

غالبًا ما يتم الترحيب ببروتوكول مونتريال بشأن المواد المستنفدة لطبقة الأوزون لعام 1987 جنبًا إلى جنب مع الاتفاقيات اللاحقة على أنه معاهدة بيئية نموذجية على الرغم من أن استبدال مركبات الكلوروفلوروكربون (CFCs) من الواضح أنه أسهل بكثير من فطم العالم عن الوقود الأحفوري فإن البعد الأخلاقي لمعاهدة الأوزون يحمل دروسًا لمعالجة ظاهرة الاحتباس الحرارى في التعامل مع مركبات الكلوروفلوروكاربونية, حيث قامت الحكومات والصناعة والعلوم – إدراكًا منها أن المركبات الكلوروفلوروكاربونية والمواد الكيميائية التي يصنعها الإنسان ذات الصلة تسبب في استنفاد طبقة الأوزون – سرعان ما طورت بدائل آمنة للأوزون.

واعترافاً بأن الدول المتقدمة والنامية لديها مخاوف مشروعة مختلفة دعت اتفاقيات الأوزون الدولية الدول المتقدمة إلى أخذ زمام المبادرة في معالجة هذه القضية لأن هذه الدول أنتجت معظم المواد المتورطة في تدمير طبقة أوزون الستراتوسفير.

صندوق لمساعدة البلدان النامية

وقد تم إنشاء صندوق لمساعدة البلدان النامية على التخلص التدريجي من المواد الكيميائية المدمرة للأوزون، ونقل التكنولوجيا الحديثة ذات الصلة بهذا الأمر من الدول الصناعية إلي الدول النامية بكل سلاسة ودون معوقات حقوق الملكية الفكرية التي طالما تشدق بها الغرب عند الحديث عن تكنولوجيات التغيرات المناخية، فسياسة الكيل بمكيالين تطلع برأسها في هذا المقام.

تدرك العديد من شرائح المجتمع المختلفة الآن أن اتفاقية المناخ الفعالة يجب أن يكون لها أيضًا مثل هذا البعد الأخلاقي، وقد ساهمت المنظمات الدينية في الحوار وتناولت مسائل أساسية مثل حقوق الفقراء والدول النامية، وأعلن مؤتمر الأساقفة الكاثوليك بالولايات المتحدة في بيان أن “العمل للتخفيف من تغير المناخ العالمي يجب أن يُبنى على أساس العدالة الاجتماعية والاقتصادية التي لا تعرض الفقراء لخطر أكبر أو تضع أعباء غير متكافئة وغير عادلة على عاتقهم، ويٌقصد بالفقراء هنا الدول النامية

تتفق جميع دول العالم تقريبًا الآن على أن غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي يجب أن تبقى أقل من المستوى الذي قد ينتج عنه تغير مناخي خطير من صنع الإنسان، وهو ما يعادل سقف التركيز 450 جزء في المليون.

تقييم أدبيات البحث العلمي

مطلوب من الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ(IPCC) بموجب ولايتها أن تكون محايدة من حيث السياسات، و بصفتي أحد مؤلفي تقرير تحسينات 2019 للدلائل الإرشادية لحصر انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الصادرة عام 2006 وتحديدا الفصل الخاص بانبعاثات غازات الاحتباس الحراري الناتجة عن صناعة الهيدروجين ، وهو فصل مستحدث على دلائل عام 2006 ولم يكن موجودا من قبل يمكنني أن أشهد أن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ قد تجنبت بدقة جميع أشكال مناصرة السياسات، وكانت مهمتها ببساطة تقييم أدبيات البحث العلمي بطريقة ذات صلة بالسياسة ولكنها ليست ملزمة بالسياسة.

على أي حال يعتبر تغير المناخ الخطير مفهومًا ذاتيًا ويعتمد على قيم الفرد وتحمله للمخاطر من بين عوامل أخرى، ولا يمكن للعلم أن يقول إن مستوى معين من غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي آمن ومستوى آخر أعلى قليلاً ليس كذلك، لأن توقع هذه الدرجة من الدقة من علم المناخ هو أمر غير واقعي، مثل توقع أن تعلن العلوم الطبية أن مستوى واحدًا من الكوليسترول يمكن تحمله بالتأكيد وأي مستوى أعلى سيؤدي بالتأكيد إلى نوبة قلبية.

وقد لاحظ أينشتاين ذات مرة أن كل شيء يجب أن يكون بسيطًا قدر الإمكان ولكن ليس أبسط من ذلك

ومع ذلك يمكن للعلم عند التحدث من خلال الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أن يقدم إرشادات من خلال اقتراح درجة شدة تغير المناخ التي من المحتمل أن ترتبط بأي كمية محددة من غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي.

المعيار الذهبي

ويعتبر علماء المناخ الأساسيون مثلي هذه التقارير بمثابة المعيار الذهبي في مجالنا، فنحن نستخدم تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ ككتب مدرسية لطلاب الدراسات العليا لدينا.

وقد تم الاعتراف بها على أنها موثوقة من قبل الأكاديميات الوطنية للعلوم والجمعيات المهنية العلمية ومؤخراً من خلال جائزة نوبل للسلام لعام 2007.

لقد وجهت تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ الاتحاد الأوروبي في تبني هدف محدد رسميًا ألا يزيد الاحتباس الحراري العالمي عن درجتين مئويتين فوق متوسط ​​درجة الحرارةقبل العصر الصناعي في منتصف القرن التاسع عشر. 

في ديسمبر2007 في مؤتمر مناخي كبير برعاية الأمم المتحدة في بالي وقع أكثر من 200 عالم مناخ من أكثر من 20 دولة على بيان صارم كعلماء أنه بحلول عام 2050 يجب خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية بنسبة 50 في المائة على الأقل دون مستويات عام 1990.

الدول مثل الأفراد لا تتخذ قرارات رئيسية فقط على أساس النتائج العلمية 

وقد قال العلماء إن الهدف يجب أن يكون تثبيت تركيزات غازات الاحتباس الحراري عند مستوى مكافئ ثاني أكسيد الكربون أقل بكثير من 450 جزءًا في المليون.

ليس من المستغرب أن مفاوضي جلاسكو فشلوا في التوصل إلى اتفاق تقبل فيه الدول الصناعية التزامات ملزمة بجداول زمنية ثابتة وأهداف كمية لخفض غازات الاحتباس الحراري، ولم تكن المشكلة أن العلم كان غير موثوق به أو أن المفاوضين كانوا غير أكفاء، بل كانت العقبة الرئيسية هي أن الدول مثل الأفراد لا تتخذ قرارات رئيسية فقط على أساس النتائج العلمية.

ولا أبلغ من موقف تعديل الوثيقة الختامية لميثاق جلاسكو وتعليق أعمال الجلسة الختامية من قبل رئيس الوفد الهندي مطالبا بتعديل النص الخاص باستخدام الفحم ليصبح التخارج التدريجي بدلا من التخارج التام وهو ما اضطر رئيس المؤتمر وباقي الوفود لقبوله على مضض انقاذا لما تبقي من بنود الوثيقة التي استغرق التفاوض حولها أكثر من عامين بعد أن تأجل المؤتمر لمدة عام بسبب أحداث جائحة الكورونا

من الواضح الآن وبشكل متزايد أن العمل الدولي الهادف للحد من تغير المناخ لا يتطلب فقط أدلة علمية مقنعة واعترافًا بالمصالح الوطنية المشروعة ولكن يجب أيضًا التركيز على اعتبارات الإنصاف والأخلاق. ومع ذلك فإن عواقب وتكاليف تغير المناخ لا تقع على عاتق جميع الدول وجميع أنحاء العالم بالتساوي.

فمع وقود حفري يوفر نحو 80% من الطاقة العالمية وتمكين الكثير من التقدم الاقتصادي الحديث ستقبل الدول القيود المفروضة على حريتها في انبعاث غازات الاحتباس الحراري فقط عندما تكون راضية عن معاملتها بشكل عادل كجزء من استجابة عالمية.

تظل وجهات النظر المختلفة للدول المتقدمة والنامية – والتباين بين الإجراءات السابقة والمستقبلية – قضية رئيسية، فإذا سألنا الدول المسؤولة عن الزيادة الهائلة في غازات الاحتباس الحراري فإن الإجابة واضحة – الدول المتقدمة، الولايات المتحدة التي تضم حاليًا حوالي 5 في المائة من سكان العالم أنتجت حوالي ربع إجمالي ثاني أكسيد الكربون الذي أضافته البشرية إلى الغلاف الجوي.

الدول النامية ذات الكثافة السكانية الكبيرة

ومن ناحية أخرى إذا سألنا عن مصدر النمو المستقبلي لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون فإن الإجابة هي أن الدول النامية ستكون مسؤولة إلى حد كبير، خاصة الدول النامية ذات الكثافة السكانية الكبيرة – الصين في المقام الأول تليها الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا وغيرها – تستغل بسرعة الوقود الأحفوري لدعم التنمية الاقتصادية لديها لتحقيق حلم النمو والوصول لمصاف الدول الصناعية، فالصين التي تبني الآن محطة طاقة كبيرة جديدة تعمل بالفحم كل أسبوع أو نحو ذلك قد تجاوزت بالفعل الولايات المتحدة باعتبارها الدولة التي تنبعث منها معظم انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، هل هذا عدل؟ تتطلب المخاوف الأخلاقية فهمًا مبدئيًا للحقوق والالتزامات المختلفة لكل من البلدان المتقدمة والنامية.

يثير الاحتمال الواقعي المتمثل في استخدام الهندسة الجيولوجية لمواجهة تغير المناخ الذي يسببه الإنسان أيضًا قضايا أخلاقية عميقة، فمن السهل نسبيًا اقتراح طرق لجعل الأرض أكثر انعكاسًا على أمل أن يؤدي تقليل امتصاص ضوء الشمس إلى تعويض تأثير الاحتباس الحراري.

ويمكن وضع المرايا الكبيرة في الفضاء، كما يمكن إطلاق جزيئات الكبريتات أو مشتقاتهاالكيميائية في الستراتوسفير، إلا أن المخاوف الأخلاقية تحول دون ذلك على الأقل في الوقت الراهن إلا أني أتوقع أن إغراء البحث عن علاج تكنولوجي بسيط وسريع وغير مكلف نسبيًا سيزداد بالتأكيد في القريب العاجل.

أعتقد أنه يجب مقاومة هذا الإغراء، ففي أحسن الأحوال إذانجحت هذه الجهود فإن الهندسة الجيولوجية ستكون مسببة للإدمان وستلزم الأجيال القادمة بمواصلتها وتشجع المزيد من الاعتماد على الوقود الأحفوري، وعل الأرجح ستخلق الهندسة الجيولوجية مشاكل إضافية مع تفاقم المشاكل الحالية.

كما أن زيادة انعكاسية الأرض بشكل مصطنع على سبيل المثال لا تفعل شيئًا حيال التحمض المستمر للمحيطات الناتج عن إضافة ثاني أكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي.

 

البحث أفضل بكثير من الجهل واتخوف من حلول الهندسة الجيولوجية كما أتخوف من الحروب النووية، يمكن للعالم أن يدرسها بكل الوسائل لكن لا يجربها أبدًا وأري أن إجراء أي تدخل دولي واسع النطاق على كوكبنا أمرًا غير مسؤول إلى حد كبير دون التأكد فعليًا من أنه لن تكون هناك آثار جانبية تجعل العلاج أسوأ من المرض، حتى إذا كانت الهندسة الجيولوجية هي الملاذ الأخير في أسوأ السيناريوهات فلنبذل قصارى جهدنا لتجنب هذا السيناريو، ولكن من الذي له الحق الأخلاقي – والقانوني –  نيابة عن جميع الدول في التلاعب بالبيئة العالمية بأكملها؟ سؤال يطرح نفسه ويبحث عن إجابة.

كيفية تأثير القرارات المتخذة الآن

أخيرًا تتطلب قضية العدالة بين الأجيال اتفاقًا حول كيفية تأثير القرارات المتخذة الآن على الأشخاص الذين لم يولدوا بعد، حيث تظهر عواقب تأثير الاحتباس الحراري المتزايد بعد فترة زمنية غالبًا لعقود أو أكثر، حيث تتفاعل المحيطات وكذلك الجليد والثلج ببطء مع العبء المتزايد لغازات الاحتباس الحراري.

ولقد ألزمنا بالفعل أحفادنا بقرون عديدة من ارتفاع مستوى سطح البحر، فنحن نستفيد الآن من استخدام الوقود الأحفوري الرخيص والوفير ونستخدم الغلاف الجوي كمقلب مجاني للنفايات (الانبعاثات)، ونحكم على أطفالنا وأحفادنا بالتعامل مع تغير المناخ الناتج.

أنا مقتنع بأن المجتمع العلمي الذي يطمح إلى أن يكون مفيدًا للمجتمع يجب أن يتضمن الأخلاق والإنصاف كجزء لا يتجزأ من جدول أعماله البحثي، ويجب أن نركز بشكل أكبر على توفير المعلومات الكمية ذات الصلة بالنتائج الأخلاقية لخيارات السياسة المختلفة.

كيف سيؤثر تغير المناخ على مناطق مختلفة من العالم

فعلي سبيل المثال يحتاج صانعو السياسات بشكل عاجل إلى معرفة كيف سيؤثر تغير المناخ على مناطق مختلفة من العالم والقطاعات الاقتصادية المختلفة. إن التغير القادم في درجة الحرارة المسمى “الاحتباس الحراري” هو ببساطة أحد أعراض اضطراب المناخ، ويلزم إجراء المزيد من البحوث لبناء تنبؤات محددة بالتأثيرات على إمدادات المياه والأعاصيروالعواصف والجفاف والفيضانات والعديد من الظواهر الأخرى، فالعواقب على النظم الإيكولوجية والتنوع البيولوجي في جميع أنحاء العالم هي من بين الأمور المجهولة.

إن دمج مثل هذه الاعتبارات في المفاوضات الدولية بشأن تغير المناخ ليس من قبيل الخيال أو اللاواقعية حيث تعلمنا الخبرة في المجالات الأخرى أن الأساس الأخلاقي ضروري للوصول إلى حلول فعالة، ويوضح التطور التاريخي لبروتوكول مونتريال واتفاقيات التعامل مع الأضرار التي يسببها الإنسان لأوزون الستراتوسفير بوضوح فوائد أخذ الأخلاق في الاعتبار.

رسالة أوجهها للجميع، وفي مقدمتهم المسئولين عن ضخ المزيد من الانبعاثات كل لحظة إلى الغلاف الجوي لكوكب الأرض، عليكم الاعتراف بالضرر الذي تسببتم به بالفعل في نظام المناخ والإقرار بتقليله في القريب العاجل، فهذه مسئوليتكم الأخلاقية والمعنوية تجاه هذا الكوكب الصغير وتجاه أحفادنا وتجاه جميع أشكال الحياة على الأرض.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading