د.زينة منير: التحول الأخضر يعيد تشكيل سوق العمل العربي
دكتوراة فى السياسات البيئية- جامعة فرايبورج ألمانيا
التحول الأخضر في المنطقة العربية
لا يمثل التحول الأخضر في المنطقة العربية مجرد انتقال إلى اقتصادات منخفضة الكربون، بل يشكّل تحولًا جذريًا في أنماط الحياة والعلاقات بين الدولة والمجتمع، وفي اتجاهات وأسواق العمل.
وتبرز أهمية هذا التحول بالنظر إلى أن العائدات الهيدروكربونية تُعد المصدر الرئيسي للدخل في العديد من دول المنطقة، بما في ذلك دول مجلس التعاون الخليجي، حيث تُستخدم هذه العائدات عادةً في تمويل الوظائف الحكومية للمواطنين.
وتشير التقديرات إلى أن أكثر من نصف العاملين في دول الخليج يعملون في القطاع العام، مقارنةً بنسبة دولية تتراوح بين 10 و20%.
اتجاهات التوظيف ومستقبل العمالة
أجرت “كامبريدج إيكونوميتركس” بتكليف من منظمة العمل الدولية تحليلًا كميًا لتأثيرات تبني سياسات قوية لإزالة الكربون على سوق العمل في الدول العربية.
وفي سيناريو السياسات الصناعية الصارمة، ستتجه الدول العربية إلى تبني استراتيجيات تنويع اقتصادي طموحة، والتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، بهدف تحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2050.
وتشير التوقعات إلى ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.1% مقارنة بالمستويات الحالية، مرجعةً ذلك إلى زيادة الاستثمارات في الطاقة المتجددة، مثل الكهرباء القائمة على الطاقة الشمسية والمركبات الكهربائية، والبنية التحتية للهيدروجين الأخضر.
وفي السيناريو ذاته، يرتفع التوظيف بنسبة 3.3% بحلول عام 2040، أي ما يعادل أكثر من 1.5 مليون وظيفة بحلول 2050.
سيناريو القدرة على التكيّف مع المناخ
يعزز سيناريو القدرة على التكيّف المناخي نتائج السيناريو الأول عبر تطبيق سياسات إضافية تشمل الإدارة الفعّالة للنفايات، والتكيّف المناخي مثل تحلية مياه البحر وإعادة التشجير.
ويُتوقع في هذا السيناريو ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5% بحلول عام 2050، وزيادة التوظيف بنسبة 3.9% بحلول 2040، ما ينتج عنه نحو مليوني فرصة عمل جديدة بين عامي 2040 و2050.
ورغم توقعات ارتفاع الوظائف، فإن الخسائر ستتركز في قطاعات النفط والغاز وسلاسل توريد الوقود وصناعة البلاستيك، إذ تحتاج هذه القطاعات إلى إعادة تأهيل وتدريب نحو 700 ألف عامل في قطاع الوقود و460 ألفًا في قطاع البلاستيك.
في المقابل، يُعد خلق الوظائف الأكبر في السيناريو الأكثر طموحًا في قطاعي البناء والهيدروجين الأخضر، بواقع 2.8 مليون و1.9 مليون وظيفة على التوالي، يليهما تصنيع المركبات الكهربائية (1.5 مليون وظيفة) والهندسة الكهربائية (900 ألف وظيفة).
دور التعليم والتدريب وإعادة التأهيل
ورغم أن فرص العمل الجديدة ستعوّض الوظائف المفقودة، فإن تحقيق هذا المكسب ليس مهمة سهلة.
فإعادة تأهيل العمال في الصناعات ذات الانبعاثات المرتفعة، وتأمين الحماية الاجتماعية لهم أثناء مراحل التحول الصناعي، تُعد من المتطلبات الأساسية لإنجاح الانتقال.
يمثّل التعليم الفني والتدريب المهني الركيزة الأساس للوظائف الخضراء، كما أن سرعة التدريب وإعادة التأهيل ضرورية لرفع قابلية التوظيف وتسهيل انتقال العمال إلى قطاعات جديدة.
إلا أن الأنظمة التعليمية في الدول العربية ما تزال متأخرة عن مواكبة متطلبات سوق العمل المتحوّلة.
فعلى سبيل المثال، أظهرت نتائج استطلاع أجرته Forward MENA أن 88% من الشركات التقنية في لبنان تواجه فجوة حادة في المهارات عند التوظيف.
تحديات إعادة توزيع العمالة
سيواجه العمال محدودو المهارات في المنطقة العربية—التي تعتمد بدرجة كبيرة على العمالة المهاجرة متوسطة ومنخفضة المهارات—صعوبات في الانتقال إلى وظائف جديدة.
وقد يواجه العمال ذوو المهارات العالية الذين سيخسرون وظائفهم في الصناعات المتراجعة تحديات مماثلة، نظرًا لعدم ملاءمة خبراتهم المتخصصة للمهارات المطلوبة في الاقتصادات منخفضة الكربون. ورغم حاجة الطرفين إلى التدريب، فإن أصحاب المهارات العالية يمتلكون قاعدة معرفية قد تسهل إعادة دمجهم في قطاعات جديدة.
ضعف مشاركة المرأة في سوق العمل الأخضر
يُتوقع أن يؤدي التحول الأخضر في منطقة تعاني فجوات جندرية واسعة إلى تفاقم عدم المساواة في سوق العمل.
ففي عدة دول عربية، لا تتجاوز مشاركة النساء في الوظائف المتعلقة بالعلوم والهندسة 10%، كما أن مشاركتهن في قطاع الطاقة المتجددة تتراوح بين 7 و9% فقط، وهي نسبة أقل بكثير من المتوسط العالمي البالغ 32%.
وقد بدأت بعض الدول في إدراج إصلاحات لتقليل هذه الفجوة. ففي عام 2023، أقرّت السعودية “السياسة الوطنية لتكافؤ الفرص والمساواة في المعاملة” بالتعاون مع منظمة العمل الدولية، بينما أشارت كل من لبنان وفلسطين والأردن إلى ضرورة تبني انتقال عادل يستجيب لاحتياجات النساء والشباب.
ورغم ذلك، لا تزال المنطقة بحاجة إلى سياسات أكثر فعالية تضع إجراءات واضحة لرصد وتحسين مشاركة المرأة في الوظائف الخضراء.
الطريق نحو سوق عمل خضراء عادلة وشاملة
تفرض تحديات سوق العمل ضغوطًا كبيرة على مسار الانتقال الأخضر في المنطقة العربية، لما لها من آثار على الرفاه الاجتماعي وتحقيق العدالة ضمن عملية تحول لا تُقصي أحدًا.
وللتغلب على هذه التحديات، يجب تبني سياسات تشغيل فعّالة تركز على المساواة بين الجنسين وتمكين الشباب وضمان حقوق الفئات الضعيفة، وذلك عبر حوار اجتماعي ثلاثي الأطراف.
كما يتعين تخصيص موارد مالية كافية لقطاعات منخفضة الكربون ذات إمكانات عالية في خلق الوظائف، إلى جانب تفعيل سياسات مالية مثل الاستثمار في البنية التحتية الرقمية وتطبيق أنظمة ضريبية داعمة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
وفي ظل تغير احتياجات سوق العمل، يجب تطوير التعليم ليتوافق مع المهارات المطلوبة في القطاعات الواعدة، وتمكين النساء من الوصول إلى التمويل المناخي واكتساب المهارات الخضراء، وتطبيق معايير توظيف محايدة تعزز التنوع في الاقتصادات الخضراء الناشئة.





