د.زينة عبد العزيز منير: عندما يُصبح الكربون سلعة قابلة للتدوال.. تساؤلات ومخاوف
دكتوراة فى السياسات البيئية– جامعة فرايبورج ألمانيا
قدرت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ التابعة للأمم المتحدة UN Intergovernmental Panel on Climate Change أن مليارات الأطنان من الكربون ستحتاج إلى امتصاصها من الغلاف الجوي سنويًا للحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض عند 1.5 درجة مئوية ، وهو الحد الذي يقول العلماء إنه سيمنع أكثر العواقب خطورة لتغير المناخ.
ومن هذا المنطلق انبثق مفهوم أسواق أو أرصدة الكربون كوسيلة لمساعدة الدول فى تنفيذ التزاماتها المُحددة وطنيا للحد من انبعاثات غازات الدفيئة، حيث تشير الأحصاءات إلى أمكانية تلبية 83 في المائة من المساهمات المحددة وطنيًا عن طريق أسواق الكربون.
ما هى أسواق الكربون؟
أسواق الكربون هي أنظمة تجارية يتم من خلالها بيع وشراء أرصدة الكربون Carbon credits ، يُمكن للشركات أو الحكومات استخدام أسواق الكربون للتعويض عن انبعاثات غازات الاحتباس الحراري offsetting emissions الناجمة عن أنشطتها الصناعية من خلال شراء أرصدة الكربون من الجهات التي تزيل أو تقلل انبعاثات غازات الدفيئة.
رصيد واحد من الكربون القابل للتداول يساوي طنًا واحدًا من ثاني أكسيد الكربون أو كمية مكافئة من غاز دفيئة مختلف تم تقليله أو عزله أو تجنبه.
اتفاقية باريس لتغير المناخ وأسواق الكربون
تُشكل المادة 6 إحدى الملامح الرئيسية لاتفاق باريس لتغير المناخ و تتعلق المادة 6 بكيفية عمل أسواق الكربون، حيث تسمح المادة 6 للدول الأطراف فى الإتفاقية بالتعاون طواعية مع بعضها البعض لتحقيق أهداف خفض الانبعاثات المنصوص عليها في المساهمات المحددة وطنيًا لكل طرف.
وفى هذا الأطار و بموجب المادة 6 ، يجوز لأي طرف تحويل أرصدة الكربون المكتسبة من الحد من انبعاثات غازات الدفيئة لمساعدة طرف واحد أو أكثر على تحقيق أهداف المناخ الخاصة به، وبذلك تتيح المادة 6 من اتفاقية باريس صراحةً تجارة الكربون الدولية.
في عام 2019 ، خلصت الرابطة الدولية لتجارة الانبعاثات International Emissions Trading Association (IETA) إلى أن التنسيق عبر الحدود في شكل تجارة الكربون يمكن أن يخفض تكلفة الدول فى تلبية المساهمات المحددة وطنيًا إلى النصف بحلول عام 2030 ، مما يجعل من الممكن خفض غازات الدفيئة بنسبة 50 في المائة أو أكثر دون أي تكلفة إضافية.
COP27 قضايا خلافية و تساؤلات قائمة
لقد أصبح تنظيم التعاون بين الدول فيما يتعلق بتدوال أرصدة الكربون موضعا للنقاش على طاولة المفاوضات فى مؤتمرات المناخ المتتالية، حيث تم التوصل إلى الملامح الرئيسية للمادة 6 التى تنظم عمل أسواق الكربون فى مؤتمر المناخ COP26 فى جلاسكو مع بقاء بعض الأمور الخلافية التى استمر نقاشها فى مؤتمرCOP27 و هذه الأمور الخلافية تتعلق بالتالى:
البند الأول – المبين في المادة 6.2 – يسمح بالتدوال الثنائى لأرصدة الكربون بين البلدان للوصول إلى الأهداف المحددة الوطنية و يسمح البند 6.2 بقدر كبير من المرونة فى تصميم و تنفيذ الأسس المتعلقة بتدوال أرصدة الكربون ثنائيا بين الدول مع الإشارة إلى ضرورة أن يتسم هذا التدوال بالشفافية و تجنب ازدواج حساب أرصدة الكربون تحقيقا للأهداف البيئية المرجوة وراء هذا التدوال.
ولقد استمر النقاش فى COP27 فى شرم الشيخ حول القواعد التى تنظم التدوال الثنائي فى أرصدة الكربون وقد دفعت الدول بضرورة الحفاظ على سرية المعلومات التجارية – بما فى ذلك نوع و كمية أرصدة الكربون التى يتم تدوالها- من منطلق اعتبارات الأمن القومى، مما يفتح الباب أمام احتمال الغسيل الأخضر ويهدد نزاهة وشفافية تدوال الكربون.
عطفا على ذلك تشير المادة 6.4 ، إلى إنشاء سوق عالمية جديدة لتدوال الكربون ،وليس بموجب اتفاقية بين بلدين فحسب.
و لقد ثارت بعض القضايا الخلافية بخصوص المادة 6.4 فى مؤتمر COP27، حيث أعرب نشطاء البيئة عن قلقهم فيما يتعلق بتعريف ما هو مؤهل لبيعه كأرصدة كربون.
كما أثيرت مخاوف جدية بشأن التعريف الواسع لمصطلح “تجنب انبعاثات الكربون” “Carbon avoidnace” وهو ينطبق عندما تحافظ الدول على أنظمتها البيئية من التدهور، وبالتالى تعمل هذه الأنظمة على تخزين الكربون (كالغابات مثلا)، الإ أنه لا يمكن ضمان أن هذا الكربون لن يتم اطلاقه مستقبلا فى الغلاف الجوى – عند احتراق الغابات مثلا.
كما ثارت المخاوف بخصوص عمليات إزالة الكربون Carbon Removal ، وإمكانية اعتبارها أرصدة كربون تساهم فى تحقيق أهداف تخفيض الإنبعاثات للدول.
حيث أشار نشطاء البيئة إلى أن عملية ازالة الكربون – وخصوصا فى القطاعات ذات الإنبعاثات الكثيفة مثل قطاعى الطيران والشحن البحرى -عن طريق الوسائل التكنولوجية مثل تكنولوجيا احتجاز الكربون وتخزينه ، أو التقاط الكربون واستخدامه Carbon Capture and storgae or carbon capture and utilisation لا يمكن تصنيفها بأنها عمليات إزالة دائمة للكربون من الغلاف الجوى و لكن تخزنها بصفة مؤقتة، مما يشكك فى دور مثل هذه الوسائل التكنولوجية فى الجهود المبذولة للحد من الإحتباس الحرارى.
كما تركت مفاوضات COP27 الأمر المتعلق بخطر الحساب المزدوج لأرصدة الكربون double countingغير محسوما و، هذا الخطر يحدث عندما يتم بيع أرصدة الكربون من قبل بلد ما ويطالب كلا من البائع والمشترى، بإعتبار تلك الأرصدة جزء من جهوده فى تخفيض الإنبعاثات المقررة داخليا لكلا الدولتيتن.
ومع تعدد التحديات المتعلقة بإدارة وتنظيم أسواق الكربون، تتزايد الإنتقادات الخاصة بمدى فعالية هذه الأسواق فى مساعدة الدول فى التعويض عن انبعاثاتها من غازات الدفيئة ومساهمتها الفعلية فى تحقيق التزامات الحكومات فى تخفيض انبعاثاتها من الكربون.
فى هذا الإطار تشير الدراسات، أن ثمانون في المائة من ارصدة الكربون التى تم تدوالها فى المراحل الولى من تجارة الكربون بموجب اتفاقية بروتوكول كيوتو للمناخ “مزيفة تمامًا”، مما أدى إلى تقويض ثلث التخفيضات المزعومة للإنبعاثات من قبل الاتحاد الأوروبي.
تخفيض حقيقى للانبعاثات وشفافية التدوال
أسواق الكربون هى فى النهاية وسيلة للتعويض عن انبعاثات الكربون التى تسبب الإحتباس الحرارى, الإ انها قد تسمح للدول والشركات الكبرى أن تستمر فى أنشطتها الصناعية غير المستدامة والتعويض عن ذلك بشراء بعض أرصدة الكربون من أطراف أخرى.
لقد أشار أنطونيو جورتيس الأمين العام للأمم المتحدة أن أسواق الكربون الطوعية فى صورتها الحالية هى نوع من أنواع الغسيل الأخصر Greenwashing الذى لا يساهم فعليا فى احتواء أزمة تغير المناخ.
ومع اقتراب قمة المناخ القادمة فى الإمارات العربية يجب تسريع الجهود الدولية لحل القضايا الخلافية المتعلقة بتنظيم وعمل أسواق الكربون، حيث يجب أن تكون عمليات خفض الانبعاثات وإزالتها حقيقية ومتوافقة مع المساهمات المحددة وطنيًا للدول.
كما يجب أن تكون هناك شفافية و افصاخ عن المعلومات الخاصة بالبنية التحتية المؤسسية والمالية لمعاملات سوق الكربون.
ويجب أن تكون هناك ضمانات اجتماعية وبيئية مناسبة للتخفيف من أي آثار سلبية للمشروع – ولتعزيز الآثار الإيجابية.





