د. رفعت جبر: كيف تتعامل مصر مع تهديدات قناة بن جوريون وأزمات غزة والغاز؟
رئيس قسم التقنية الحيوية كلية العلوم- جامعة القاهرة
تجد مصر نفسها اليوم في قلب عاصفة من التحديات المتشابكة والمعقدة، تمتد آثارها لتطال كل أبعاد الدولة: الاقتصادية والجيوسياسية والمناخية.
فمن تداعيات الحرب الدامية في غزة، مرورًا بالسباق المحموم على موارد الغاز في شرق المتوسط، وصولًا إلى شبح مشروع قناة بن جوريون الإسرائيلية المقترحة.
تتفاعل هذه الملفات لتلقي بظلال ثقيلة على الواقع المصري، وتفرض على القاهرة صياغة استراتيجيات شاملة، مرنة وحاسمة، قادرة على مواجهة هذه التهديدات المتداخلة بحكمة وكفاءة.
هذا المقال يقدم قراءة تحليلية لهذه الضغوط متعددة الأوجه، ويستعرض كيف تشكّل حربًا اقتصادية وجيوسياسية ومناخية متزامنة، تضع مصر أمام استحقاقات بالغة التعقيد.
أولًا: غزة وتأثيراتها على مصر
التداعيات الاقتصادية
• قناة السويس: تُعد قناة السويس الشريان الحيوي الأهم للاقتصاد المصري وأبرز مصادر النقد الأجنبي. وقد تسببت الحرب في غزة، إلى جانب هجمات الحوثيين في البحر الأحمر، في تراجع حاد لإيرادات القناة.
ففي عام 2024 وحده، فقدت القناة نحو 7 مليارات دولار من إيراداتها، وانخفضت حركة التجارة عبرها بنسبة بلغت 42% خلال شهرين، مما انعكس بشكل مباشر على احتياطي النقد الأجنبي وزاد من الضغوط المالية على الدولة.
• السياحة: السياحة، كمورد رئيسي آخر للنقد الأجنبي، تأثرت سلبًا نتيجة التوترات الإقليمية.
السائحون يميلون بطبيعتهم إلى اختيار وجهات مستقرة، وقد خلقت الحرب في غزة مناخًا من القلق والريبة، أثر على تدفق السياح إلى مصر، بالرغم من مؤشرات الانتعاش التي شهدها القطاع في فترات سابقة.
• اللاجئون والنزوح: أسفرت الحرب عن موجات نزوح واسعة للفلسطينيين، حيث وصل ما يقارب 100 ألف منهم إلى الأراضي المصرية، ما شكل عبئًا إضافيًا على الموارد والخدمات العامة.
• التضخم: أدت القيود على التجارة الخارجية، بسبب الصراع، إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات، مما ساهم في تغذية معدلات التضخم داخل مصر، وألقى بأعباء جديدة على كاهل المواطنين.
التداعيات المناخية غير المباشرة
عادة ما تُعيق النزاعات المسلحة الجهود المبذولة لمواجهة التغيرات المناخية، إذ تُحول الموارد والاهتمام السياسي نحو الأزمات الإنسانية والعسكرية العاجلة.
وقد تؤثر الحرب في غزة على قدرة مصر على تنفيذ مشروعات البنية التحتية الخضراء أو اتخاذ إجراءات التكيف مع التغير المناخي.
ثانيًا: الغاز في شرق المتوسط وتداعياته على مصر
الفرص والتحديات
• الفرص الاقتصادية: تمتلك مصر احتياطيات واعدة من الغاز الطبيعي في شرق المتوسط، وتسعى إلى أن تصبح مركزًا إقليميًا للطاقة.
وقد تساهم هذه الاكتشافات في تحقيق طفرة اقتصادية عبر التصدير، إضافة إلى تأمين الاحتياجات المحلية.
• التوترات الجيوسياسية: لكن هذه الاكتشافات نفسها أججت المنافسة الإقليمية والدولية في المنطقة، وخلقت بيئة متوترة قد تهدد استثمارات كبرى وتعرقل جهود القاهرة للاستفادة الكاملة من مواردها.
• التعاون الإقليمي: يمكن للتعاون بين دول شرق المتوسط أن يتحول إلى عامل استقرار ورخاء، إلا أن غياب الثقة والصراعات المستمرة حال دون تعظيم العوائد المشتركة حتى الآن.
ثالثًا: قناة بن جوريون المقترحة وتأثيرها على مصر
التهديد لقناة السويس
• المنافسة المحتملة: مشروع قناة بن جوريون، في حال إنشائه، يمثل تهديدًا مباشرًا لمكانة قناة السويس كممر ملاحي عالمي، وهدفه المعلن هو إعادة رسم خطوط الملاحة الدولية لصالح إسرائيل على حساب مصر، ما يهدد مصدر دخل أساسي للاقتصاد المصري يقدر بنحو 8 مليارات دولار سنويًا.
• التحديات الهندسية والبيئية: المشروع، الذي يُقدَّر بأن يكون أطول بنحو الثلث من قناة السويس، يواجه صعوبات فنية هائلة، أبرزها الفارق الكبير في منسوب المياه بين البحرين الأحمر والمتوسط، مما يستلزم أنظمة ضخ معقدة وباهظة التكلفة، إضافة إلى تهديده للبيئة الهشة لمنطقة البحر الميت.
• الجدوى الاقتصادية والبيئية: يشكك كثير من الخبراء في إمكانية تنفيذ المشروع عمليًا، نظرًا لتكلفته الهائلة وآثاره البيئية المدمرة، ما يجعله – وفقًا لتقديرات عدة – غير قابل للتحقيق في المدى المنظور.
التداعيات الجيوسياسية
مشروع القناة يعمّق التوترات الإقليمية، خاصة مع مصر والأردن، ويستهدف تغيير موازين التجارة العالمية لصالح إسرائيل.
رابعًا: التحديات المناخية العامة لمصر
إلى جانب كل ما سبق، تواجه مصر تحديات مناخية عميقة، مثل ندرة المياه، وارتفاع مستوى سطح البحر، والتصحر، وكلها تتفاقم بفعل النزاعات الإقليمية التي تستهلك الموارد وتؤخر مشاريع التكيف مع التغيرات المناخية.
خامسًا: الدور الأمريكي في المشهد
تلعب الولايات المتحدة دورًا محوريًا ومعقدًا، يجمع بين دعم إسرائيل عسكريًا وسياسيًا في غزة، ومحاولة احتواء النزاع لحماية الملاحة العالمية في قناة السويس، ودعم عمليات استكشاف الغاز لصالح حلفائها لتقليل النفوذ الروسي والصيني، مع تحفظ نسبي تجاه مشروع قناة بن جوريون حفاظًا على الاستقرار العالمي وعلاقاتها مع مصر.
وتتأرجح السياسة الأمريكية بين ضمان أمن إسرائيل، واستقرار الطاقة، ومكافحة الإرهاب، وحماية مصالحها الاستراتيجية، وفي الوقت نفسه الحفاظ على مصر كشريك رئيسي في المنطقة.
استراتيجيات مصرية للتكيف والمواجهة
مواجهة تداعيات حرب غزة
• الدبلوماسية الفعّالة: استمرار الجهود لوقف إطلاق النار، وإعادة الإعمار، وفتح المعابر.
• التنسيق الإقليمي والدولي: العمل مع القوى الكبرى والدول العربية لتحقيق تسوية عادلة وشاملة للقضية الفلسطينية.
• تخفيف الأعباء الاقتصادية: دعم السياحة، وتنويع مصادر الدخل، وتحسين إدارة ملف اللاجئين بالتعاون مع المنظمات الدولية.
تعظيم الاستفادة من الغاز
• تسريع عمليات البحث والاستكشاف، وتعزيز البنية التحتية، وتنويع أسواق التصدير، مع تعميق التعاون عبر منتدى غاز شرق المتوسط.
مواجهة تهديد قناة بن جوريون
• تطوير قناة السويس: رفع كفاءتها، وتقليل أوقات العبور، وتقديم خدمات لوجستية مبتكرة.
• الدبلوماسية الوقائية: فضح الآثار الاقتصادية والبيئية والسياسية لمشروع بن جوريون، والتحرك على المستويين القانوني والإقليمي لإجهاضه.
مواجهة التحديات المناخية
• تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ 2050، بتوسيع الاعتماد على الطاقة المتجددة، وترشيد استخدام المياه، وحماية السواحل، وتعزيز الدبلوماسية المناخية.
تعزيز العلاقات الدولية
• تنويع الشراكات مع القوى العالمية والإقليمية، وتوظيف الدبلوماسية الاقتصادية لجذب الاستثمارات، وتعزيز التعاون الأمني والعسكري لحماية الحدود والمصالح الحيوية.
خاتمة
من خلال هذه الاستراتيجيات المتكاملة، تستطيع مصر تعزيز صمودها الاقتصادي، وحماية مصالحها الجيوسياسية، والتكيف مع المتغيرات المناخية، وتقليل المخاطر الناجمة عن التفاعلات المعقدة في محيطها الإقليمي.
وفي النهاية، لا يسعنا إلا أن نوجّه الشكر والتقدير للقيادة السياسية المصرية التي تدير هذه الملفات الحساسة بأمانة ومسؤولية وشرف نادر على الساحة الدولية.





