وجهات نظر

د.رفعت جبر: فوضى الميكروبات.. تهريب العينات والمواد الجينية وانهيار سلاسل التبريد في مناطق النزاع

عضو المجلس الأعلى للثقافة_ رئيس قسم التقنية الحيوية بكلية علوم القاهرة

لم تعد المخاطر البيولوجية في عالم اليوم تقتصر على تفشي الأمراض الطبيعية أو الأزمات الصحية التقليدية، إذ تفرض الحروب وانهيار المنظومات الطبية وتطور تقنيات الهندسة الوراثية تحديات جديدة أمام منظومات الأمن البيولوجي، خصوصًا في الموانئ والمطارات ومناطق النزاع.

وتكشف هذه التطورات عن تداخل متزايد بين المخاطر الصحية والأمنية، في ظل إمكانية انتقال العينات البيولوجية والمواد الجينية والأنسجة البشرية عبر الحدود، سواء بصورة مشروعة تخضع للرقابة أو من خلال عمليات تهريب تثير مخاوف تتعلق بالسلامة والأمن البيولوجي.

الحروب تضاعف مخاطر انتقال العدوى

في السودان، أدت الحرب إلى أضرار واسعة في البنية التحتية الصحية، شملت المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية وسلاسل إمداد الأدوية والمستلزمات الطبية، وهو ما يفرض تحديات كبيرة على عمليات التشخيص الآمن ونقل الدم في المناطق التي تستضيف أعدادًا كبيرة من النازحين.

وتزداد المخاطر عندما تتعطل أنظمة الفحص المتقدمة، بما فيها الاختبارات الجزيئية التي يمكنها الكشف عن بعض مسببات الأمراض خلال فترة مبكرة من العدوى.

وتُعرف «فترة النافذة» بأنها الفترة التي تلي الإصابة بالعدوى وقبل أن يصبح الاختبار قادرًا على اكتشاف المؤشرات البيولوجية المستهدفة بدرجة موثوقة. وتختلف هذه الفترة وفق نوع العامل الممرض ونوع الاختبار المستخدم.

وفي حالات الطوارئ، يمكن أن يؤدي ضعف إمكانات الفحص والتخزين والنقل إلى زيادة المخاطر المرتبطة بنقل الدم، خصوصًا في البيئات التي تعاني انهيارًا في البنية الصحية وسلاسل التبريد.

ومن هنا تبرز أهمية الحفاظ على منظومات فحص الدم، وتطبيق إجراءات صارمة لاختبار المتبرعين، حتى في ظروف النزاعات والكوارث الإنسانية.

السالمونيلا.. عندما لا تكفي النظافة الخارجية

وتقدم حالات تفشي بكتيريا السالمونيلا المرتبطة بالأغذية مثالًا آخر على تعقيد المخاطر البيولوجية.

وفي بريطانيا، أثارت حالات إصابة مرتبطة ببيض الدجاج تساؤلات حول طرق انتقال بعض سلالات Salmonella Enteritidis، وهي بكتيريا يمكن أن توجد داخل البيضة نفسها، وليس على سطح القشرة فقط.

وتكمن أهمية هذه الآلية في أن تلوث محتوى البيضة يمكن أن يحدث قبل تكوّن القشرة، ما يعني أن تنظيف القشرة أو تعقيم سطحها لا يمثل حلًا كافيًا إذا كانت البكتيريا موجودة داخل البيضة.

ولهذا تعتمد الجهات الصحية في التحقيقات المتعلقة بتفشي الأمراض المنقولة بالغذاء على تقنيات متقدمة، من بينها التسلسل الجيني الكامل (WGS)، الذي يسمح بمقارنة البصمات الجينية للعزلات البكتيرية وربط الحالات ببعضها، والمساعدة في تحديد مصدر التفشي.

وتوفر هذه التقنيات قدرة أكبر على تتبع انتقال الميكروبات مقارنة بالاعتماد على البيانات الوبائية التقليدية وحدها.

الأنسجة البشرية والرقابة على نقل المواد البيولوجية

ويمثل نقل الأنسجة والخلايا البشرية عبر الحدود مجالًا آخر يتطلب ضوابط دقيقة، خصوصًا بالنسبة إلى المواد الحساسة التي تحتاج إلى درجات حرارة محددة للحفاظ على سلامتها.

وتحتاج بعض العينات والمواد البيولوجية إلى ظروف حفظ شديدة الخصوصية، وقد تعتمد بعض تطبيقات حفظ الأجنة على تقنية التزجيج (Vitrification)، التي تستخدم تبريدًا فائق السرعة بهدف الحد من تكوّن البلورات الثلجية التي يمكن أن تلحق أضرارًا بالخلايا.

وتتطلب هذه المواد أنظمة نقل وحفظ متخصصة ومراقبة مستمرة لدرجات الحرارة وسلسلة التبريد.

وأي نقل غير خاضع للرقابة أو في ظروف غير مناسبة قد يؤدي إلى تلف المادة البيولوجية، كما يثير مخاوف إضافية إذا كانت المواد منقولة دون الوثائق والتصاريح اللازمة أو خارج المؤسسات الطبية والبحثية المعتمدة.

وتتزايد أهمية هذه القضية مع توسع استخدام التقنيات الحيوية وتنامي قواعد البيانات الجينية والبنوك الحيوية، ما يجعل حماية البيانات والمواد البيولوجية جزءًا من منظومة الأمن الصحي والبيولوجي الحديثة.

العينات الممرضة.. مخاطر النقل غير الآمن

وتصبح المخاطر أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بالعينات التي تحتوي على عوامل ممرضة.

فنقل المواد البيولوجية الخطرة عبر الطائرات يخضع لقواعد دولية صارمة لتصنيف المواد وتعبئتها ووضع العلامات عليها، بهدف منع التسرب أو التعرض غير المقصود أثناء عمليات النقل.

وتصنف بعض المواد المعدية التي يمكن أن تسبب مرضًا شديدًا أو تهديدًا للصحة العامة ضمن الفئة A في لوائح النقل الجوي، وتخضع لشروط محددة تتعلق بالتغليف والتوثيق والتعامل معها.

كما أن العمل داخل المختبرات التي تتعامل مع عوامل ممرضة شديدة الخطورة يتطلب مستويات مناسبة من الاحتواء الحيوي وإجراءات صارمة للسلامة والأمن البيولوجي.

ولا تقتصر المخاطر على المختبر نفسه، إذ تشمل سلسلة كاملة تبدأ من جمع العينات وتنتهي بنقلها وتخزينها والتخلص منها.

تقنيات جينية محمولة لتعزيز الرقابة

ومع التطور السريع في تقنيات التسلسل الجيني، يمكن أن تصبح أجهزة التسلسل المحمولة أداة مهمة في تعزيز قدرات الكشف والاستجابة.

وتتيح بعض تقنيات التسلسل الحديثة، مثل منصات Nanopore، إجراء عمليات تسلسل جيني في أجهزة صغيرة نسبيًا، وهو ما يفتح المجال أمام استخدامها في مواقع بعيدة عن المختبرات المركزية، وفقًا لطبيعة الاختبار والهدف التشخيصي.

ويمكن لهذه التقنيات أن تساعد في التعرف على مسببات الأمراض ومتابعة التغيرات الجينية فيها، ودعم التحقيقات الوبائية، خصوصًا في المناطق التي تفتقر إلى مختبرات متقدمة.

لكن استخدامها لا يلغي الحاجة إلى المختبرات المرجعية أو إجراءات ضمان الجودة والتحقق من النتائج، إذ إن التسلسل الجيني وحده لا يمثل حلًا شاملًا لكل مخاطر الأمن البيولوجي.

الأمن البيولوجي يتجاوز حدود المستشفيات

تكشف هذه التحديات أن مفهوم الأمن البيولوجي أصبح أوسع بكثير من مجرد إنتاج اللقاحات أو السيطرة على الأوبئة.

فالأمن البيولوجي يشمل حماية البشر والحيوانات والبيئة من المخاطر الناتجة عن مسببات الأمراض والمواد البيولوجية، إلى جانب منع إساءة استخدام التقنيات الحيوية أو نقل المواد البيولوجية الخطرة بصورة غير مشروعة.

وتحتاج الدول إلى تعزيز التنسيق بين وزارات الصحة والبيئة والزراعة والجهات الأمنية والجمارك وسلطات الطيران والموانئ، بما يسمح ببناء منظومة متكاملة لرصد المخاطر البيولوجية والتعامل معها.

كما أن الاتفاقيات الدولية، ومنها اتفاقية الأسلحة البيولوجية (BWC)، تمثل جزءًا مهمًا من منظومة الحد من مخاطر إساءة استخدام العلوم والتقنيات البيولوجية.

غير أن التعامل مع المخاطر الحديثة يحتاج أيضًا إلى تحديث التشريعات الوطنية وآليات الرقابة على نقل العينات والمواد البيولوجية، وتعزيز قدرات المختبرات الحدودية وتبادل المعلومات بين الدول.

«البايو-حقائب».. خطر يحتاج إلى رقابة لا إلى تهويل

إن الحديث عن انتقال المواد البيولوجية داخل أمتعة المسافرين يفرض ضرورة التمييز بين المخاطر الواقعية والسيناريوهات الافتراضية.

فليس كل نقل لمادة بيولوجية يمثل تهديدًا أمنيًا، كما أن معظم عمليات نقل العينات الطبية والبحثية المشروعة تخضع لقواعد تنظيمية محددة.

لكن وجود محاولات لنقل مواد بيولوجية أو عينات دون التصاريح اللازمة يفرض على السلطات تطوير قدرات الكشف والتفتيش، وتدريب العاملين في المنافذ الحدودية على التعرف إلى المواد التي قد تشكل خطرًا صحيًا أو أمنيًا.

ويكتسب هذا الأمر أهمية أكبر مع انخفاض تكلفة تقنيات الهندسة الوراثية وتوسع استخدامها في مجالات البحث والطب والزراعة والصناعة.

معركة الأمن البيولوجي تبدأ قبل ظهور الوباء

لم يعد الاستعداد للمخاطر البيولوجية مسؤولية المستشفيات والمختبرات وحدها، بل أصبح قضية تتطلب تعاونًا بين القطاعات الصحية والأمنية والبحثية والرقابية.

وتشمل الأولويات تطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتعزيز المختبرات الحدودية، وتأمين سلاسل تبريد العينات والدم والمواد البيولوجية، وتطوير قدرات التسلسل الجيني، وتحديث أنظمة تتبع المواد البيولوجية، إلى جانب تدريب الكوادر المعنية على التعامل مع المواد الخطرة.

كما يتطلب الأمر تحقيق توازن دقيق بين تسهيل حركة العينات الطبية والبحثية المشروعة، ومنع عمليات النقل غير القانوني أو غير الآمن.

وفي عالم تتسارع فيه حركة الأشخاص والمواد والتقنيات، لم تعد الحدود الجغرافية وحدها كافية لمنع انتقال المخاطر البيولوجية.

ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي أمام الدول يتمثل في بناء منظومة أمن بيولوجي قادرة على اكتشاف المخاطر مبكرًا، واحتواء انتشارها، ومنع إساءة استخدام التقنيات الحيوية، دون الوقوع في فخ المبالغة أو التهويل.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة