أخبارصحة الكوكب

ارتفاع الحرارة واضطراب الأمطار يزيدان خطر الإسهال بين أطفال أفريقيا

أطفال أفريقيا في مواجهة خطر صحي جديد بسبب تغير المناخ.. ما علاقة المياه النظيفة؟

كشفت دراسة علمية حديثة أن ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط هطول الأمطار المرتبطين بتغير المناخ قد يزيدان خطر الإصابة بأمراض الإسهال بين الأطفال في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء، إلا أن تحسين الوصول إلى مياه الشرب النظيفة والبنية التحتية ووسائل النقل يمكن أن يساعد في الحد من هذه المخاطر.

وتشير النتائج إلى أن تأثير تغير المناخ على أمراض الإسهال لا يسير بالوتيرة نفسها في جميع المناطق أو بالنسبة إلى جميع مسببات المرض، إذ تختلف العوامل المناخية المؤثرة بحسب الموقع الجغرافي ونوع الميكروب.

وأجرى الدراسة باحثون من مركز تطوير اللقاحات والصحة العالمية التابع لكلية الطب بجامعة ماريلاند، بالاعتماد على بيانات صحية وبيئية من مالي وكينيا وجامبيا.
ونُشرت الدراسة في دورية Nature Communications.

الإسهال خطر كبير على الأطفال

تعد أمراض الإسهال من أبرز التهديدات الصحية للأطفال في العالم، ولا سيما الأطفال دون سن الخامسة.

ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، يمثل الإسهال أحد الأسباب الرئيسية لسوء التغذية بين الأطفال الصغار، كما يأتي ضمن أهم أسباب الوفاة في هذه الفئة العمرية على مستوى العالم.

وتنشأ أمراض الإسهال عن مجموعة واسعة من الفيروسات والبكتيريا والطفيليات، ويمكن لبعض مسبباتها أن تنتشر أو تصبح أكثر قدرة على البقاء في الظروف الأكثر دفئًا ورطوبة.

ومع استمرار ارتفاع درجات حرارة الأرض وتغير أنماط سقوط الأمطار، يخشى الباحثون من أن تصبح الظروف المناخية أكثر ملاءمة لبعض مسببات الأمراض، ما يزيد من احتمالات تعرض الأطفال للإصابة.

وتشير إحدى التقديرات إلى احتمال حدوث نحو 48 ألف وفاة إضافية بين الأطفال بحلول عام 2030 نتيجة أمراض الإسهال المرتبطة بتغير المناخ، مع تحمل أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا الجزء الأكبر من هذا العبء المتوقع.

أكثر من 9300 حالة تحت الدراسة

لرصد العلاقة بين تغير المناخ وأمراض الإسهال، حلل الباحثون أكثر من 9300 حالة إسهال متوسطة إلى شديدة لدى أطفال تقل أعمارهم عن خمس سنوات في مالي وكينيا وجامبيا.

واستندت البيانات إلى دراسات دولية واسعة شملت دراسة Global Enteric Multicenter Study ودراسة المتابعة Vaccine Impact on Diarrhea in Africa.

وركز الباحثون على أربعة من مسببات الأمراض الرئيسية المرتبطة بالإسهال، وهي طفيلي الكريبتوسبوريديوم، وبكتيريا الشيغيلا، وفيروس الروتا، وبكتيريا الإشريكية القولونية المعوية الممرضة، المعروفة اختصارًا باسم ETEC.

وساعد تحليل هذه البيانات على تحديد العلاقة بين درجات الحرارة والأمطار وبين معدلات الإصابة بكل مسبب مرضي، فضلًا عن دراسة دور الظروف الاجتماعية والاقتصادية في تحديد مستوى الخطر.

الحرارة والأمطار لا تؤثران بالطريقة نفسها

الأمطار

 

أظهرت النتائج أن تغير المناخ لا يرفع مخاطر جميع مسببات الإسهال بالطريقة نفسها، وأن تأثير الحرارة والأمطار يختلف بصورة واضحة من دولة إلى أخرى.

وفي كينيا، كانت درجات الحرارة العامل المناخي الأكثر ارتباطًا بزيادة مخاطر الإصابة بالشيغيلا والكريبتوسبوريديوم وETEC.

أما في مالي وجامبيا، فقد كان هطول الأمطار أكثر تأثيرًا في معدلات الإصابة بفيروس الروتا والكريبتوسبوريديوم وETEC.

ويعني ذلك أن الاستراتيجيات الصحية لمواجهة تأثير تغير المناخ على أمراض الإسهال لا يمكن أن تعتمد على حل واحد لجميع الدول، بل يجب أن تراعي الظروف المناخية والبيئية المحلية، فضلًا عن نوع مسببات الأمراض المنتشرة في كل منطقة.

الكريبتوسبوريديوم يثير اهتمام الباحثين

ظهر طفيلي الكريبتوسبوريديوم بصورة مختلفة عن بعض مسببات الأمراض الأخرى.

فعلى الرغم من توقع ارتفاع درجات الحرارة بشكل كبير بحلول عام 2055، ظلت العلاقة بين معدلات الإصابة بهذا الطفيلي وهطول الأمطار محدودة نسبيًا في الدول الثلاث التي شملتها الدراسة.

ومع ذلك، فإن ظروف توفر المياه وجودتها لعبت دورًا مهمًا في تحديد مستوى الخطر المرتبط بالمرض.

وتبرز أهمية ذلك لأن الكريبتوسبوريديوم يمكن أن ينتقل عن طريق المياه أو الطعام الملوثين، ويعد من مسببات أمراض الإسهال التي يمكن أن تكون خطيرة بشكل خاص على الأطفال الصغار.

المياه النظيفة تقلل المخاطر

المياه النظيفة

 

من أبرز النتائج التي توصل إليها الباحثون أن الوصول إلى مياه الشرب النظيفة يمكن أن يمثل عامل حماية مهمًا للأطفال في مواجهة التأثيرات الصحية لتغير المناخ.

وأظهرت النماذج أن انخفاض إمكانية الوصول إلى المياه النظيفة يرتبط بزيادة كبيرة متوقعة في حالات الإصابة بالكريبتوسبوريديوم في الدول الثلاث.

وفي المقابل، يؤدي تحسين الوصول إلى المياه النظيفة إلى انخفاض العدد المتوقع للحالات المرتبطة بتغير المناخ.

وتشير هذه النتيجة إلى أن الاستثمار في البنية التحتية للمياه يمكن أن يكون جزءًا مهمًا من استراتيجيات التكيف الصحي مع تغير المناخ، إلى جانب الإجراءات الطبية التقليدية.

الكهرباء ووسائل النقل تحمي الأطفال بصورة غير مباشرة

لم تقتصر عوامل الحماية على المياه.

فقد وجد الباحثون أن الأطفال الذين يعيشون في أسر لديها إمكانية الوصول إلى وسائل النقل أو الكهرباء أو حتى أجهزة التلفزيون، كانوا أقل عرضة لبعض المخاطر المرتبطة بتغير المناخ ومسببات أمراض الإسهال مقارنة بالأطفال الذين يفتقرون إلى هذه الموارد.

ولا يعني ذلك أن امتلاك جهاز تلفزيون يمنع الإصابة بالعدوى، وإنما يرى الباحثون أن هذه المؤشرات قد تعكس قدرة الأسرة على التعامل مع الظروف الصعبة.

فعلى سبيل المثال، يمكن أن يساعد توفر وسائل النقل الأسرة على الوصول سريعًا إلى المرافق الصحية عند مرض الطفل، بينما قد يرتبط توفر الكهرباء بظروف معيشية أفضل وإمكانية أكبر للوصول إلى المعلومات والخدمات الأساسية.

وبذلك، قد تمثل هذه الموارد مؤشرات على قدرة الأسرة والمجتمع على التكيف مع الضغوط البيئية والصحية.

الفقر يزيد تأثير تغير المناخ

توضح الدراسة أن درجة الحرارة أو كمية الأمطار لا تفسران وحدهما اختلاف معدلات الإصابة بين الأطفال.

فالعوامل الاقتصادية والاجتماعية وجودة البنية التحتية قد تحدد أيضًا مدى قدرة الأسرة على حماية أطفالها من التأثيرات الصحية لتغير المناخ.

ويؤكد الباحثون أن بناء القدرة على الصمود في مواجهة تغير المناخ يتطلب مزيجًا من تدخلات الصحة العامة، وتحسين البنية التحتية، والتنمية الاقتصادية، وتوسيع الوصول إلى اللقاحات المنقذة للحياة.

وهذا يعني أن مواجهة الأمراض المرتبطة بتغير المناخ لا تقع على عاتق القطاع الطبي وحده، وإنما تحتاج إلى سياسات أوسع تشمل المياه والصرف الصحي والطاقة والنقل والتنمية الاقتصادية.

تغير المناخ قد يوسع الفجوة الصحية

تغير المناخ

 

تضيف النتائج إلى مجموعة متزايدة من الأدلة التي تشير إلى أن تغير المناخ قد يؤدي إلى زيادة التفاوتات الصحية، خصوصًا في المجتمعات منخفضة الموارد.

فالأسر التي تفتقر إلى المياه النظيفة أو وسائل النقل أو الكهرباء قد تكون أقل قدرة على الاستجابة للأحداث المناخية المتطرفة أو التعامل سريعًا مع الأمراض الناتجة عنها.

وفي الوقت نفسه، يمكن للارتفاع المستمر في درجات الحرارة وتغير أنماط هطول الأمطار أن يغير البيئة التي تنتشر فيها مسببات الأمراض، ما يزيد الضغوط على الأنظمة الصحية التي تعاني بالفعل محدودية الموارد.

بيانات تساعد في توجيه الاستثمارات الصحية

يرى الباحثون أن إحدى أهم فوائد الدراسة تتمثل في توفير صورة أكثر تفصيلًا عن العوامل التي تحرك مخاطر الإصابة بكل مسبب مرضي وفي كل منطقة.

فبدلًا من التعامل مع تغير المناخ وأمراض الإسهال باعتبارهما مشكلتين منفصلتين، يمكن استخدام نماذج التنبؤ لتحديد المناطق والفئات الأكثر تعرضًا للخطر، وتوجيه الموارد الصحية والبنية التحتية إليها.

وقد يساعد ذلك في تحديد الأماكن التي تحتاج إلى تحسين شبكات المياه والصرف الصحي، أو تعزيز خدمات الرعاية الصحية والنقل، أو تكثيف برامج التطعيم والتوعية الصحية.

وتشير الدراسة إلى أن القدرة على الحركة والاستقرار الاقتصادي والوصول إلى الخدمات الأساسية ليست عوامل هامشية في الاستجابة الصحية لتغير المناخ، وإنما يمكن أن تكون جزءًا أساسيًا من حماية الفئات الأكثر ضعفًا.

حماية الأطفال تتطلب حلولًا متعددة

مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة وتزايد عدم انتظام هطول الأمطار في مناطق مختلفة من أفريقيا، تصبح الحاجة أكثر إلحاحًا إلى فهم العلاقة بين المناخ والأمراض المعدية.

ولا تقدم الدراسة حلًا طبيًا واحدًا لهذه المشكلة، لكنها توضح أن الحد من تأثير تغير المناخ على صحة الأطفال يتطلب الاستثمار في الأساسيات: مياه شرب آمنة، وبنية تحتية أفضل، وخدمات صحية متاحة، ووسائل نقل، إلى جانب اللقاحات والتدخلات الطبية.

وبالنسبة لأفريقيا جنوب الصحراء، قد يكون تحسين هذه الخدمات أحد أكثر الإجراءات فعالية في تقليل العبء الصحي المتوقع مع استمرار تغير المناخ.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة