أهم الموضوعاتأخبارصحة الكوكب

2,325 وفاة و4,945 إصابة.. إيبولا يهدد بتحطيم الرقم القياسي لأكبر تفشٍ في التاريخ

سلالة نادرة بلا لقاح.. إيبولا يهدد بتحويل الكونغو الديمقراطية إلى بؤرة وبائية عالمية

تواجه جمهورية الكونغو الديمقراطية واحدة من أخطر موجات تفشي فيروس إيبولا في تاريخ القارة الأفريقية، بعدما تجاوز عدد الوفيات 2,300 حالة، فيما اقترب عدد الإصابات المؤكدة من 5 آلاف حالة، وسط تحذيرات من أن التفشي الحالي قد يتجاوز وباء غرب أفريقيا الذي سجل أكبر حصيلة في تاريخ المرض.

وأعلنت وزارة الصحة في الكونغو الديمقراطية تفشي المرض في إقليم إيتوري يوم 15 مايو 2026، إلا أن نتائج تحليل التسلسل الجيني للفيروس أظهرت أن التفشي بدأ في وقت أبكر، وتحديدًا في فبراير الماضي، ما يعني أن الفيروس انتشر لأسابيع قبل اكتشافه رسميًا.

وبحسب أحدث البيانات الحكومية الواردة في 16 أغسطس، بلغ عدد الوفيات 2,325 حالة، مقابل 4,945 إصابة مؤكدة، بعدما امتد انتشار الفيروس من إيتوري إلى خمس مقاطعات أخرى.

وحذرت الأمم المتحدة من أن الفيروس أصبح يتقدم بوتيرة أسرع من قدرة السلطات والمنظمات الإنسانية على احتوائه، في وقت تواجه فيه جهود الاستجابة الصحية مجموعة معقدة من العقبات، تشمل النزاع المسلح، ونقص التمويل، وضعف أنظمة المراقبة، والهجمات على العاملين الصحيين، فضلًا عن انتشار المعلومات المضللة.

عندما يفرض الفيروس منطقه.. كيف أجبر إيبولا العالم على التفكير من جديد؟
مكافحة إيبولا في أفريقيا وسط مخاوف من التوسع

ما هو فيروس إيبولا؟

إيبولا مرض فيروسي شديد العدوى وقد يكون قاتلًا، وينتمي إلى مجموعة من الفيروسات التي ترتبط في الطبيعة، على نحو رئيسي، بخفافيش الفاكهة.

وينتقل الفيروس في البداية من الحيوانات إلى البشر فيما يعرف بانتقال العدوى الحيوانية المنشأ، ثم يمكن أن ينتقل من شخص إلى آخر من خلال ملامسة سوائل جسم الشخص المصاب، بما في ذلك الدم والقيء والإفرازات وبعض السوائل الأخرى.

ويمكن أن تنتقل العدوى أيضًا من جثامين الأشخاص الذين توفوا بسبب المرض، وهو ما يجعل عمليات الدفن الآمن والسيطرة على العدوى من أهم عناصر مكافحة تفشي إيبولا.

وتبدأ أعراض المرض عادة بالحمى والإرهاق وآلام العضلات والصداع، قبل أن تتطور لدى بعض المرضى إلى القيء والإسهال والطفح الجلدي، وقد تحدث حالات نزيف داخلي أو خارجي.

وتشير التقديرات العامة إلى أن معدل الوفاة بسبب إيبولا قد يصل إلى نحو 50%، مع اختلافه وفق السلالة والظروف الصحية وجودة الرعاية الطبية وسرعة اكتشاف الحالات وعلاجها.

سلالة نادرة تزيد المخاوف

ينتمي التفشي الحالي إلى فيروس بونديبوجيو، وهي إحدى سلالات إيبولا التي تصيب البشر، إلى جانب سلالات زائير وسودان وتاي فوريست.

وتكتسب السلالة الحالية أهمية خاصة لأنها نادرة نسبيًا؛ إذ لم ترتبط سوى بتفشيات سابقة معروفة، وقعت في عامي 2007 و2012.

والأكثر إثارة للقلق أن هذه السلالة لا يتوافر لها حتى الآن لقاح متاح على نطاق واسع أو علاج معتمد يمكن الاعتماد عليه في احتواء التفشي، ما يضع فرق الصحة العامة أمام مهمة أكثر صعوبة مقارنة ببعض تفشيات إيبولا السابقة التي أمكن التعامل معها باستخدام أدوات وقائية وعلاجية أكثر تطورًا.

وفي محاولة لسد هذه الفجوة، بدأت خلال يوليو الماضي تجارب سريرية على علاجين محتملين يستهدفان السلالة، كما يجري اختبار لقاحين محتملين على البشر للمرة الأولى.

لكن هذه التجارب لا تعني وجود لقاح متاح للاستخدام العام في الوقت الحالي، ولذلك تظل السيطرة على العدوى واكتشاف الحالات وعزلها وتتبع المخالطين والدفن الآمن من أهم أدوات الاستجابة.

دروس قاسية من إيبولا.. لماذا لا تكفي اللقاحات وحدها؟
دروس قاسية من إيبولا.. لماذا لا تكفي اللقاحات وحدها؟

لماذا أصبح التفشي الحالي مثيرًا للقلق؟

لا يرتبط الخطر بحجم أعداد الإصابات والوفيات فقط، وإنما بتزامن تفشي الفيروس مع ظروف إنسانية وأمنية بالغة التعقيد.

فالكونغو الديمقراطية تعاني منذ عقود من اضطرابات ونزاعات مسلحة، بينما يتركز التفشي في منطقة إيتوري الغنية بالموارد المعدنية، والتي تنشط فيها جماعات مسلحة.

وتسببت أعمال العنف في نزوح أعداد ضخمة من السكان، وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن قرابة مليون شخص في إقليم إيتوري نزحوا بسبب الصراع.

ومع انتقال التفشي جنوبًا إلى أجزاء من إقليمي كيفو الشمالية وكيفو الجنوبية، حيث تسيطر جماعة حركة 23 مارس المسلحة على مناطق واسعة، أصبحت مهمة وصول فرق الرعاية الصحية والاستجابة الوبائية أكثر تعقيدًا.

المعلومات المضللة تعرقل مكافحة إيبولا

تواجه السلطات الصحية أيضًا مشكلة أخرى لا تقل خطورة عن الفيروس نفسه، تتمثل في فقدان الثقة وانتشار المعلومات المضللة.

وقد أدت المخاوف والشائعات المرتبطة بعمليات الدفن الآمن إلى توترات وهجمات استهدفت منشآت وعاملين في القطاع الصحي، ما يعرقل جهود عزل المرضى وتتبع الأشخاص الذين خالطوا المصابين.

وتزداد صعوبة المهمة في المجتمعات التي عانت سنوات طويلة من النزاعات والتدخلات الخارجية، وهو ما أدى إلى تراكم حالة من عدم الثقة تجاه المؤسسات الحكومية والمنظمات الدولية والعاملين في المجال الصحي.

وفي بعض المناطق، لا تقتصر التحديات على رفض إجراءات الوقاية، وإنما تصل إلى منع الفرق الصحية من الوصول إلى المرضى أو إجراء عمليات الدفن الآمن، الأمر الذي قد يفتح أبوابًا جديدة لانتقال الفيروس.

نقص التمويل يضعف الاستجابة

تأتي الأزمة الصحية في وقت تراجعت فيه المساعدات الإنسانية الموجهة إلى الكونغو الديمقراطية بشكل حاد.

وأدى انخفاض التمويل إلى الضغط على الأنظمة الصحية المحلية وشبكات مراقبة الأمراض، وهي الأدوات التي يعتمد عليها اكتشاف الحالات الجديدة في وقت مبكر والاستجابة السريعة لها.

وتفاقمت الأزمة مع إضراب عاملين صحيين في أحد مراكز علاج إيبولا في إيتوري بسبب عدم حصولهم على أجورهم لمدة ثلاثة أشهر، ما أدى إلى إغلاق المركز مؤقتًا.

وتكشف هذه الواقعة عن مدى هشاشة منظومة الاستجابة، إذ إن مكافحة فيروس شديد العدوى مثل إيبولا تتطلب فرقًا صحية تعمل بصورة مستمرة، ونظامًا فعالًا للمراقبة، ومراكز عزل وعلاج مجهزة، وسلاسل إمداد مستقرة، إلى جانب تمويل مستدام.

كيف غيّر فيروس إيبولا قواعد مواجهة الأوبئة عالميًا،
سلالة نادرة بلا لقاح.. إيبولا يتفشى في الكونغو بوتيرة غير مسبوقة

لماذا تأخر اكتشاف التفشي؟

يعد التأخر في اكتشاف الفيروس من أبرز أسباب القلق الحالي.

وظهرت أعراض على أول حالة مشتبه بها معروفة، وهي لرجل يبلغ من العمر 59 عامًا، في 24 أبريل، وتوفي بعد ثلاثة أيام.

لكن السلطات الصحية لم تتلق إخطارًا بوجود تفشٍ إلا في 5 مايو، بعدما كان نحو 50 شخصًا قد توفوا بالفعل، وفق بيانات مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في أفريقيا.

وأظهرت تحليلات التسلسل الجيني لاحقًا أن بداية التفشي تعود إلى فبراير.

ويعني هذا التأخر أن الفيروس حصل على فترة زمنية أطول للانتشار قبل إطلاق إجراءات الاستجابة، وهو أمر شديد الخطورة في حالة إيبولا، لأن السيطرة على المرض تعتمد بصورة كبيرة على اكتشاف الحالات بسرعة، وعزل المصابين، وتحديد جميع المخالطين ومراقبتهم.

ويؤدي تأخر الاستجابة إلى اتساع شبكة المخالطين، ما يجعل مهمة تتبع سلسلة انتقال العدوى أكثر صعوبة، خصوصًا في المناطق التي تعاني بالفعل من النزوح والصراع وضعف الخدمات الصحية.

الكونغو الديمقراطية تقترب من الرقم القياسي التاريخي

إذا استمرت وتيرة الانتشار الحالية، فقد يصبح التفشي الحالي في الكونغو الديمقراطية الأكبر في تاريخ فيروس إيبولا.

وكان أكبر تفشٍ معروف حتى الآن قد ضرب غينيا وليبيريا وسيراليون في غرب أفريقيا بين عامي 2014 و2016.

وخلال ذلك التفشي، أصيب أكثر من 28,600 شخص، وتوفي 11,325 شخصًا، وفق بيانات منظمة الصحة العالمية.

لكن ما يثير القلق في التفشي الحالي هو سرعة ارتفاع أعداد الوفيات.

فقد استغرق تفشي غرب أفريقيا قرابة خمسة أشهر للوصول إلى نحو ألف وفاة، بينما تجاوز التفشي الحالي حاجز ألفي وفاة خلال أقل من ثلاثة أشهر، وفق الأرقام الواردة في البيانات التي تستند إليها هذه التطورات.

وهذا يجعل التفشي الحالي، وفق المعطيات المتاحة، الأسرع نموًا في تاريخ تفشيات إيبولا المعروفة.

هل يمكن احتواء التفشي؟

رغم الصورة شديدة الخطورة، لا يعني ارتفاع أعداد الإصابات أن السيطرة على التفشي أصبحت مستحيلة.

وتشير تقديرات مسؤولي الاستجابة الصحية الدولية إلى أن تنفيذ إجراءات مكافحة العدوى بصورة متزامنة في مناطق انتقال الفيروس الخمس يمكن أن يؤدي إلى تغيير مسار التفشي خلال نحو ثلاثة أشهر.

لكن حتى في هذا السيناريو، قد يستغرق التفشي وقتًا أطول للوصول إلى ذروته.

وتشير التقديرات إلى أن الوصول إلى ذروة التفشي قد يستغرق نحو ستة أشهر في السيناريو المعتدل، بينما قد يستمر انتشار المرض لمدة تصل إلى عام إذا لم يتم تنفيذ استجابة فعالة وسريعة.

من التفشي المحلي إلى التهديد العالمي.. قصة إيبولا التي غيّرت كل شيء
تفشي فيروس إيبولا سريع الانتشار في جمهورية الكونغو الديمقراطية أصبح ثاني أكبر تفشٍ مسجل في العالم

معركة مزدوجة ضد الفيروس والظروف المحيطة به

تكشف أزمة إيبولا الحالية في الكونغو الديمقراطية أن مكافحة الأوبئة لا تعتمد على الطب وحده.

فاللقاحات والعلاجات تمثل أدوات مهمة، لكنها لا تكفي إذا كانت فرق الاستجابة غير قادرة على الوصول إلى المرضى، أو إذا كانت المنشآت الصحية تتعرض للهجمات، أو إذا كانت المجتمعات لا تثق في العاملين الصحيين، أو إذا كانت أنظمة المراقبة تعاني نقص التمويل.

ولهذا فإن المعركة الحالية هي في الوقت نفسه معركة ضد الفيروس، وضد الصراع المسلح، والنزوح، ونقص الموارد، والمعلومات المضللة، وضعف البنية الصحية.

ويظل عامل الوقت هو العنصر الأكثر حساسية؛ فكل يوم يتأخر فيه اكتشاف الحالات أو عزلها أو تتبع المخالطين يمنح الفيروس فرصة جديدة للانتشار.

ومع اقتراب التفشي الحالي من تجاوز الرقم القياسي التاريخي، تبدو قدرة السلطات الكونغولية وشركائها الدوليين على التحرك السريع والمنسق خلال الأسابيع المقبلة عاملًا حاسمًا في تحديد ما إذا كان إيبولا سيتم احتواؤه، أم سيواصل تحطيم الأرقام القياسية للوباء الأكثر فتكًا في تاريخ المرض.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة