وجهات نظر

د.رانيا عبد المنعم: الثروة الخفية.. اقتصاديات المياه الجوفية في ظل التغير المناخي

محاضر مواد القانون الخاص- خبير العلاقات الاقتصادية الدولية

تتصدر مشكلة الامن المائي أحد اهم التحديات الراهنة علي الساحة الدولية، فيؤثر الأمن المائي وندرة المياه على أجزاء كبيرة من العالم، خاصة أن 40٪ من سكان العالم يعيشون في مناطق تعاني من الندرة المائية؛ فتمثل المياه العذبة موردًا نادرًا؛ فما لا يزيد عن2.5 % من المياه الموجودة على كوكب الأرض، البالغ حجمها 1.4 مليار كيلومتر مكعب، مياه عذبة تصلح للاستهلاك الآدمي، ومعظمها يتعذر الوصول إليه؛ إذ نحو70 % منها محتجز في الأنهار الجليدية، والثلوج، والجليد ويتمثل أكبر مصادرنا للمياه العذبة في 8 ملايين كيلومتر مكعب من المياه الجوفية، حيث لا تحوي الأنهار، والبحيرات إلا نسبة0.3 % من المياه العذبة.

ولذلك ستؤدي ندرة المياه وزيادة الجفاف والفيضانات وتقلص مساحات المياه العذبة و التي تعتبر المصدر الرئيسي لمياه الشرب والري في العديد من الدول الي الصراع السياسي بين الدول على المياه وخاصة بين دول الاحواض والدول المتشاطئة، وان توزيع وتقسيم الموارد المائية يمثل أيضًا مُعوقًا أمام تحقيق الأمن المائي لمعظم البلدان، خاصة أن هناك 276 حوضا عابرا للحدود يشترك فيها 148 بلدا وتمثل 60٪ من تدفقات المياه العذبة في العالم.

ومن ناحية اخري هناك 300 نظام لأماكن المياه الجوفية هي أيضًا عابرة للحدود بطبيعتها، ومنها الخزان الجوفي النوبي بين مصر والسودان وليبيا وتشاد، لذلك أصبح التعاون بين الدول امر حتمي ومطلوب لتحقيق أفضل حلول لإدارة الموارد المائية وتنميتها لجميع البلدان المتشاطئة للتعاون والتعامل مع تحديات المياه المعقدة والمترابطة وتجب الاشارة الا انه وفقا للعديد من التقارير الدولية بلغت نسبة المياه العذبة الموجودة على سطح الكرة الأرضية ٢٪ فقط من إجمالي المياه الموجودة على الأرض.

ولذلك يجب الالتفات الي الثروة الخفية “المياه الجوفية” كمورد بالغ الأهمية للنشاط الاقتصادي والنمو والأمن الغذائي والتنمية الاجتماعية والاقتصادية، فضلاً عن التكيف مع الآثار الناجمة عن تغير المناخ، وبالرغم من استدامة هذا المورد الحيوي الا انه محاط بالخطر في العديد من المناطق، ويرجع ذلك جزئياً إلى عدم تقديره على نحو ملائم كما أنه يعتبر من المُسَلمات.

وفي سياق الضغوط العالمية على منظومات الغذاء وإمدادات المياه، يتعين العمل لضمان التعامل مع المياه الجوفية على نحو مسؤول عبر مختلف القطاعات التي تعتمد على هذا المورد و الإدراك والوعي بأهمية هذا المورد الحيوي وحُسن إدارته.

وبالحديث تحديدا لمشكلات الأمن المائي والخروج بهذه المشكلة؛ تُعتبر المياه الجوفية آلية التأمين الخاصة بالطبيعة، حيث يمكنها درء ثلث الخسائر الناجمة عن موجات الجفاف في النمو الاقتصادي العالمي، مع ضمان عدم نفاد المياه في أثناء فترات الجفاف.

ويكتسي هذا المورد أهمية خاصة بالنسبة للقطاع الزراعي، حيث يمكنه خفض ما يصل إلى نصف الخسائر الناجمة عن تقلبات هطول الأمطار في إنتاجية هذا القطاع. وهذا يعني بدوره توفير الحماية من سوء التغذية.

وفي تناقض صارخ، يؤدي نقص إمكانية الحصول على المياه الجوفية إلى زيادة فرص الإصابة بالتقزم بين الأطفال دون سن الخامسة بنسبة قد تصل إلى 20%.

وعلى هذا النحو، يمكننا استخدام هذا المورد في السعي لتحقيق الأهداف الإنمائية فعلى سبيل المثال، يمكن للمضخات التي تعمل بالطاقة الشمسية ويتوفر لها ضمانات وقائية كافية أن تزيد من الري باستخدام المياه الجوفية، والارتقاء بمستوى المعرفة بهذه الموارد وتحديد أولويات تنمية مكامن المياه الجوفية الضحلة المحلية لدعم الري، وتحسين الأمن الغذائي، والتخفيف من حدة الصدمات المناخية.

وعلى نطاق أوسع، ومع ازدياد آثار تغير المناخ، يمكن للمياه الجوفية أن تستمر في لعب دور بالغ الأهمية في الحفاظ على النظم الإيكولوجية الحساسة التي تحجز الكربون، وفي حماية المجتمعات المحلية المعرضة للخطر من الظواهر المناخية القاسية ولكن مع الاستمرار في استنفاد منسوب المياه الجوفية وتدهور نوعيتها والمنافسة المتزايدة على هذا المورد يهدد استدامته.

وهذا يعني أن الدول يمكن أن تصبح أكثر عرضة للصدمات المناخية. وبالرغم من عدم كفاية استخدام المياه الجوفية في بعض البلدان، فإن بلداناً أخرى أصبحت تعتمد عليها اعتماداً كبير وبالفعل، فإن ما يصل إلى 92% من مكامن المياه الجوفية العابرة للحدود في منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا تُظهر مؤشرات على نضوب المياه الجوفية وفي جنوب آسيا، وفرت المياه الجوفية ميزة في الإيرادات الزراعية تتراوح بين 10% و20%، لكن هذه المنافع آخذة في التراجع مع نضوب الموارد.

ولذلك لابد من إعطاء الأولوية للمياه الجوفية لضمان استخدامها بطريقة تعود بالنفع على الدول والاقتصاد والبيئة.

ومن الضروري اتخاذ إجراءات لمواءمة التكاليف الخاصة لاستخدام المياه الجوفية.

فيمكن للسياسات الموجهة وإصلاحات الدعم أن تضمن ألا يؤدي التوسع في الطاقة الخضراء والاستثمار الزراعي إلى الإفراط في استغلال المياه الجوفية وتدهورها وسوء إدارتها وما يعتمد عليها من نظم إيكولوجية.

وضرورةَ وضع سياسات زراعية وإصلاحات للدعم تراعي فيه المياه الجوفية لتعزيز الإدارة المستدامة لهذا المورد الحيوي.

وفي الوقت نفسه، يؤدي انخفاض تكلفة الطاقة الشمسية والتحرك المتسارع نحو الطاقة النظيفة بشكل عام إلى إتاحة الفرصة للنظر في إدارة المياه الجوفية في السياسات والمؤسسات والاستثمارات الخضراء.

ومع سهولة الحصول على تكنولوجيا الطاقة الشمسية بأسعار معقولة، يمكن أن نرى توسعاً في استخدام المياه الجوفية في الري وإمدادات المياه، مما يزيد من مخاطر الإفراط في استغلالها. وبطبيعة الحال، سيتعين على كل بلد مراعاة ظروفه الخاصة عند وضع السياسات الخاصة بالمياه الجوفية.

وحيثما تكون المياه الجوفية حالياً غير مستغلة، وبالنسبة للبلدان التي تستخدم كميات معتدلة من المياه الجوفية – فينبغي تحسين مستوى إدراك قيمة هذه الموارد لضمان الحفاظ على جودتها واستدامتها.

وحيثما يكون الاستغلال المفرط للمياه الجوفية – كما هو الحال في كثير من مناطق جنوب آسيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا – فمن الضروري اتخاذ إجراءات إضافية، بما في ذلك برامج تعزيز مصادر المياه غير التقليدية، وتخزين المياه السطحية، وتحسين إدارة الطلب عليها. وفي كل حالة من هذه الحالات، فقد حان وقت إعطاء المياه الجوفية الاهتمام الذي تستحقه من جانب واضعي السياسات.

من الضروري ايضا اتخاذ عدة إجراءات على المدى الطويل تهدف إلى تخفيف آثار تغيّر المناخ من خلال تقليل مستويات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي.

لكن تغيّر المناخ يحدث بالفعل، وحتى لو أمكن لجهود التخفيف أن تقلل على الفور من انبعاثات الكربون إلى الصفر، فإن إمدادات المياه تكون قد تأثرت بالفعل.

إذن ثمة حاجة ماسة إلى إيجاد استراتيجيات للتكيّف مع تغيير المناخ وفي الممارسة العملية، يعني هذا التركيز على إدارة أكثر كفاءة واستدامة لموارد المياه.

فلا تستفيد العديد من الدول إلا بنسبة ضئيلة فقط من موارد المياه العذبة المتاحة لديها ومن ثم، يمكن –من خلال الاستفادة من هذه الإمدادات- تخفيف الإجهاد المائي الذي يتوقع كثيرون وقوعه في البلدان النامية، خصوصا إذا صحبه استخدام أكثر كفاءة للموارد، فان هذه البلدان ستحتاج إلى تحسين طريقة إدارة مواردها المائية والخدمات المرتبطة بها للوصول إلى المنفعة المشتركة والتنمية المنشودة التي تخدم وتساعد كافة الاطراف، من خلال أدوات مؤسسية وتعاون دولي وإقليمي لتحسين نظم إدارة الموارد المائية وإنشاء نظم للمعلومات من أجل رصد الموارد وتوزيعها وإدارتها واتخاذ القرارات وتحليل الأنظمة وإنشاء انظمة الرصد والإنذار المبكر الخاص بالأرصاد الجوية الهيدرولوجية.

ولابد أيضا ضخ استثمارات في التكنولوجيات المبتكرة لتعزيز الإنتاجية والحفاظ على الموارد وحمايتها وإعادة تدوير مياه الصرف وتطوير مصادر المياه غير التقليدية والبحث عن فرص لتعزيز تخزين المياه واعادة الاستخدام وقت الحاجة مثل إعادة شحن الخزنات الجوفية بما في ذلك إعادة تغذية أماكن المياه الجوفية وتحسين نوعية مياهها لتعزيز الأمن المائي العالمي.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading