د.رفعت جبر: عقيدة الفوضى.. هل يدفع ترامب ثمن استراتيجية بانون تجاه إيران؟
عضو المجلس الأعلى للثقافة- رئيس قسم التقنية الحيوية بكلية علوم القاهرة
تُعد استراتيجية “إغراق الساحة” التي ينتهجها تيار بانون/ترامب أشبه بمن يلقي قنابل دخانية في غرفة مغلقة؛ الهدف ليس الرؤية، بل منع الآخرين من الإبصار. وبالإجابة على تساؤلاتك حول طبيعة هذا الانقسام المفتعل ومآلات الصدام مع إيران، يمكننا دمج الرؤية في التحليل التالي:
أولًا: الانقسام الداخلي.. “هندسة الأزمات” كأداة سيطرة
ما يشهده الشارع الأمريكي والإسرائيلي من انقسام حاد ليس “أثرًا جانبيًا” غير مقصود، بل هو القلب النابض للاستراتيجية.
- داخليًا: يعتمد بانون على تدمير مفهوم الحقيقة، حيث يصبح الهدف هو ‘إرباك الوعي العام’ لدرجة تجعل الشعوب تفقد القدرة على التمييز بين المصلحة الوطنية والمقامرة السياسية. يدرك بانون أن السيطرة على مجتمع متجانس صعبة، لذا يتم استغلال التناقضات لتفتيت الجبهة المعارضة. هذا الانقسام يمنح “القائد القوي” شرعية التدخل لفرض النظام، ويجعل الخصوم في حالة دفاع مستمر عن هويتهم بدلاً من مهاجمة سياساته.
- إقليميا: الإبقاء على إسرائيل في حالة غليان داخلي وخارجي يخدم فكرة “الاعتماد الكلي” على المظلة الأمريكية، وفي ذات الوقت، يُستخدم كذريعة لتمرير قرارات كبرى (مثل تصفية القضية الفلسطينية أو ضرب إيران) بحجة “الهروب إلى الأمام” من الأزمات الداخلية.
ثانيًا: الهدنة التكتيكية.. الهدوء الذي يسبق “العاصفة النووية”
فيما يخص إيران، فإن “الهدنة” أو “الرسائل المتناقضة” ليست رغبة في السلام، بل هي عملية تخدير وتفكيك للحلفاء. هذه التناقضات هي إحياء لـ ‘نظرية الرجل المجنون’، حيث يتم إيهام طهران بأن الصدام حتمي، لدفعها نحو تقديم تنازلات سيادية تحت ضغط الرعب:
- كسب الوقت: تُستخدم الهدنة لإنهاك الاقتصاد الإيراني عبر العقوبات بينما ينشغل العالم بمبادرات “سلام” وهمية.
- الالتفاف على مجلس الأمن: عبر خلق “واقع ميداني” جديد يجعل القرارات الدولية حبراً على ورق، تماماً كما حدث في غزة؛ حيث يتم الحديث عن مساعدات إنسانية بينما تستمر آلة الحرب في قصف المدارس والبنى التحتية.
ثالثًا: هل تنجح الاستراتيجية أمام “المثلث الصلب” (إيران، روسيا، الصين)؟
رغم براعة “إغراق الساحة” في تشتيت الانتباه، إلا أنها تواجه عقبات قد تجعلها “انتحارًا استراتيجيًا”. إن مراهنة واشنطن على تفتيت النسيج الداخلي الإيراني قد تصطدم بـ ‘القومية الفارسية’ التي تتخندق حول الدولة عند شعورها بالخطر الوجودي:
- احتراق المصالح: التهديد الإيراني بإحراق المصالح الصهيو-أمريكية ليس مجرد بروباغندا؛ فطهران تمتلك “أذرعاً” قادرة على تحويل الفوضى السياسية الأمريكية إلى فوضى أمنية شاملة في ممرات الطاقة (هرمز وباب المندب)، مما قد يؤدي لانهيار اقتصادي عالمي لا يخدم ترامب في حملته الانتخابية أو حكمه.
الدعم الشرقي المتنامي: الموقف الصيني الروسي لم يعد يكتفي بالتنديد؛ فبناء نظام مالي موازٍ بريكس والتعاون العسكري التقني يمنح إيران “رئة” للتنفس خارج الإطار الأمريكي، مما يجعل استراتيجية “الإغراق” تؤثر على الغرب أكثر مما تؤثر على الشرق.
ثبات الجبهة الداخلية الإيرانية: بينما تراهن واشنطن على تفكيك إيران من الداخل، أثبتت التجارب أن الضغط الخارجي المفرط والتهديد الوجودي (قصف البنى التحتية والنووي) غالباً ما يؤدي إلى توحد داخلي خلف القيادة، وهو ما يفسر فشل رهانات “تغيير النظام” طوال عقود.
الخلاصة
نحن أمام “مقامرة كبرى”. استراتيجية بانون تنجح في تدمير “القديم” (مجلس الأمن، التحالفات التقليدية، الاستقرار الإقليمي)، لكنها تعجز حتى الآن عن بناء “جديد” مستقر.
إذا استمرت إيران في ممارسة “الردع الصامت” مع بناء تحالفات شرقية متينة، فإن “إغراق الساحة” قد ينتهي بغرق صانعه في وحل أزمات لا يمكن السيطرة عليها، حيث تصبح الفوضى التي صنعها سلاحًا بيد خصومه لإنهاء الهيمنة الأمريكية القائمة على “الدولار والبارود”.
المشهد ليس مجرد سياسة، بل هو صراع إرادات بين فوضى الصدمة وثبات الاستراتيجية. فالتاريخ يعلمنا أن من يُشعل النار ليربك خصومه، غالبًا ما ينسى أن الرياح قد تغير اتجاهها في أي لحظة.





