د.رانيا حسين الصاوى: من الدلتا للصعيد.. العدالة المناخية أمل الزراعة في مواجهة تغير المناخ
باحث الاجتماع البيئى- قسم بحوث الأرصاد الجوية الزراعبة- المعمل المركزى للمناخ الزراعى
يُعد مصطلح “العدالة المناخية” مفهومًا يتجاوز الأبعاد البيئية إلى فضاءات اجتماعية واقتصادية، إذ يُنظر إلى آثار التغير المناخي من منظور عدم المساواة في المسؤولية والتأثر، لا سيما بين الدول الفاعلة والمتضررة، والشعوب داخل تلك الدول، والفئات المختلفة داخل المجتمع الواحد. وفي السياق المصري، يُعد القطاع الزراعي من أكثر القطاعات تأثرًا بتغير المناخ، ما يجعله محورًا حيويًا في مناقشة العدالة المناخية، خاصة في ضوء اعتماده على الموارد الطبيعية مثل المياه والأراضي، والتي تتسم في مصر بحساسية شديدة، كما أن هذا القطاع الحيوي يُعد مصدرًا رئيسيًا لسبل العيش لملايين المصريين في المناطق الريفية والحضرية.
أولًا: تأثير التغيرات المناخية على القطاع الزراعي المصري
تشير الدراسات إلى أن التغيرات المناخية تؤثر سلبًا على إنتاجية المحاصيل الاستراتيجية مثل القمح والذرة والأرز، بفعل ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الأمطار، وتكرار موجات الجفاف أو الفيضانات، وزيادة حدة الظواهر الجوية المفاجئة والمتطرفة. كما يؤثر ارتفاع مستوى سطح البحر سلبًا على مخزون المياه الجوفية، وتزداد ملوحة التربة، مما يُغيّر طبيعة استخدام الأراضي، خاصة في شمال الدلتا الذي يضم أجود الأراضي الزراعية، ويؤدي ذلك إلى انخفاض إنتاجية وجودة المحاصيل.
تعاني شريحة كبيرة من صغار المزارعين – الذين يمثلون غالبية العاملين بالقطاع الزراعي – من ضعف القدرة على التكيف نتيجة محدودية الموارد وصعوبة الوصول إلى التكنولوجيا، بسبب ضعف الدعم الفني والتمويلي، ما يجعلهم من أكثر الفئات هشاشة أمام تغير المناخ. ولا يقتصر التأثر على أصحاب الأراضي، بل يشمل جميع المرتبطين بالقطاع، مثل العاملين غير النظاميين، وتجار الجملة والتجزئة، والعاملين في نقل الحاصلات، والعمال بقطاع التصنيع الغذائي.
ثانيًا: تحليل التحديات من وجهة نظر العدالة المناخية
ترتكز العدالة المناخية على مبدأ “المسؤولية المشتركة ولكن المتباينة”، الذي يُقر بأن الأكثر تضررًا ليسوا بالضرورة من تسببوا في الانبعاثات الكربونية. وفي مصر، تظهر أبعاد العدالة المناخية في القطاع الزراعي من خلال أربعة مستويات:
-
العدالة الاقتصادية: ضمان وصول الفئات المتضررة إلى التمويل، والتكنولوجيا، والدعم الحكومي، وتعويضات الخسائر، بما يضمن لهم حياة كريمة ومستوى اقتصادي مستقر.
-
العدالة الاجتماعية: عدم تهميش الفقراء والنساء والشباب الريفيين في خطط التكيف المناخي، بما يضمن استقرارًا اجتماعيًا.
-
العدالة البيئية: توزيع الأعباء البيئية بشكل منصف، وعدم ترك المناطق الهشة مثل شمال الدلتا وسيناء والواحات والصعيد تواجه المخاطر وحدها.
-
العدالة بين الأجيال: الحفاظ على الموارد الطبيعية وصيانة الأنظمة البيئية، لضمان سبل عيش مستدامة للأجيال القادمة.
ثالثًا: سياسات التكيف في القطاع الزراعي المصري
تبذل الدولة جهودًا لدعم القطاع الزراعي من خلال عدة برامج، منها:
-
التوسع في الزراعة الذكية مناخيًا.
-
استخدام نظم الري الحديثة مثل الري بالتنقيط.
-
دعم نظم الإنذار المبكر للظواهر الجوية.
-
تمويل برامج إرشادية لصغار المزارعين.
لكن لتحقيق العدالة المناخية، لا يكفي الاعتماد على الحلول التقنية فقط، بل يجب تبني مقاربات شاملة تراعي حقوق الفئات الهشة، وتضمن مشاركتها في اتخاذ القرار، وتخطيط وتنفيذ خطط التكيف، مع ضمان التوزيع العادل للموارد والدعم الفني والمالي.
رابعًا: أهم الاستنتاجات والتوصيات
-
تعزيز مشاركة المجتمعات الزراعية المحلية، خاصة النساء والشباب، في صياغة وتنفيذ سياسات التكيف المناسبة لهم.
-
إصلاح نظم الدعم الزراعي لتكون أكثر عدالة وشفافية، مع توجيهها نحو الفئات الأكثر تأثرًا بالمناخ.
-
دمج مبادئ العدالة المناخية في الخطط الوطنية للمناخ والزراعة، مع متابعة تنفيذها بمؤشرات كمية.
-
تشجيع البحث العلمي المحلي لفهم التأثيرات المناخية على مستوى كل إقليم.
-
تعزيز التعاون الإقليمي والدولي لنقل التكنولوجيا والمعرفة بشروط عادلة.
وفي الختام، فإن تحقيق العدالة المناخية في القطاع الزراعي المصري يتطلب رؤية شاملة تراعي الأبعاد الإنسانية والاجتماعية للتغير المناخي، وتُعامل المزارعين كشركاء رئيسيين في صياغة السياسات وتنفيذها، مما يتطلب إرادة سياسية، ودعمًا مؤسسيًا، ومشاركة مجتمعية فعالة.





