حكم تاريخي لمحكمة العدل الدولية بشأن المناخ: البيئة الصحية حق من حقوق الإنسان
رأي تاريخي من محكمة العدل تُدين صمت الدول الكبرى: التقاعس المناخي انتهاك للقانون الدولي
-
صوت الجنوب يُسمع في لاهاي.. المحكمة تُنذر الكبار بشأن الانبعاثات
شددت أعلى محكمة تابعة للأمم المتحدة، اليوم الأربعاء، على “التهديد الوجودي والعاجل الذي يمثله تغير المناخ” مع بدء تلاوة رأي استشاري حول الالتزامات القانونية الملقاة على عاتق الدول للتحرك.
ومن المتوقع أن يؤثر هذا الرأي غير الملزم، الصادر عن محكمة العدل الدولية، والمعروفة أيضًا بـ”محكمة العالم”، على مسار الإجراءات المناخية المستقبلية في مختلف أنحاء العالم.
وقال القاضي يوجي إيواساوا: “إن انبعاثات الغازات الدفيئة ناتجة بلا شك عن أنشطة بشرية، وهي لا تقتصر على حدود إقليمية”. ولا تزال جلسة قراءة الرأي مستمرة، ولم تعلن المحكمة بعد استنتاجاتها النهائية.
وقبيل صدور الحكم، تجمّع مؤيدو العمل المناخي خارج مقر المحكمة، مرددين: “متى نريد العدالة المناخية؟ الآن!”

يتجاوز هذا الرأي غير الملزم 500 صفحة، ويُعتبر نقطة تحول محتملة في قانون المناخ الدولي. إن ترسيخ البيئة المستدامة كحق من حقوق الإنسان يمهد الطريق أمام إجراءات قانونية أخرى، بما في ذلك عودة الدول إلى محكمة العدل الدولية لمحاسبة بعضها البعض، بالإضافة إلى الدعاوى القضائية المحلية.
ورغم أن الرأي استشاري، فإن مداولات القضاة الـ15 في لاهاي ستكتسب وزنًا قانونيًا وسياسيًا كبيرًا، ولن يكون بإمكان الدعاوى المستقبلية تجاهلها، بحسب خبراء قانونيين.

من بين أكثر الأحكام القانونية تأثيرًا في عصرنا
وقالت المحامية البارزة جويا شودري، من مركز القانون البيئي الدولي: “هذا القرار مهم للغاية، وقد يكون من بين أكثر الأحكام القانونية تأثيرًا في عصرنا، لأنه يتناول جوهر العدالة المناخية”.
وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد طلبت من القضاة البتّ في سؤالين: ما هي التزامات الدول بموجب القانون الدولي لحماية المناخ من انبعاثات الغازات الدفيئة؟ وما هي العواقب القانونية للدول التي تلحق الضرر بالنظام المناخي؟

وخلال جلسات استماع استمرت أسبوعين في ديسمبر الماضي، دعت دول الشمال الغني إلى اعتماد الاتفاقيات المناخية القائمة، ولا سيما اتفاق باريس لعام 2015، كأساس لتحديد المسؤوليات – رغم أنها غير ملزمة قانونيًا.
في المقابل، طالبت دول الجنوب والدول الجزرية الصغيرة بتدابير أكثر صرامة – وبعضها ملزم قانونيًا – للحد من الانبعاثات، ودعت إلى إلزام الدول الكبرى بتقديم دعم مالي.

وقد تم تكليف محكمة العدل الدولية بإعداد هذه الوثيقة من قبل الأمم المتحدة في عام 2023، بعد سنوات من الحملات التي قامت بها مجموعة من طلاب القانون في جزر المحيط الهادئ والدبلوماسية التي قادتها دولة فانواتو في جزيرة المحيط الهادئ.
في عام 2015، التزمت أكثر من 190 دولة، في ختام مفاوضات باريس، ببذل جهود لاحتواء ارتفاع درجات الحرارة العالمية عند 1.5 درجة مئوية، لكن الاتفاق لم ينجح في كبح الزيادة في الانبعاثات العالمية للغازات الدفيئة.
وفي تقرير “فجوة الانبعاثات” الأخير الصادر أواخر العام الماضي، قالت الأمم المتحدة إن السياسات المناخية الحالية ستؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض بأكثر من 3 درجات مئوية بحلول عام 2100، مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية.
ومع تصاعد دعوات المحاسبة، ازداد عدد الدعاوى القضائية المتعلقة بالمناخ، حيث تم تسجيل ما يقرب من 3,000 قضية في نحو 60 دولة، وفقًا لأرقام معهد جرانثام لأبحاث المناخ والبيئة في لندن حتى يونيو الماضي.

لكن النتائج لا تزال متفاوتة
ففي مايو الماضي، رفضت محكمة ألمانية دعوى قضائية رفعها مزارع بيروفي ضد شركة الطاقة الألمانية العملاقة RWE بعد صراع قانوني استمر 10 سنوات، ورغم الرفض، اعتبر المدافعون عن المناخ أن القضية تُشكل خطوة رمزية ستُلهم دعاوى مماثلة.
وفي وقت سابق من يوليو الجاري، أكدت محكمة الدول الأمريكية لحقوق الإنسان – والتي تشمل ولايتها 20 دولة في أميركا اللاتينية والكاريبي – في رأي استشاري وجوب التعاون بين الدول لمواجهة تغير المناخ.

ويرى ناشطون أن رأي محكمة العدل الدولية يجب أن يشكل نقطة تحول، حتى لو كان غير ملزم.
كما يمكن لهذا الرأي أن يُسهّل على الدول تحميل بعضها البعض المسؤولية في قضايا مناخية مثل التلوث أو الانبعاثات.
وقال فيجياني فيشال براساد، أحد الطلاب الذين ضغطوا على حكومة فانواتو في المحيط الهادئ لرفع القضية إلى المحكمة: “بإمكان المحكمة أن تؤكد أن التقاعس المناخي – لا سيما من قبل كبار الملوثين – ليس مجرد فشل سياسي، بل انتهاك للقانون الدولي”.
ورغم أنه من الناحية النظرية يمكن تجاهل رأي المحكمة، فإن المحامين يؤكدون أن الدول غالبًا ما تتحفظ عن ذلك.
وأضافت شودري: “هذا الرأي يطبق القانون الدولي الملزم الذي سبق للدول أن التزمت به”.






