أخبارالتنوع البيولوجيتغير المناخ

جفاف التربة ينذر بصيف أوروبي مقبل أكثر قسوة.. موجات الحر قد تطول وتشتد

لماذا قد تصبح موجات الحر في أوروبا أطول وأكثر خطورة؟.. دراسة تكشف السر

كشفت دراسة مناخية حديثة أن جفاف التربة وارتفاع درجات الحرارة في أواخر الصيف قد يمهدان لظهور موجات حر أكثر شدة وطولًا في أوروبا الغربية، ما يزيد من مخاطر ما يُعرف بـ«صيف القرن»، أو مواسم الحرارة الاستثنائية التي تحدث إحصائيًا بوتيرة نادرة.

وأظهرت نتائج الدراسة أن موجات الحر الشديدة في المناخ الحالي لا تتميز فقط بارتفاع درجات الحرارة، وإنما أيضًا بتقارب الأيام شديدة الحرارة واستمرارها لفترات أطول، خاصة خلال الجزء المتأخر من فصل الصيف.

تغيرات لافتة في صيف أوروبا

يُستخدم مصطلح «صيف القرن» لوصف موسم صيفي شديد الحرارة يُتوقع إحصائيًا أن يحدث مرة واحدة تقريبًا كل 100 عام، لكنه لا يعني بالضرورة حدوثه مرة واحدة فقط كل قرن، خصوصًا في ظل استمرار تغير المناخ.

وقارن فريق بحثي بقيادة الدكتور بيتر بفلايدرر، من معهد الأرصاد الجوية في جامعة لايبزيج، بين ظروف الصيف في أوروبا الغربية خلال الفترة السابقة للتصنيع، بين عامي 1850 و1900، والمناخ الحالي حول عام 2025.

واستخدم الباحثون نموذج CESM2 المناخي، الذي يحاكي التفاعلات بين الغلاف الجوي والمحيطات واليابسة، إلى جانب تقنية تُعرف باسم «أخذ العينات للأحداث النادرة»، بهدف دراسة عدد أكبر من السيناريوهات المرتبطة بمواسم الحرارة الشديدة.

وقال بفلايدرر إن هذه الطريقة أتاحت للباحثين محاكاة عدد كبير من مواسم الصيف شديدة الحرارة في المناخين الحالي والسابق للتصنيع، ودراسة كيفية تغير «صيف القرن» بعيدًا عن تأثير الاحترار العام وحده.

جفاف التربة
جفاف التربة

أواخر الصيف أصبحت أكثر حرارة

أظهرت المحاكاة أن متوسط درجات الحرارة في صيف أوروبا الغربية أصبح أعلى بنحو 3.2 درجات فهرنهايت مقارنة بفترة ما قبل التصنيع.

لكن التغير لم يكن متساويًا على مدار الموسم؛ إذ شهدت الفترات المتأخرة من الصيف ارتفاعًا أكبر في درجات الحرارة.

ووفق الدراسة، كانت الزيادة في درجات الحرارة خلال الأسبوع الأخير من يوليو أعلى بنحو 2.5 درجة فهرنهايت مقارنة بالأسبوع الأول من يونيو.

ويعني ذلك أن بداية الصيف قد تبدو أكثر اعتدالًا نسبيًا، قبل أن تتزايد الحرارة بصورة أكبر خلال الجزء المتأخر من الموسم، وهو ما قد يخلق فترة أطول تسمح بتطور موجات حر شديدة عندما تتزامن الحرارة مع جفاف التربة.

ونُشرت الدراسة كاملة في مجلة Earth’s Future.

وقال بفلايدرر إن ارتفاع عدد الأيام الحارة في المناخ الحالي يزيد من احتمالية حدوث موجات حر طويلة، خصوصًا عندما تتوافر ظروف جوية مناسبة بالتزامن مع جفاف التربة.

موجات الحر أصبحت أطول

وجد الباحثون أن صيفًا استثنائيًا يحدث مرة كل 100 عام في المناخ الحالي قد يشهد نحو 19 يومًا شديد الحرارة، أي بزيادة تقارب يومين مقارنة بالمواسم المماثلة في فترة ما قبل التصنيع.

وتمثل هذه الزيادة نحو 9% في عدد الأيام شديدة الحرارة.

كما ارتفع عدد الأيام شديدة الحرارة بصورة استثنائية من نحو 6 إلى 7 أيام في الصيف، بزيادة تبلغ حوالي 24%.

أما أطول فترة متواصلة من الحرارة الشديدة، فأصبحت أكثر دفئًا بأكثر من 4.5 درجات فهرنهايت في المناخ الحالي، في حين امتدت فترات الحرارة الشديدة لنحو 10 أيام، أي أطول بنحو 39% مقارنة بالمواسم المماثلة في فترة ما قبل التصنيع.

وتشير النتائج إلى أن ارتفاع متوسط درجة حرارة الصيف ليس العامل الوحيد الذي يحدد خطورة الموسم، إذ يمكن لتقارب الأيام شديدة الحرارة واستمرارها لفترات أطول أن يجعل تأثير موجات الحر أكثر خطورة.

جفاف التربة
جفاف التربة

جفاف التربة يزيد سخونة الهواء

تلعب رطوبة التربة دورًا مهمًا في تنظيم درجات الحرارة بالقرب من سطح الأرض.

فعندما تكون التربة رطبة، يُستهلك جزء من الطاقة القادمة من الشمس في عملية تبخر المياه، ما يساعد على تبريد سطح الأرض والهواء المحيط به.

لكن عندما تجف التربة، تقل كمية المياه المتاحة للتبخر، ويتحول جزء أكبر من الطاقة الشمسية إلى حرارة، ما يسمح بارتفاع درجات حرارة الأرض والهواء بصورة أسرع خلال فترات الحر.

وأوضح البروفيسور سيباستيان سيبل، المشارك في الدراسة، أن الباحثين تمكنوا من خلال المحاكاة الجديدة من دراسة تأثير التربة الأكثر جفافًا على ما يُعرف بـ«مواسم القرن» شديدة الندرة.

وأشار إلى أن التغيرات التي تظهر في مواسم الصيف العادية قد تصبح أكثر وضوحًا خلال مواسم الحرارة الاستثنائية.

جفاف مبكر قد يضاعف خطر الصيف المتطرف

أظهرت المحاكاة أن صيف أوروبا الغربية في المناخ الحالي يشهد أمطارًا أقل بنحو 8%، وينتهي بتربة أكثر جفافًا بنحو 7% مقارنة بالماضي.

ومع جفاف التربة في وقت مبكر، تبدأ الطاقة الشمسية في تسخين الهواء بدلًا من استخدامها في تبخير المياه، وهو ما يحدث قبل نحو 10 أيام في مواسم الصيف العادية ونحو 5 أيام في مواسم الحرارة الاستثنائية.

ولفهم تأثير الجفاف المبكر، اختبر الباحثون أيضًا سيناريوهات تبدأ فيها أشهر الصيف بتربة شديدة الجفاف منذ أوائل يونيو.

وفي هذه المحاكاة، كانت المواسم التي بدأت بتربة جافة أكثر عرضة بنحو 4 مرات للتطور إلى صيف شديد الحرارة يعادل «صيف القرن»، كما امتدت أطول موجات الحر بنحو 15%.

لكن الباحثين شددوا على أن هذه النتائج لا تعني أن احتمال حدوث هذا السيناريو في الواقع يبلغ أربعة أضعاف، لأن المحاكاة تعمدت اختيار ظروف جافة جدًا في البداية.

جفاف التربة
جفاف التربة

هل يمكن التنبؤ بصيف أوروبا المقبل؟

لا تقدم الدراسة توقعًا مباشرًا لشكل الصيف الأوروبي المقبل، إذ تعتمد النتائج على نموذج مناخي واحد، كما أن النموذج يمتلك بعض القيود المعروفة ولا يستطيع تمثيل جميع تفاصيل التغيرات المناخية في أوروبا.

وشملت المقارنة الحديثة فترة قصيرة نسبيًا، كما أن الباحثين واجهوا صعوبة إحصائية في دراسة الأحداث شديدة الندرة.

ومن بين 1100 صيف تمت محاكاتها، لم يصل سوى 8 مواسم إلى مستوى الحرارة الذي يؤهلها لتكون أحداثًا تعادل «صيف القرن»، ولذلك استخدم الباحثون أساليب إحصائية متخصصة لدراسة هذه الظواهر.

ويرى الباحثون أن استخدام نماذج مناخية إضافية سيكون ضروريًا للتحقق من مدى قوة النتائج وتحديد مدى إمكانية تعميمها على أوروبا.

استعدادات جديدة لموجات الحر الطويلة

تسلط الدراسة الضوء على أهمية عدم التركيز فقط على الأيام التي تسجل أرقامًا قياسية في درجات الحرارة.

فالصيف الأوروبي المتطرف في المستقبل قد يبدأ بدرجات حرارة معتدلة نسبيًا في يونيو، قبل أن ترتفع الحرارة بصورة حادة في أواخر الموسم مع استمرار جفاف التربة.

وهذا يعني أن خطط مواجهة الحرارة الشديدة قد تحتاج إلى الاستعداد لفترات طويلة من الطقس الحار، وليس فقط لموجات قصيرة تبلغ فيها درجات الحرارة مستويات قياسية.

كما تبرز النتائج أهمية مراقبة رطوبة التربة والجفاف المبكر باعتبارهما عاملين يمكن أن يساعدا في تحديد احتمالية تطور موجات حر طويلة وشديدة.

وتشير الدراسة في مجملها إلى أن التغير المناخي لا يجعل أوروبا أكثر حرارة فحسب، بل قد يغير أيضًا توقيت موجات الحر ومدتها وشدتها، مع احتمال أن يؤدي جفاف التربة إلى تضخيم تأثير درجات الحرارة المرتفعة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة