ثلاثة وجوه للجفاف تكشف زيف “أزمة المياه العالمية”.. خبير: الأزمات محلية بامتياز
الخطاب الموحد حول "ندرة المياه" يخفي الأسباب الحقيقية لأزمات الجفاف
أُعلنت قيود على استخدام خراطيم المياه في أجزاء من إنجلترا هذا الصيف. فبعد ربيع يُعدّ الأشد جفافًا منذ أكثر من قرن، أصدرت وكالة البيئة البريطانية تحذيرًا من خطر جفاف “متوسط”، ومن المقرر أن تبدأ “يوركشاير ووتر” فرض القيود يوم الجمعة 11 يوليو. إنه مشهد مألوف: هطول مطري منخفض، انخفاض منسوب الخزانات، وتجدد الدعوات للترشيد: خذ دشًا أقصر، لا تسقِ الحديقة، أغلق الصنبور أثناء تنظيف أسنانك.
هذه الدعوات إلى “المسؤولية الفردية” تعكس طريقة أوسع في التفكير حول المياه: أن الجميع في كل مكان يواجهون نفس الأزمة، وأن الحل يكمن في تصرفات فردية بسيطة. لكن، ماذا لو كانت هذه الرواية – مهما بدت منطقية – تُخفي أكثر مما تكشف؟
في كتابه الجديد “العطش: السعي العالمي لحل أزمة المياه“، أكد فيليبو مينجا، وهو باحث زائر، أستاذ الجغرافيا، جامعة ريدينج، أن عبارة “أزمة المياه العالمية“ قد تُسبب ضررًا أكثر من نفعها. فهي تُبسّط واقعًا عالميًا معقدًا، وتختزل أوضاعًا شديدة التنوع في أزمة واحدة مشتركة. ورغم أنها تُضفي شعورًا بالإلحاح، فإنها تُخفي ما هو أهم: الأسباب، والسياسات، وديناميكيات القوة التي تحدد من يحصل على المياه ومن يُحرم منها.

ما نصفه على أنه “أزمة واحدة” هو في الحقيقة أزمات متعددة ومختلفة. لفهم هذا بوضوح، يجب أن نتجاوز خطاب “الندرة العالمية”، وننظر عن قرب إلى كيف يتجلى الجفاف في أماكن مختلفة.
خذ على سبيل المثال: المملكة المتحدة، وقرن أفريقيا، وتشيلي – ثلاث مناطق تواجه “ضغوطًا مائية”، لكن كلٌ منها بطريقته الخاصة.

المملكة المتحدة: أزمة بنية تحتية
نادراً ما يكون الجفاف في المملكة المتحدة نتيجة “ندرة مطلقة” في المياه، إذ تتلقى البلاد أمطارًا منتظمة نسبيًا على مدار العام. وحتى عندما يحدث الجفاف، فإن المشكلة الأساسية تتعلق بكيفية إدارة المياه وتوزيعها وصيانة البنية التحتية.
فما يقرب من 20% من المياه المعالجة تُفقد بسبب تسربات من الأنابيب، بعضها يبلغ عمره أكثر من قرن. في الوقت نفسه، تواجه شركات المياه الخاصة انتقادات متزايدة لعدم استثمارها في تحسين الشبكات، رغم دفعها مليارات الجنيهات كأرباح للمساهمين. لذا، تبدو دعوات ترشيد الاستهلاك المنزلي “نشازًا” في أذن المواطن.
الجفاف في بريطانيا ليس ناتجًا فقط عن تقلب المناخ، بل أيضًا عن قرارات سياسية، وفشل تنظيمي، وتآكل الثقة العامة. فالنُدرة المؤقتة تتحول إلى أزمة متكررة بسبب فشل الأنظمة التي يُفترض بها إدارتها.

قرن أفريقيا: البقاء والهشاشة الهيكلية
أما في قرن أفريقيا، فالجفاف يعني كارثة إنسانية. فمنذ عام 2020، شهدت المنطقة خمس مواسم أمطار فاشلة متتالية – الأسوأ منذ 40 عامًا. ويواجه أكثر من 30 مليون شخص في إثيوبيا والصومال وكينيا خطر انعدام الأمن الغذائي. انهارت سبل العيش، وتعرض الملايين للنزوح.
رغم أن تغير المناخ يلعب دورًا مهمًا، فإن السياسة حاضرة بقوة أيضًا. فالصراعات المسلحة، والحكومات الضعيفة، وعقود من قلة الاستثمار تركت المجتمعات مكشوفة بشكل خطير. هذه الهشاشة متجذّرة في تاريخ أطول من الاستعمار والاستغلال، ثم خصخصة الخدمات الأساسية.
تتعلق “التكيّفات” بمدى قدرة المجتمعات على التأقلم باستخدام ما لديها من موارد – كحفر آبار جديدة، أو زراعة محاصيل مقاومة للجفاف، أو ترشيد المياه. لكن في ظل الفقر والصراع، تكون هذه الاستراتيجيات غير كافية.
إن وصف الجفاف المرتبط بالمناخ على أنه مجرد “فصل جديد” من أزمة المياه العالمية، يمحو الظروف المحلية المحددة التي تجعل منه أزمة مدمّرة.

تشيلي: الاستخراج والإقصاء
في تشيلي، كثيرًا ما تُربط أزمة المياه بالجفاف، لكن الجذر الحقيقي هو الاستنزاف والاستخراج. فالبلاد تمتلك أكثر من نصف احتياطي العالم من الليثيوم، وهو معدن أساسي في صناعة السيارات الكهربائية وتخزين الطاقة.
ويُستخرج الليثيوم في صحراء أتاكاما – واحدة من أكثر المناطق جفافًا على كوكب الأرض – من خلال عمليات تتطلب كميات هائلة من المياه، وغالبًا ما تتم على أراضٍ تعود للسكان الأصليين. وقد شهدت المجتمعات المحلية انخفاضًا حادًا في منسوب المياه الجوفية، واختفاء الأراضي الرطبة، دون أن تجني أي فائدة تُذكر.
قوانين المياه في تشيلي، التي وُضعت خلال فترة حكم بينوشيه، تمنح الشركات الخاصة حقوق استخدام طويلة الأمد للمياه، بغضّ النظر عن التكلفة البيئية أو الاجتماعية. لذا، فإن الندرة في تشيلي ليست مسألة مطر، بل مسألة قانون، وملكية، وطلب عالمي متزايد على الطاقة النظيفة.

تأطير الوضع في تشيلي على أنه مجرد مثال آخر على “أزمة المياه العالمية” يغفل القوى الاقتصادية والسياسية الأعمق التي تتحكم في إدارة المياه – ومن المستفيد منها.
لا أزمة واحدة… ولا حل واحد
رغم أن الجفاف يتفاقم في أجزاء كثيرة من العالم، فإن أسبابه ونتائجه تختلف جذريًا. ففي المملكة المتحدة، الأزمة تتعلق بالبنية التحتية والحوكمة؛ وفي قرن أفريقيا، بالإهمال التاريخي والظلم البنيوي؛ أما في تشيلي، فبالقوانين والمصالح الاقتصادية العالمية.
توصيف الوضع على أنه “أزمة مياه عالمية” يُفرط في التبسيط، ويُشتّت الانتباه عن الأسباب الجذرية. فهو يدفع نحو حلول تقنية مع تجاهل الأسئلة السياسية الجوهرية حول من يمتلك المياه، ومن يسيطر عليها، ومن يتحمل كلفة ندرتها.
وغالبًا ما تُفضّل هذه الرؤية الشركات الخاصة والمنظمات الدولية، بينما تُقصى المجتمعات والمؤسسات المحلية. وبدلًا من محاسبة من في موقع السلطة، فإنها تُحمّل الأفراد المسؤولية دون تغيير حقيقي في توزيع السلطة والموارد.

في “العطش”، أؤكد أن أزمة المياه ليست أزمة تقنية، بل أزمة ثقافية وسياسية. من يملك المياه؟ من يربح منها؟ ومن يدفع ثمن نضوبها؟ هذه هي الأسئلة الحقيقية في عصرنا. ولا يمكننا الإجابة عليها بشعارات عامة. نحن لا نحتاج إلى “حل واحد كبير”، بل إلى حلول صغيرة، عادلة، ومحددة حسب كل سياق.






