تلاقي تهديدات المناخ والحرب في السودان: كارثة مركبة تهدد قابلية العيش
من دارفور إلى الخرطوم.. المناخ والنزاع يصنعان أزمة إنسانية ممتدة في السودان
يشهد السودان تداخلاً خطيرًا بين تصاعد آثار تغيّر المناخ واستمرار الحرب، ما يضع ملايين السكان أمام تهديدات مركبة قد تجعل أجزاء من البلاد غير صالحة للعيش خلال السنوات المقبلة.
في أغسطس 2025، اجتاح انهيار أرضي مدمّر قرية ترسين في إقليم دارفور غربي السودان، مسفرًا عن مقتل ما لا يقل عن ألف شخص، في واحدة من أعنف الكوارث الطبيعية في تاريخ البلاد الحديث. وقد تعذّر وصول فرق الاستجابة الإنسانية لأيام بسبب الفيضانات التي أغلقت الطرق وأعاقت الحركة.
لكن مأساة ترسين سرعان ما طغت عليها تطورات الحرب المستمرة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بينما تواصلت الكوارث البيئية في حصد الأرواح وتدمير سبل العيش. ففي سبتمبر 2025، تسببت فيضانات مفاجئة حول الخرطوم في نزوح أكثر من 4 آلاف شخص، وأثرت على نحو 200 ألف من السكان، بعد ارتفاع منسوب النيل بشكل سريع ومن دون إنذار كافٍ.

تصاعد المخاطر المناخية
تشير التقديرات المناخية إلى أن درجات الحرارة في السودان مرشحة للارتفاع بين 1.5 و3 درجات مئوية خلال السنوات المقبلة، ما يعني موجات حر أطول وأكثر تكرارًا. وتزداد خطورة هذه الموجات في المناطق الحضرية التي تعاني أصلًا من ارتفاع الحرارة وتلوث الهواء، مع تأثيرات أشد على الحوامل وكبار السن والفتيات، نظرًا لاختلافات فسيولوجية في تنظيم حرارة الجسم.
الحاجة إلى مساحات تبريد آمنة ستصبح مسألة حياة أو موت، إلا أن الحرب ألحقت أضرارًا جسيمة بالبنية التحتية للطاقة، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء عن ملايين السكان وتعطّل خدمات أساسية. وتشير تقديرات إلى فقدان ما يصل إلى 40% من قدرة توليد الكهرباء بحلول 2025، ما يفاقم الهشاشة في مواجهة موجات الحر الطويلة.
في الوقت نفسه، أصبحت فترات الجفاف أطول، بينما تتسم الفترات الفاصلة بينها بفيضانات خاطفة أكثر شدة. ففي 2025 وحده، تأثر أكثر من 190 ألف شخص وتضرر أكثر من 1700 فدان من الأراضي الزراعية جراء فيضانات النيل.
وفي 2020، أودت الفيضانات بحياة أكثر من 100 شخص وأثرت على نحو ثلث الأراضي المزروعة في البلاد. كما فقدت ولاية وسط دارفور 43% من مساحاتها المزروعة عام 2024 بسبب الفيضانات.

هذه الصدمات المناخية تضرب الأمن الغذائي في مقتل. فقد صُنّف السودان عام 2026 ضمن “بؤر الجوع الساخنة”، في ظل تدمير البنية التحتية ونقص المدخلات الزراعية وتداعيات فيضانات 2025 على المحاصيل. وبلغت معدلات سوء التغذية في دارفور 70% مطلع يناير 2026، بينما لا تزال الفاشر تحت ظروف شبيهة بالحصار.
النازحون في قلب العاصفة
من بين نحو 9 ملايين نازح في السودان، يقيم قرابة الربع في مواقع نزوح غير رسمية أو في العراء، ما يعرّضهم مباشرة لمخاطر السيول والعواصف. ففي قرية ود رملّي شمال الخرطوم، لجأ السكان إلى إقامة حواجز ترابية بأكياس الرمل والنوم في مناطق مرتفعة بعد أن غمرت الفيضانات قريتهم في سبتمبر 2025.
كما أن عودة المزارعين إلى أراضيهم بعد سنوات من النزوح لم تضمن لهم الاستقرار؛ إذ دمرت الفيضانات محاصيلهم مجددًا، ما عمّق خسائرهم الاقتصادية وبدّد آمال التعافي.

إرث الإهمال التنموي
تتفاقم هذه المخاطر بسبب عقود من ضعف التخطيط وسوء إدارة البنية التحتية، سواء خلال حكم عمر البشير (1989–2019)، أو في المرحلة الانتقالية، أو في ظل أطراف الصراع الحالية. ففي 2013، تضرر أكثر من 500 ألف شخص من فيضانات مدمرة دمّرت 74 ألف منزل، خاصة في الخرطوم، وسط غياب استعداد فعّال.
كما اتسمت مشروعات البنية التحتية في عهد البشير بضعف الشفافية والمحسوبية، ما أدى إلى تطوير غير متوازن. ومع التوسع العمراني العشوائي، أُقيمت مساكن في مناطق سهلية معرضة للفيضانات، فانهار أكثر من ألف منزل عام 2020 بعد أمطار غزيرة.
التفاوت بين الحضر والريف فاقم بدوره هشاشة المجتمعات الريفية. فمنذ 2015، حصلت المناطق الريفية على كهرباء أقل بنحو 35% مقارنة بالمناطق الحضرية، بينما استحوذت الخرطوم الكبرى على قرابة نصف الإمداد الوطني قبل الحرب، ما يزيد من تعرض الريف لمخاطر الحرارة الشديدة.

البعد الإقليمي والتوترات المائية
في سبتمبر 2025، أطلقت إثيوبيا كميات من المياه من سد النهضة دون إخطار مسبق للسودان ومصر، خلال فترة أمطار غزيرة، ما ساهم في ارتفاع مفاجئ لمنسوب المياه وغمر قرى عدة، بينها الدمازين والروصيرص، وامتدت التأثيرات شمالًا. وجاء ذلك بعد افتتاح السد رغم استمرار الخلافات التفاوضية.
كارثة ترسين: تداخل العوامل
اجتمعت هذه العوامل في مأساة ترسين. فجبال مرة تعاني منذ سنوات من ضعف البنية التحتية وصعوبة الوصول، وزادت الحرب من عزلتها بعد إغلاق طريق نييرتي–زالنجي خمسة أشهر في 2025. قبيل الانهيار الأرضي، كانت المنطقة شبه معزولة عن الدعم الإنساني، ولم تتمكن سوى خمس منظمات من الوصول إليها لاحقًا، حاملة المساعدات سيرًا على الأقدام أو باستخدام الدواب.
وفي الخرطوم، تأخر إصدار تحذيرات الفيضانات حتى 22 سبتمبر 2025، بعد أن كانت قرى في الجزيرة قد غمرت بالمياه بالفعل، وجاءت التحذيرات مقتضبة وغير واضحة، ما أثار استياء السكان.

نحو استراتيجية صمود مناخي
تكشف كوارث 2025 الحاجة الملحّة إلى نهج جديد للتعامل مع الطوارئ في سياقات النزاع. فالصمود المناخي في السودان لا يمكن فصله عن مسارات إنهاء الحرب وإعادة الإعمار وبناء مؤسسات قادرة على التخطيط طويل الأمد.
على المدى القصير، يمكن للجهات الإنسانية الاستعداد لموجات الجفاف والفيضانات المتوقعة في 2026. أما على المدى البعيد، فلا بد من استراتيجية وطنية متكاملة تعزز البنية التحتية للطاقة والزراعة، وتدمج الاعتبارات البيئية في برامج التعافي من النزاع، لضمان ألا تتحول الكوارث الموسمية إلى أزمات وجودية متكررة.
إن التخطيط اليوم هو الفارق بين التعافي الممكن والانهيار الممتد.
Share
- إرسال رابط بالبريد الإلكتروني إلى صديق (فتح في نافذة جديدة) البريد الإلكتروني
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- المشاركة على LinkedIn (فتح في نافذة جديدة) LinkedIn
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Telegram (فتح في نافذة جديدة) Telegram
- المشاركة على WhatsApp (فتح في نافذة جديدة) WhatsApp
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
- المشاركة على Reddit (فتح في نافذة جديدة) Reddit
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- المشاركة على Mastodon (فتح في نافذة جديدة) Mastodon
- المشاركة على Nextdoor (فتح في نافذة جديدة) Nextdoor
- المشاركة على Bluesky (فتح في نافذة جديدة) Bluesky





