ملفات خاصةأهم الموضوعاتأخبارتغير المناخ

تقنية جديدة تسجل تفتت 56 ألف انفصال جليدي لحظة بلحظة.. كشف أسرار ذوبان الأنهار الجليدية

الألياف الضوئية ترصد تشكل الجبال الجليدية منذ أول شرخ حتى آخر موجة

في دراسة جديدة، رصد كابل من الألياف الضوئية يبلغ طوله ستة أميال، وُضع في قاع البحر إلى جوار أحد أنهار جرينلاند الجليدية، نحو 56 ألف حالة انفصال لقطع الجليد في الزمن الحقيقي.

وقد سجّل النظام سلسلة الأحداث كاملة، بدءًا من أول شرخ في الجليد وحتى الموجات التي تعصف بالمضيق البحري.

وقد نُشرت الدراسة في دورية ، Nature ، حيث وضع فريق من جامعة واشنطن الكابل في مضيق  Eqalorutsit Kangilliit Sermiat بجنوب جرينلاند، ما أتاح الحصول على رؤية دقيقة لآليات فقدان الأنهار الجليدية لكتلتها تحت السطح.

الأنهار الجليدية والألياف الضوئية

استخدم الباحثون تقنية الاستشعار الصوتي الموزع، وهي طريقة تعتمد على الليزر لتحويل الألياف إلى آلاف المجسّات الاهتزازية، ما مكن من رصد تغيرات دقيقة للغاية في الشد على طول الكابل.

وقال ديفيد ساذرلاند، عالم المحيطات الفيزيائي بجامعة أوريجون، الذي لم يشارك في الدراسة: «يمكنه أن يلتقط كل شيء تقريبًا».

نشاط الموجة الداخلية المستمر الذي يعمل على إزاحة طبقات درجة الحرارة في المضيق عموديا

كما استخدم العلماء تقنية الاستشعار الحراري الموزع، التي تقيس درجات الحرارة بشكل مستمر على طول الألياف.

سمحت التقنيتان بتسجيل كل مرحلة من مراحل الانفصال الجليدي، من التشققات الدقيقة الأولى إلى آخر صوت يصدر عن تفكك الجبل الجليدي.

يظهر سجل مقياس المد والجزر عند هبوط الكابل الشرقي إلى جانب متوسط ​​إشارة DAS

الاقتراب من الجبهة الجليدية

يمثل النهر الجليدي البحري، الذي ينتهي في المحيط ويتفتت باستمرار، بيئة خطرة للعمل الميداني، حيث ترتفع الجروف الجليدية بشكل هائل، ويقع معظم النشاط الفيزيائي الحاسم تحت الماء.

كما يمتلئ المضيق عادة بخليط من الجليد البحري والجبال الجليدية المتحركة، ما قد يؤدي إلى سحق الأجهزة أو فقدانها.

وقال الباحث دومينيك جريف، قائد الفريق: «ليست لدينا دراية كافية بما يحدث تحت سطح الماء».

ومن هنا جاءت فكرة استخدام كابل قاعي لتسجيل الأحداث من مسافة آمنة.

وُضع الكابل على امتداد المضيق بالقرب من واجهة النهر الجليدي، وكان قادرًا على التقاط حركات السطح والإشارات العميقة داخل الماء على حدّ سواء.

تسجيل DAS لكسر الجليد وانفصال الجبال الجليدية
تسجيل DAS لكسر الجليد وانفصال الجبال الجليدية

ماذا رصد الكابل؟

بدأت الإشارات الأولى لانفصال الجبال الجليدية على شكل نبضات صوتية حادة ناتجة عن التشققات المبكرة، والتي سبقت أي حركة مرئية.

ومع تطور التشققات، سجّل الكابل موجات شولت البطيئة، التي تنتقل عبر الرواسب القاعية وتكشف نقطة بدء الانفصال، ما سمح بتحديد أحداث صغيرة تعجز الأقمار الصناعية عن رصدها.

أما الكتل الكبيرة فحرّكت موجات سطحية تشبه «تسونامي صغيرًا» داخل المضيق الضيق، وولّدت كذلك موجات جاذبية داخلية تتحرك عبر طبقات المياه المختلفة، وتستمر فترة طويلة بعد هدوء السطح.

وتابع الكابل الجبال الجليدية بعد انفصالها وهي تبتعد عن الجبهة، وصولًا إلى لحظة تفككها إلى قطع أصغر في اتجاه التيار.

نظرة عامة على استشعار ألياف قاع البحر في الجزء الأمامي

التيارات تكسر الجليد أيضًا

أظهرت البيانات أن مرور الجبال الجليدية يخلف ذيولًا مائية طويلة تُبرّد قاع المضيق مؤقتًا، وتسرّع التيارات القاعية التي تهز أجزاء الكابل المعلّقة بفعل الدوامات المتكررة.

كما كشفت القياسات مناطق اختلاط المياه الباردة والعذبة مع طبقات المياه المالحة الساخنة، وهي عملية تُعد أساسية لأنها تنقل الحرارة نحو اجهة الجليد وتقلّل سماكة طبقة الحماية الطبيعية.

وتدعم الأدلة الميدانية من القارة القطبية الجنوبية فكرة أن الانفصال الجليدي يعزز الذوبان تحت الماء عبر إثارة المضيق بحركات قوية.

وفي جرينلاند، تُظهر السجلات الجديدة كيف يقود سقوط الكتل الجليدية إلى موجات وتيارات تُعزز الذوبان أكثر مما تتوقعه النماذج التقليدية.

توضيح لسلسلة عملية الولادة التي تم رصدها من خلال استشعار الألياف
توضيح لسلسلة عملية الولادة التي تم رصدها من خلال استشعار الألياف

بيانات تغيّر التوقعات

للمرة الأولى، يُسجّل تسلسل كامل لعملية الانفصال في مضيق واحد، ما يساعد على تحسين النماذج التي تقدّر معدلات فقدان الجليد كل موسم.

وقال أندرياس فيشتنر، عالم الزلازل في ETH زيورخ: «هناك عدد قليل للغاية من قواعد البيانات الزلزالية التي تُسجّل هذا الكم من الظواهر في وقت قصير».

كما تحمل الموجات السطحية الناتجة عن الانفصال بُعدًا يتعلق بسلامة المجتمعات الساحلية، إذ تشير دراسات حديثة إلى قدرة شبكات الألياف البحرية على رصد موجات «التسونامي» البعيدة ومنخفضة التردد.

وتبين نماذج محاكاة أن الجبال الجليدية المنفصلة يمكن أن تولّد موجات قوية تتحرك بسرعة داخل المضايق، ما يفتح الباب أمام تحسين أنظمة الإنذار باستخدام الكابلات البحرية الموجودة بالفعل.

الموجات الداخلية العابرة وتيارات قاع البحر التي أثارتها انكسارات الجبال الجليدية وانجرافات الجبال الجليدية

دروس من الأنهار الجليدية

يمكن تكرار المنهج نفسه في مواقع جليدية أخرى تختلف ظروفها، فبعض الجبهات الجليدية تطفو فوق الماء، بينما يرتكز بعضها الآخر على الصخور، ما يغيّر طرق تشكل الموجات وانتقال الحرارة، ويتيح توسيع نطاق التطبيقات فهمًا أشمل لهذه العمليات.

كما يساعد النظام في معرفة كيفية تغيّر الموجات الداخلية على مدار العام، خاصة مع تراجع تدفقات المياه الذائبة، حيث قد تصبح موجات الانفصال هي المؤثر الأكبر في ذوبان الجليد.

إدراج فيزياء أكثر دقة في النماذج سيُسهم في تخطيط المجتمعات لمخاطر ارتفاع مستوى سطح البحر والتهديدات المحلية داخل المضايق.

وهكذا، يحوّل الاستماع عبر الألياف الزجاجية قاع البحر إلى نافذة آمنة على واحدة من أخطر البيئات الطبيعية.

مقالات ذات صلة

‫6 تعليقات

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading