تكلفة تغير المناخ على المحيطات تضاعف السعر الاجتماعي للكربون
حساب الأضرار البحرية يرفع تكلفة الطن الواحد من الكربون إلى 97 دولارًا
يدعم المحيط الحياة والاقتصاد العالمي بطرق عديدة، فهو يزودنا بالغذاء، ويسهّل التجارة، ويحمي السواحل من العواصف، إلا أن معظم التقديرات الاقتصادية لأضرار المناخ لم تأخذ في الاعتبار ما تسببه الانبعاثات المرتفعة من أضرار للمحيطات.
وقد جاء دراسة جديدة نشرت في Nature Climate Change، لسد هذه الفجوة، إذ ركزت على كيفية تأثير تغير المناخ على المحيطات، وحددت تكلفة اقتصادية فعلية لهذه الأضرار. وبإضافة أضرار المحيط، تتضاعف تقريبًا تكلفة الكربون الاجتماعية.
ما الذي تتحمله المحيطات؟
لطالما امتصت المحيطات جزءًا كبيرًا من أضرار ثاني أكسيد الكربون المتزايد. فارتفاع حرارة المياه يضغط على الشعاب المرجانية وغابات الأعشاب البحرية، في حين تجعل الظروف الأكثر حموضة من الصعب على المحار والرخويات البقاء على قيد الحياة.
وفي بعض المناطق، تؤدي انخفاض مستويات الأكسجين إلى هجرة الأسماك من مناطق يعتمد عليها الناس منذ أجيال.
كما أن تغير المناخ يزيد قوة العواصف، ما يسبب فيضانات وأضرار متكررة للموانئ والطرق الساحلية. هذه المشاكل ليست بعيدة؛ بل تؤثر بالفعل على أسعار الغذاء والوظائف والتجارة والصحة العامة.
حتى وقت قريب، كانت معظم النماذج الاقتصادية تركز على الأضرار البرية، مثل موجات الحر وفقد المحاصيل وارتفاع تكاليف الطاقة، متجاهلة الدور المحوري للمحيطات.

ما الذي نخسره؟
قاد الباحثون في مؤسسة سكريبس لعلوم المحيطات بجامعة كاليفورنيا، سان دييغو، الجهود لدمج أضرار المحيطات في حساب الكلفة الاجتماعية للكربون.
بدون احتساب أضرار المحيط، تبلغ الكلفة الاجتماعية للطن الواحد من ثاني أكسيد الكربون 51 دولارًا. وعند احتساب الأضرار البحرية، يضاف 46.2 دولارًا للطن، ليصل الإجمالي إلى 97.2 دولارًا، أي زيادة بنسبة 91٪.
قال الاقتصادي البيئي برناردو باستيان-أولفيرا، قائد الدراسة: “إذا لم نضع ثمنًا للأضرار التي يسببها تغير المناخ للمحيط، ستظل غير مرئية لصانعي القرار الرئيسيين”.
لماذا هذه الأرقام مهمة؟
الكلفة الاجتماعية للكربون ليست فكرة أكاديمية فقط؛ إذ تستخدمها وكالات أمريكية مثل وكالة حماية البيئة ووزارة الطاقة عند تقييم القوانين والاستثمارات الجديدة.
كما تعتمد عليها الولايات عند وضع سياسات المناخ، لأنها توفر صورة أوضح للأضرار مقارنة بتقديرات تعويضات الكربون أو رسوم الطيران.
في عام 2024، بلغت الانبعاثات العالمية من ثاني أكسيد الكربون نحو 41.6 مليار طن. وباحتساب أضرار المحيط، تصل تكلفة هذا التلوث لعام واحد إلى ما يقرب من تريليوني دولار، وهو مبلغ غير محسوب في تقديرات الكلفة المناخية التقليدية.
أين تظهر الخسائر؟
تجاوز الباحثون الخسائر السوقية المباشرة، إذ شملوا انخفاض إيرادات مصائد الأسماك والتجارة، بالإضافة إلى التأثيرات غير السوقية.
يؤدي تقليل الوصول إلى الأسماك إلى تراجع التغذية والصحة، فيما تقل السياحة والأنشطة الترفيهية مع تراجع الشعاب المرجانية والشواطئ. وهناك قيم لا تظهر في أي فاتورة، مثل الرضا الذي يحصل عليه الناس من معرفة أن النظم البيئية لا تزال موجودة.
من المتوقع أن تصل الخسائر السوقية بحلول عام 2100 إلى 1.66 تريليون دولار سنويًا عالميًا، بينما تضيف الخسائر المرتبطة بالقيمة الجوهرية للنظم البيئية البحرية 224 مليار دولار سنويًا، وتسهم التأثيرات غير السوقية مثل نقص التغذية من مصائد الأسماك بـ182 مليار دولار أخرى سنويًا.
حذر باستيان-أولفيرا من التعامل مع هذه الأرقام على أنها متكافئة، ففقدان وظيفة صيد يختلف عن اختفاء تقليد ثقافي أو شعاب مرجانية كانت تدعم مجتمعًا بأكمله.
الكربون الأزرق
قدم البحث ما أطلق عليه الباحثون “الكلفة الاجتماعية الزرقاء للكربون”، ليمنح صانعي القرار أداة أوضح لموازنة المكاسب والخسائر. تشكل تحليلات الكلفة والفائدة أساس كل شيء من قوانين الانبعاثات إلى خطط إدارة المخاطر للشركات.
قالت عالمة المناخ كيت ريك: “حماية البيئة قد تتطلب تكاليف كبيرة مقدمًا، لذا نحن بحاجة إلى طرق للتفكير في التضحيات التي نقوم بها كمجتمع.
هناك قيم وفوائد يصعب تحويلها إلى أرقام مالية، والمحيط يمثل تحديًا خاصًا في تقدير قيمته”.

تأثير أضرار المحيطات على السياسات المناخية
ليست الأضرار موزعة بالتساوي، إذ تواجه الدول الجزرية الصغيرة والاقتصادات الساحلية أضرارًا أكبر. وتعتمد العديد من هذه المجتمعات بشكل كبير على الأسماك لتغذيتها اليومية.
مع انخفاض العناصر الغذائية الرئيسية في الأسماك والمحار نتيجة ارتفاع حرارة المحيطات، تزداد المخاطر الصحية، تربط الدراسة فقدان الكالسيوم والأحماض الدهنية أوميغا-3 والبروتين والحديد بارتفاع مخاطر الأمراض وزيادة الوفيات.
قال باستيان-أولفيرا: “الكلفة الاجتماعية للكربون تساعد في وضع تكاليف تغير المناخ في سياقها. عندما تصدر صناعة طنًا من ثاني أكسيد الكربون، فإن المجتمع يدفع ثمنًا. يمكن للشركة استخدام هذا الرقم لتقدير الأضرار التي ستسببها من خلال انبعاثاتها”.
باحتساب ما يحدث تحت الأمواج أخيرًا، تدخل الدراسة المحيطات في النقاش الذي غابت عنه لفترة طويلة.





