جيل زد يحاسب الشركات على وعودها البيئية.. يكشف «الغسل الأخضر»
شفافية أم تسويق؟ جيل المناخ الجديد يطالب الشركات بإثبات التزامها البيئي
يرى جيل «زد» مظاهر الحديث عن الاستدامة في كل مكان؛ فالشركات تتحدث عن المنتجات الخضراء، وتَعِدُ الملصقات بمنتجات أكثر صداقة للبيئة، بينما تمتلئ الإعلانات بمصطلحات مثل البصمة الكربونية وإعادة التدوير وأهداف المناخ.
لكن الكلمات وحدها لم تعد كافية. فالمستهلكون، خصوصًا من الأجيال الشابة، باتوا يراقبون عن كثب ما تفعله الشركات بالفعل، وليس ما تقوله فقط. وكثير منهم لم يعد مقتنعًا بالرسائل التسويقية وحدها.
وتكشف دراسة دولية واسعة أن جيل «زد» يراقب سلوك الشركات تجاه القضايا البيئية بدقة، ويلاحظ متى تفي الشركات بوعودها، كما يلاحظ أيضًا عندما لا تتطابق الرسائل مع الواقع.
جيل يراقب ويدقق
في الماضي، كانت الشركات تتعامل مع الاستدامة باعتبارها بندًا ثانويًا في تواصلها المؤسسي، لكن هذا الواقع تغيّر.
فالمخاوف البيئية، والحملات العالمية مثل أجندة الأمم المتحدة 2030، واللوائح التنظيمية الجديدة، إضافة إلى تزايد وعي المستهلكين بقضايا المناخ، دفعت الاستدامة إلى قلب سمعة الشركات ومكانتها في السوق.
ويُعد الشباب أحد أهم أسباب هذا التحول. فجميع أفراد جيل «زد»، الذين وُلدوا بين عامي 1995 و2009، نشأوا في ظل الحديث المستمر عن تغير المناخ.
وقد شاهد هذا الجيل حرائق الغابات، والظواهر الجوية المتطرفة، والجدل العالمي حول المناخ طوال حياتهم. ولذلك لم تعد المسؤولية البيئية بالنسبة لهم ميزة إضافية، بل أصبحت الحد الأدنى المتوقع من الشركات.
ولا يكتفي جيل «زد» بشراء المنتجات، بل يقيّم الشركات التي تقف وراءها.

خلفية الدراسة
اعتمدت الدراسة التي سلطت الضوء على هذه الاتجاهات على تحليل آراء 8,980 شخصًا في ست دول: إسبانيا، وإيطاليا، والبرتغال، وتشيلي، وكولومبيا، والمكسيك.
وقاد فريق البحث إليسيندا إستنيول من جامعة كاتالونيا المفتوحة، بمشاركة باحثين من جامعة بومبيو فابرا، إضافة إلى مرصد «ميركو» لقياس سمعة الشركات.
وتكشف نتائج الدراسة عن جيل يراقب سلوك الشركات بدقة ويكوّن أحكامه بسرعة.
وقالت إستنيول إن «اللافت أن جيل زد ليس غير مبالٍ أو متراخيًا، بل يراقب بنشاط سلوك الشركات تجاه البيئة ويقيّمه ويحكم عليه».
وأضافت أن هذا الجيل «لا يكتفي بالاستهلاك، بل يشارك في تشكيل سمعة العلامات التجارية بناءً على ما تفعله أو لا تفعله من أجل البيئة».
كما أظهرت الدراسة أن هذا الجيل شديد الحساسية تجاه ظاهرة «الغسل الأخضر»، ومستعد لمحاسبة الشركات التي تقول شيئًا وتفعل شيئًا آخر.
اختلاف التوقعات بين الدول
أظهرت النتائج أيضًا أن الموقع الجغرافي يلعب دورًا مهمًا في تشكيل توقعات المستهلكين، فالمستهلكون الأوروبيون يميلون إلى الحكم على الشركات بصرامة أكبر عندما يتعلق الأمر بالالتزامات البيئية.
وبرزت إسبانيا بوصفها الدولة الأكثر تشددًا بين الدول التي شملتها الدراسة. ويرجع ذلك، وفقًا لإستنيول، إلى عدة عوامل، منها ارتفاع الوعي المجتمعي والإعلامي بأزمة المناخ، إضافة إلى تقليد من الشك تجاه المؤسسات والشركات الكبرى، ما يدفع الشباب إلى تبني موقف أكثر نقدية ومطالبة بالشفافية.
وأكدت أن جيل «زد» في إسبانيا لا يقبل الادعاءات البيئية دون أدلة واضحة ونتائج ملموسة.
الاستدامة لم تعد ميزة إضافية
في المقابل، بدت الصورة مختلفة في أمريكا اللاتينية؛ إذ سجلت المكسيك وكولومبيا أعلى تقييمات إيجابية لجهود الشركات البيئية.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الشركات هناك أكثر التزامًا بالبيئة، ففي الدول التي تكون فيها القوانين البيئية أقل صرامة أو الضغط المؤسسي أقل، يُنظر إلى أي جهد واضح على أنه تقدم ملحوظ.
أما في أوروبا، حيث يزداد الإطار التنظيمي صرامة، ترتفع توقعات الجمهور من الشركات.
وترى إستنيول أن الاستدامة لم تعد ميزة إضافية تمنح الشركات نقاطًا إيجابية، بل أصبحت معيارًا أساسيًا متوقعًا، وهو ما يفسر تزايد المواقف النقدية تجاه سلوك الشركات.

سمعة متفاوتة بين القطاعات
كشفت البيانات أيضًا أن بعض الصناعات تبدأ بالفعل من موقع صعب في نظر الجمهور.
فالشركات المرتبطة بالتبغ أو المقامرة أو الوقود الأحفوري أو المشروبات السكرية غالبًا ما تحصل على تقييمات أقل عندما يتعلق الأمر بالمسؤولية البيئية.
ويرجع ذلك إلى الوصمة الاجتماعية المرتبطة بهذه القطاعات، والتي تؤثر في كيفية تفسير المستهلكين لرسائلها حول الاستدامة.
ومع ذلك، فإن تحسين السمعة ليس مستحيلًا، لكنه يتطلب جهدًا أكبر لإقناع الجمهور.
تأثير النوع الاجتماعي
أظهرت الدراسة أيضًا وجود اختلافات مرتبطة بالنوع الاجتماعي؛ إذ تميل النساء في جميع الدول والأجيال إلى منح تقييمات أعلى لالتزام الشركات البيئي مقارنة بالرجال.
وكان هذا الفارق أكثر وضوحًا بين جيل «إكس» وجيل الألفية، لكنه ظل موجودًا أيضًا بين أفراد جيل «زد».
جيل صارم لكنه منصف
غالبًا ما يوصف جيل «زد» بأنه متشكك تجاه الشركات، لكن البيانات تقدم صورة أكثر توازنًا، فالشباب بالفعل أكثر تطلبًا، ويطالبون بالشفافية والإجراءات القابلة للقياس، لكنهم أيضًا يعترفون بالجهود الحقيقية عندما يرونها.
وعندما تقدم الشركات أدلة واضحة على التقدم البيئي، يتفاعل جيل «زد» بإيجابية، ما يعكس حكمًا واعيًا وليس مجرد رفض تلقائي.

الرسالة للشركات
تشير نتائج الدراسة إلى أن التواصل البيئي أصبح عنصرًا أساسيًا في تشكيل صورة العلامات التجارية، لكن الرسائل وحدها لم تعد كافية.
فالشركات تحتاج إلى بيانات واضحة تثبت التقدم، لأن الادعاءات العامة والشعارات التسويقية تثير الشكوك لدى المستهلكين.
كما يجب أن تراعي الرسائل اختلاف التوقعات بين الدول والمجتمعات، إذ قد ينجح خطاب معين في منطقة ما بينما يفشل في أخرى.
ويمنح الفضاء الرقمي الشباب منصة لمساءلة الشركات ومراجعة ادعاءاتها والمطالبة بالتوضيحات.
لذلك فإن الشركات التي تكتفي بإرسال الرسائل دون الاستماع إلى الجمهور قد تخسر مصداقيتها.
وفي النهاية، يبقى المبدأ الأساسي بسيطًا: يجب أن تتطابق الأفعال مع الأقوال.





