أهم الموضوعاتأخبارتغير المناخ

تغير المناخ يعيد تشكيل أنماط الهجرة العالمية.. من يهاجر ومن يبقى؟

كيف تحدد الحرارة والجفاف مستقبل التنقل البشري.. صدمات المناخ تحاصر الأكثر ضعفًا

باتت قضية “الهجرة المناخية” واحدة من أبرز التحديات التي تفرضها أزمة تغير المناخ على المجتمعات حول العالم.

فبينما تتحدث بعض التقديرات عن “موجات ضخمة من اللاجئين المناخيين”، تكشف دراسة جديدة نُشرت في دوريةNature Communications ، أن الواقع أكثر تعقيدًا بكثير: إذ إن العوامل الديموغرافية مثل العمر، ومستوى التعليم، والجنس تحدد بشكل حاسم من يغادر ومن يبقى عالقًا في مواجهة الأخطار.

توضح الدراسة، التي قادتها البروفيسورة هيلين بنفينيست، أستاذة العلوم الاجتماعية البيئية بجامعة ستانفورد، أن صدمات الطقس الحاد ــ مثل موجات الحر والجفاف والفيضانات ــ لا تؤدي فقط إلى تحفيز البعض على الرحيل، بل قد تُقيّد آخرين وتحرمهم من خيار الهجرة.

النزوح في إفريقيا

وتقول بنفينيست: “الطقس المتطرف يمكن أن يدفع بعض الأفراد إلى الانتقال، لكنه في الوقت نفسه يزيد عدد من لا يمتلكون القدرة على المغادرة. فقرارات الهجرة تظل مرتبطة بشدة بخصائص ديموغرافية واجتماعية محددة.”

 يتنبأ بتحديد التباين في الهجرة عبر الحدود مع الصدمات الجوية
يتنبأ بتحديد التباين في الهجرة عبر الحدود مع الصدمات الجوية

منهجية الدراسة

اعتمد الباحثون على قاعدة بيانات عالمية ضخمة، شملت أكثر من 125 ألف حالة هجرة عبر الحدود، ونحو نصف مليون حالة نزوح داخلي، جرى تصنيفها وفق العمر والجنس والمستوى التعليمي، ثم ربطها بسجلات مناخية دقيقة تضمنت درجات الحرارة ورطوبة التربة ومستويات الأمطار.

وبهذا النهج الجديد، تمكن الفريق من بناء نموذج توقعي أكثر دقة، حيث جاءت نتائجه قادرة على تفسير حركة الهجرة بمعدل يزيد 12 مرة عن النماذج السابقة. ومع ذلك، أوضح الباحثون أن العوامل المناخية لا تشكل سوى جزء محدود من الصورة؛ إذ إن الاقتصاد والسياسة وشبكات العلاقات الاجتماعية تظل عناصر مؤثرة بقوة في قرارات التنقل.

 استجابة معدل الهجرة الثنائية داخل البلد لتقلبات درجات
استجابة معدل الهجرة الثنائية داخل البلد لتقلبات درجات

نتائج لافتة: من يهاجر ومن لا يستطيع؟

 

  • الأطفال دون 15 عامًاكانوا أقل احتمالًا للهجرة بعد موجات الحر، ربما بسبب اعتمادهم الكبير على العائلات، وعدم قدرة الأسر على المجازفة بالانتقال مع الصغار.
  • كبار السن محدودو التعليمكانوا الأكثر ميلًا للرحيل، ربما بحثًا عن ظروف معيشية أقل قسوة، أو بسبب هشاشة أوضاعهم الاقتصادية.
  • البالغون ذوو التعليم العاليلم يظهروا تغيرًا ملحوظًا في أنماط الهجرة نتيجة الصدمات المناخية، ما يعكس قدرتهم الأكبر على التكيف بفضل الموارد أو فرص العمل.

وأشارت الدراسة إلى أن هذه النتائج تكشف “عقوبة مزدوجة” للفئات الأضعف: فهي لا تملك الوسائل الكافية للتكيف محليًا، ولا تتوفر لها القدرة على الهجرة إلى أماكن أكثر أمانًا.

معدلات الهجرة الخارجية عبر الحدود
معدلات الهجرة الخارجية عبر الحدود

دور المناخ المحلي في تشكيل الهجرة

أظهرت الدراسة أن المناخ الإقليمي يحدد شكل الاستجابة:

  • في المناطق الاستوائية، أدت موجات الحر إلى زيادة الهجرة بين المتعلمين، بينما لم يتأثر الأقل تعليمًا كثيرًا.
  • في المناطق الجافة، كانت فترات الجفاف دافعًا قويًا لهجرة الأقل تعليمًا، غالبًا إلى مدن أو بلدات قريبة، في حين ساهمت الأمطار الغزيرة والفيضانات في موجات نزوح محلية.

هذا يعني أن الفرصة والضعف يتفاعلان معًا لتحديد المسارات. فالمزارعون محدودو التعليم، مثلًا، يشعرون بضغوط قوية للرحيل خلال موجات الجفاف، لكن قلة الموارد تمنعهم من الانتقال بعيدًا أو عبور الحدود.

مستقبل الهجرة المناخية: تركيبة لا أعداد

تكسر الدراسة الصورة النمطية عن موجات بشرية هائلة تتدفق بسبب المناخ، لتؤكد أن القضية ليست في الأعداد الإجمالية بل في هوية من يهاجرون.

فالتوقعات تشير إلى أنه بحلول نهاية القرن:

  • سيرتفع معدل الهجرة عبر الحدود بين كبار السن محدودي التعليم.
  • في المقابل، سيتراجع انتقال الأطفال والفئات الأقل تعليمًا.

هذا التباين يعني أن “المتوسطات السكانية” قد تكون مضللة؛ إذ إن الاختلافات بين المجموعات الديموغرافية الكبيرة تلغي بعضها البعض عند جمعها في رقم واحد.

السياسات المطلوبة

تحذر الباحثة بنفينيست من أن تركيز السياسات على الأعداد فقط يهدد بتجاهل الفئات الأكثر هشاشة. وتشدد على أن الاستعداد للمستقبل يتطلب النظر في:

  • دعم من لا يستطيعون الهجرة، عبر توفير وسائل التكيف والبنية التحتية المحلية.
  • حماية من يضطرون للرحيل، من خلال سياسات هجرة تراعي الاختلافات الديموغرافية.
  • الاستثمار في حلول طويلة المدى مثل تطوير محاصيل مقاومة للجفاف وتكنولوجيا زراعية متقدمة.

وتقول بنفينيست في ختام الدراسة: “علينا أن نلبي احتياجات الفئات المختلفة، ليس فقط من يهاجرون، بل أيضًا من تقل قدرتهم على التنقل. فالمسألة في جوهرها ليست عن الأعداد، بل عن الناس أنفسهم.”

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading