أهم الموضوعاتأخبارالاقتصاد الأخضر

تعويضات الكربون الرخيصة.. ممارسة الشركات “تضليل” أكثر من مساعدة المناخ.. تجارة منخفضة الجودة

أول دراسة منهجية قائمة على الأدلة للمشهد العالمي للتعويضات الطوعية للكربون في البورصة عالمياً

أصبحت تعويضات الكربون تجارة كبيرة حيث تتعهد المزيد من الشركات بحماية المناخ، ولكنها لا تستطيع تحقيق الأهداف بمفردها.

وقد أعطت الدول المشاركة في مؤتمر المناخ cop29، الضوء الأخضر، لمعايير جودة ائتمان الكربون التي تُعدّ حاسمة لإطلاق سوق الكربون العالمية المدعومة من الأمم المتحدة التي من شأنها تمويل المشروعات والتي تقلّل من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري العالمي.

فهل ما أقرته قمة باكو cop29 وفتح الباب لوضه معايير تعويضات الكربون تؤدي لتهدئة المخاوف ولحظة حاسمة لكي تصبح التعويضات الطوعية للكربون مساهمة قابلة للتطبيق في إزالة الكربون في المستقبل.

التجارة الإجمالية في السوق التي تدعمها الأمم المتحدة يمكن أن تولّد بحلول عام 2030، 250 مليار دولار سنوياً، وتخفّض 5 مليارات طن متري من إنتاج الكربون سنوياً.

لكن الحقيقة القائمة حاليا أنه عندما تشتري شركة تعويضات الكربون، فإنها تدفع لمشروع في مكان آخر لتقليص انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري العالمي نيابة عنها ــ من خلال زراعة الأشجار، على سبيل المثال، أو توليد الطاقة المتجددة.

والفكرة هنا هي أن تقليص انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري العالمي في أي مكان يؤتي ثماره لصالح المناخ العالمي.

ولكن ليس كل التعويضات لها نفس القيمة، وهناك شكوك متزايدة حول العديد من التعويضات التي تباع في أسواق الكربون الطوعية، وعلى النقيض من أسواق الامتثال، حيث تشتري الشركات وتبيع عددًا محدودًا من المخصصات التي تصدرها الهيئات التنظيمية، فإن أسواق الكربون الطوعية هذه لديها قواعد قليلة يمكن فرضها بشكل متسق.

وقد وجدت التحقيقات أن العديد من مشاريع التعويض الطوعية، ومشاريع إدارة الغابات على وجه الخصوص، لم تفعل سوى القليل لصالح المناخ على الرغم من مزاعمها.

تساؤلات حول كيفية استخدام التعويضات

سيهون كيم، أستاذ مساعد في المالية، جامعة فلوريدا، متخصص في التمويل المستدام وحوكمة الشركات، أجرى وفريقه مؤخرًا أول دراسة منهجية قائمة على الأدلة للمشهد العالمي للتعويضات الطوعية للكربون التي تستخدمها مئات الشركات الكبرى المدرجة في البورصة في جميع أنحاء العالم.

وتثير النتائج تساؤلات حول كيفية استخدام بعض الشركات لهذه التعويضات، وتلقي بظلال من الشك على مدى فعالية أسواق الكربون الطوعية ــ على الأقل في حالتها الحالية ــ في مساعدة التحول العالمي إلى انبعاثات صافية صفرية .

مفاجأة الشركات التي تستخدم تعويضات منخفضة الجودة

وتُظهِر التحليلات أن سوق تعويض الكربون العالمية نمت لتشمل مجموعة متنوعة من مشاريع التعويض، فبعضها يعمل على توليد الطاقة المتجددة، أو المساهمة في الإسكان والأجهزة الموفرة للطاقة، أو احتجاز الكربون وتخزينه، بعضها الآخر يعمل على الحفاظ على الغابات والمراعي، وتتمركز أغلب هذه المشاريع في آسيا وأفريقيا والأميركيتين، ولكنها موجودة أيضاً في مناطق أخرى.

تستخدم الشركات هذه المشاريع لتعزيز مطالباتها البيئية من أجل المساعدة في جذب المستثمرين والعملاء والدعم من مجموعات مختلفة، وقد ارتفعت هذه الممارسة بشكل كبير، من لا شيء تقريبًا في 2005 إلى ما يقرب من 30 مليون طن متري من تعويض الكربون سنويًا في 2022.

وتوقعت شركة الخدمات المصرفية الاستثمارية مورجان ستانلي في 2023 أن ينمو سوق التعويض الطوعي إلى حوالي 100 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2030 وإلى حوالي 250 مليار دولار بحلول عام 2050.

فحص 866 شركة مدرجة في البورصة

قام الفريق البحثي بتحليل وفحص 866 شركة مدرجة في البورصة استخدمت التعويضات بين عامي 2005 و2021.

ووجدوا أن الشركات الكبيرة التي لديها نسبة عالية من المستثمرين المؤسسيين الكبار والتزامات بالوصول إلى انبعاثات صافية صفرية نشطة بشكل خاص في أسواق الكربون الطوعية.

وتكشف النتائج أيضاً عن نمط غريب: فالصناعات ذات الانبعاثات المنخفضة نسبياً، مثل صناعات الخدمات والمالية، تستخدم التعويضات بكثافة أكبر كثيراً، وقد استخدمت بعض هذه الصناعات التعويضات في كل تخفيضات الانبعاثات التي ادعت أنها حققتها تقريباً.

وعلى النقيض من ذلك، استخدمت الصناعات ذات الانبعاثات العالية، مثل النفط والغاز والمرافق أو النقل، كميات ضئيلة من التعويضات مقارنة ببصماتها الكربونية الثقيلة.

هذه الحقائق تلقي بظلال من الشك على مدى فعالية أسواق الكربون الطوعية في خفض انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري العالمي، كما تثير هذه الحقائق تساؤلات حول دوافع الشركات لاستخدام التعويضات.

لماذا تعتمد الشركات على التعويضات؟

أحد التفسيرات لهذه الأنماط هو أن التعويض هو وسيلة “لإسناد” الجهود الرامية إلى التحول بعيداً عن انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري العالمي، فالشركات ذات البصمة الكربونية الأصغر تجد أن شراء التعويضات أرخص من القيام باستثمارات باهظة التكلفة في الحد من انبعاثاتها.

وفي الوقت نفسه، وجدوا أن الشركات ذات الانبعاثات الكثيفة كانت أكثر ميلاً إلى خفض انبعاثاتها داخلياً، لأن تعويض كميات هائلة من الانبعاثات كل عام لمستقبل غير محدد سيكون أكثر تكلفة.

التفسير الأكثر ضرراً لنمو التعويضات الطوعية هو أن التعويضات تمكن من “التضليل البيئي”، وفي هذا الرأي، تستخدم الشركات التعويضات لتجديد صورتها بتكلفة زهيدة أمام أصحاب المصلحة السذج الذين لا يعرفون جيداً نوعية التعويضات.

وتصنف الوكالات مشاريع التعويضات على أساس مدى احتمالية تلبيتها لمطالبها المناخية، من بين مؤشرات أخرى لموثوقية التعويضات.

وقد وجدت المراجعة لبيانات التسعير والتقييمات أن المشاريع المصنفة على أنها منخفضة الجودة لديها أسعار أقل بكثير.

لقد وجدوا أن عدداً قليلاً نسبياً من مشاريع التعويض التي استخدمتها الشركات في العيّنة، والتي بلغ عددها 1413 مشروعاً قد تم التحقق من جودتها من قبل وكالة خارجية لتصنيف الكربون.

وكانت معظم أرصدة التعويض التي استخدمتها الشركات رخيصة بشكل لافت للنظر، وكان أكثر من 70% من التعويضات التي تم سحبها أقل من 4 دولارات للطن.

هذه التفسيرات ليست متعارضة، فقد وجد الفريق البحثي أن الشركات منخفضة الانبعاثات يمكنها بسهولة تغيير تصنيف أقرانها فيما يتصل بالأداء البيئي والاجتماعي والحوكمةــ مدى نجاحها في التعامل مع القضايا البيئية والاجتماعية والحوكمة ــ من خلال تعويض كمية صغيرة من الانبعاثات.

إصلاح السوق التطوعية للمستقبل

النتائج التي توصلوا إليها لها آثار مهمة على صناع السياسات والهيئات التنظيمية الذين يناقشون القواعد التي تحكم أسواق الكربون الطوعية.

وتشير البيانات إلى أن أسواق الكربون الطوعية تعج حالياً بتعويضات رخيصة ومنخفضة الجودة، ويرجع هذا على الأرجح إلى الافتقار إلى المبادئ التوجيهية واللوائح الخاصة بالنزاهة في أسواق الكربون الطوعية لضمان الشفافية والمصداقية في مشاريع التعويضات.

وقد يشجع هذا الافتقار إلى المبادئ التوجيهية أيضاً على استخدام تعويضات منخفضة الجودة.

منذ أن نصت المادة السادسة من اتفاقية باريس للمناخ على مبادئ أسواق الكربون وسبل تعاون البلدان للوصول إلى أهداف المناخ، أصبح الاتفاق على كيفية تنفيذ هذه المبادئ يشكل تحديًا كبيرًا.

ولكي تنجح المبادئ، يتعين على المفاوضين الاتفاق على أهلية المشروع ومعايير الإفصاح عن المعلومات، من بين قضايا أخرى.

في أبريل 2024، أضافت SBTi ، المحكم العلمي الرائد في العالم لأهداف الشركات المناخية، طابعا ملحا إلى هذه العملية عندما أعلنت أنها ستسمح للشركات بتحقيق أهدافها الكربونية من خلال تعويضات الكربون لتغطية الانبعاثات في سلاسل التوريد الخاصة بها.

وفي الشهر التالي، أصدرت وزارات الخزانة والطاقة والزراعة الأميركية بيانا مشتركا يحدد نموذجها الخاص للقواعد التي تحكم أسواق الكربون الطوعية.

وفي ذلك الوقت، قالت وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين: “إن أسواق الكربون الطوعية قادرة على المساعدة في إطلاق العنان لقوة الأسواق الخاصة في الحد من الانبعاثات، ولكن هذا لن يحدث إلا إذا عالجنا التحديات القائمة الكبيرة”.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading