ملفات خاصةأخبارالتنمية المستدامة

تعز على شفا كارثة.. أزمة مياه خانقة تهدد حياة 940 ألف نسمة

تعاني نقصاً حاداً في المياه وسط تراجع الآبار وتدمير الشبكات.. شح وأسعار مرتفعة وصراع على بضع لترات

اليمن: كتبت سعيدة عبدالغني 

في ظل صراع مستمر منذ عام 2015، تواجه مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية ويبلغ عدد سكانها حوالي 940,600 نسمة في عام 2023، واحدة من أسوأ أزمات المياه على مستوى العالم.

هذه الكارثة، التي تتجاوز مجرد ندرة الموارد، باتت تهديداً وجودياً للصحة العامة، والأمن الغذائي، والنسيج الاجتماعي للمدينة.

تتصدر مشهد المعاناة طوابير طويلة أمام شاحنات نقل المياه “الوايتات”، حيث يحمل السكان غالونات فارغة على أمل الحصول على بضع لترات للاستخدام المنزلي.

وبلغ سعر شاحنة المياه الواحدة، التي تحمل 6 آلاف لتر، إلى 75 ألف ريال يمني، أي ما يعادل حوالي 30 دولارًا أمريكيًا، وهو مبلغ يفوق قدرة معظم الأسر على تحمله.

تدهور البنية التحتية

ووفقًا لتقرير ملخص حول الأزمة المائية في مدينة تعز أعده فهد البراق في يوليو 2025، فقد فاقم تدهور البنية التحتية الأزمة بشكل كبير؛ فمن أصل 88 بئراً كانت تغذي المدينة قبل الحرب، لم يعد يعمل اليوم سوى 21 بئراً فقط، مما يعني فقدان 67 بئراً. كما دُمر أكثر من 127 كيلومترًا من شبكة توزيع المياه.

وبينما كانت شبكة المياه تغطي 83% من السكان عام 2014، أي حوالي 543 ألف شخص، وتوفر 6.43 مليون متر مكعب سنويًا (61% من الاحتياجات)، انخفضت هذه النسبة إلى 16% فقط عام 2021، مع تراجع الضخ السنوي إلى 900 ألف متر مكعب، مقابل حاجة المدينة الفعلية التي تبلغ 12.6 مليون متر مكعب سنويًا.

وقد ذكر تقرير سابق صادر عن منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) في أبريل 2024، أن اليمن يصنف كأفقر بلد في العالم من حيث الموارد المائية، إذ لا يتجاوز نصيب الفرد 83 مترًا مكعبًا سنويًا، مقارنة بالحد الأدنى العالمي الذي يبلغ 500 متر مكعب.

النساء الأكثر تحملا لمسئولية توفير المياه للأسرة

70 إلى 80% من النزاعات في اليمن مرتبطة بالمياه

كما أوضح التقرير أن 70 إلى 80% من النزاعات في اليمن مرتبطة بالمياه، بينما يعاني 14.5 مليون شخص من عدم حصولهم على مياه صالحة للشرب أو صرف صحي موثوق.

قبل اندلاع الحرب، كانت تعز تعتمد على تغذية المياه من 88 بئراً تقع في خمسة حقول رئيسية، منها حقل الحوجلة والعامرة الذي يحتوي على 18 بئرًا وكانت قدرته الإنتاجية تصل إلى 7 ملايين لتر يوميًا.

والحقل الثاني هو بآبار الضباب ويحتوي على 9 آبار بقدرة إنتاج تصل إلى 4 ملايين لتر يوميًا. يقع الحقلان في نطاق خطوط التماس، مما يجعل الوصول إلى المياه مهددًا في أي وقت.

أما الحقل الثالث فهو حقل آبار الحيمة وحبير، المكوّن من 23 بئرًا وينتج حوالي أربعة إلى خمسة ملايين لتر يوميًا، لكنه يقع تحت سيطرة قوات جماعة الحوثي التي لا تسمح بوصول السكان في تعز إلى هذه الآبار.

ويقع الحقل الرابع، حقل الحوبان، أيضًا تحت سيطرة جماعة الحوثي. أما الحقل الخامس فهو حقل آبار المدينة الإسعافية وعددها 38 بئرًا، منها 17 تقع في خطوط التماس.

تعز تعاني نقصاً حاداً في المياه وسط تراجع الآبار وتدمير الشبكات

أزمة المياه تعود إلى التسعينيات

أزمة المياه في تعز ليست وليدة اليوم، بل تعود إلى التسعينيات، لكنها اشتدت خلال فترة الحرب.

كانت تعز تغذى من الحقول الخمسة الرئيسية بإجمالي ما يقارب 17 إلى 20 مليون لتر يوميًا من أكثر من 80 بئرًا، لكن الإنتاج الحالي تراجع إلى ثلاثة ملايين لتر يوميًا من إجمالي 28 بئرًا.

تعيش تعز إجهادًا مائيًا بنسبة 300%، ما يعني استهلاك ثلاثة أضعاف كمية المياه التي يعاد تغذيتها طبيعيًا إلى الأحواض الجوفية، وهو مؤشر خطير ينذر بنضوب المخزون المائي في المستقبل القريب.

الفشل العام للمشاريع

تتفاعل عوامل متعددة لتفاقم هذه الأزمة. يُعد الجفاف والتغيرات المناخية من أبرز الأسباب، حيث شهدت المدينة انخفاضًا ملحوظًا في معدلات هطول الأمطار وزيادة في معدلات التبخر.

كما يُعتبر السحب العشوائي للمياه من الآبار، سواء المرخصة أو غير المرخصة، من العوامل الرئيسية التي فاقمت الأزمة، بسبب غياب الرقابة وضعف تطبيق القوانين.

بالإضافة إلى ذلك، أدت الاعتداءات المتكررة على البنية التحتية المائية نتيجة الحرب إلى تدمير أو تعطيل العديد من آبار المياه ومحطات الضخ وشبكات التوزيع.

النساء الأكثر تحملا لمسئولية توفير المياه للأسرة

كما تسببت سيطرة أطراف النزاع على مصادر المياه الرئيسية في حرمان أجزاء واسعة من السكان من حقهم في الحصول على المياه، واستخدام المياه كورقة ضغط سياسي وعسكري.

رغم طرح مشاريع حيوية مثل تحلية مياه المخا، إلا أنها لم تُنفذ بسبب نقص التمويل، الحرب، وغياب الإرادة السياسية، بحسب تقرير البراق. كما تعرضت محطة تحلية المخا الصغيرة للقصف عام 2016، مما أوقف الإمداد كليًا.

وتبقى تدخلات المنظمات الدولية، وإن كانت مهمة، حلولًا إغاثية مؤقتة لم تعالج الأسباب الهيكلية للأزمة مثل ضعف الإدارة المائية واستنزاف الموارد الجوفية.

ويعزى الفشل العام للمشاريع إلى عدة أسباب محورية، منها النزاع المسلح واستهداف البنية التحتية، نقص التمويل وعدم الاستقرار السياسي، غياب التنسيق بين السلطات والمنظمات، سوء الإدارة والفساد، غياب الكفاءة المؤسسية، الاعتماد المفرط على المياه الجوفية غير المتجددة، بالإضافة إلى تجاهل الحلول البيئية كجمع مياه الأمطار وإعادة تدوير المياه.

الأطفال يتجملون المسئولية في توفير المياه
الأطفال يتجملون المسئولية في توفير المياه

توصيات شاملة لمعالجة الأزمة

يقدم التقرير توصيات شاملة لمعالجة الأزمة، تشمل حلولًا قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل. تتضمن الحلول قصيرة الأجل: صيانة وإعادة تأهيل الآبار العاملة وشبكات الضخ، دعم تشغيل الآبار بالطاقة الشمسية لتقليل الاعتماد على الوقود، تنظيم توزيع الصهاريج بأسعار مدعومة ومراقبة صارمة، ودعم برامج توزيع المياه من قبل منظمات الإغاثة بشكل ممنهج.

افتتاح أحد مشروعات توفير المياه في تعز

على المدى المتوسط والطويل، يوصي التقرير بإعادة تفعيل مشاريع تحلية مياه المخا باستخدام تقنيات التناضح العكسي والطاقة الشمسية، وإدارة الموارد المائية من خلال حصاد مياه الأمطار عبر بناء السدود والحواجز، إعادة تأهيل المدرجات الزراعية، سن قوانين تمنع الحفر العشوائي، إنشاء محطات لمعالجة مياه الصرف لإعادة استخدامها في الزراعة، تنفيذ برامج حقن المياه المعالجة في الأحواض الجوفية، إنشاء نظام GIS لمراقبة الاستهلاك وبيانات المياه، إنشاء مركز مراقبة لجودة المياه، والبحث عن مصادر مائية جديدة.

حتى الأطفال يشاركون في تحمل أزمة المياه

كما يؤكد التقرير على أهمية الشراكات مع منظمات دولية مثل البنك الدولي، اليونيسيف، ووكالة التعاون الألمانية (KfW) في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مستدامة، وبناء شراكات تقنية مع دول مثل إسبانيا وهولندا لبناء محطة تحلية مركزية محمية، وإشراك المجتمع المحلي في التخطيط والصيانة لضمان الاستدامة.

ولبناء القدرات المؤسسية، يوصي التقرير بإصلاح مؤسسة المياه ومحاربة الفساد، ضبط شبكات التوزيع وتحديثها، تطويرها، سن تشريعات مائية حديثة لتنظيم الحفر والترخيص ومراقبة الجودة، خصوصًا للمشاريع التجارية.

تظل الإرادة السياسية، الدعم الدولي الفعال، والمشاركة المجتمعية الحقيقية، الركائز الأساسية لضمان مستقبل مائي آمن ومستدام لسكان تعز، والخروج من هذه الكارثة الإنسانية.

حنى السيدات المسنات تقوم بالبحث عن المياه

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading