الطقس المتطرف يكشف خللًا خطيرًا في تصميم المنازل الحديثة
منازلنا تحت الاختبار.. لماذا تفشل المباني الحديثة في موجات الحر والبرد؟
يكشف تصاعد الظواهر الجوية المتطرفة عن خلل خطير في تصميم كثير من المنازل والمباني الحديثة، التي لم تُنشأ لتحمل موجات الحر الشديد أو العواصف الباردة المتكررة في عالم أكثر سخونة.
يقضي البشر نحو 90% من حياتهم داخل المباني، التي تمثل بمثابة “جلد ثالث” يحميهم من العوامل الخارجية، غير أن هذا “الجلد” يتعرض اليوم لاختبار قاسٍ مع تزايد حدة التقلبات المناخية، بينما تبدو العديد من البيوت والمكاتب عاجزة عن الحفاظ على درجات حرارة آمنة خلال موجات الحر أو البرد الشديد.
ويحذر خبراء في كتاب Adaptive Thermal Comfort: At the Extremes من أن كثيرًا من المباني الحديثة، لا سيما السكنية منها، تعاني بالفعل أوجه قصور واضحة.
ففي أوقات الطقس المتطرف ترتفع حرارتها بصورة مفرطة، وخلال انقطاع الكهرباء قد تصبح غير صالحة للسكن.

تهديد السلامة
المشكلة لا تقتصر على الشعور بعدم الراحة، بل تمتد إلى تهديد السلامة، خاصة عند انقطاع التيار خلال موجة حر أو عاصفة شتوية، إذ تفقد بعض المباني قدرتها على توفير الحد الأدنى من الأمان الحراري، ما يعرض قاطنيها لمخاطر صحية حقيقية.
كما يشير مؤلفو الكتاب، ومن بينهم سوزان روف، فيرغس نيكول، ومايكل همفريز، إلى أن حتى الطبقات المتوسطة في الدول المتقدمة تجد صعوبة متزايدة في تحمل تكاليف الطاقة اللازمة للحفاظ على منازلها ضمن نطاق حراري آمن، فضلًا عن مريح، قبل احتساب تأثير موجات الطقس الأشد قسوة المتوقعة مستقبلًا.
وتفاقم بعض اتجاهات التصميم الحديثة المشكلة، مثل الشقق ذات الواجهة الواحدة ضعيفة التهوية، والمباني الزجاجية واسعة المساحات المفتوحة من دون ستائر أو وسائل تظليل كافية.
فهذه التصاميم تسمح بدخول الحرارة أو تسربها بسرعة، ما يؤدي إلى ارتفاع أو انخفاض حاد في درجات الحرارة الداخلية، ويؤثر سلبًا في صحة السكان وراحتهم.

“الراحة الحرارية”
ويرى المؤلفون، أن العالم خلال القرن العشرين صدّر نموذجًا ضيقًا لمفهوم “الراحة الحرارية”، يقوم على مبانٍ خفيفة الوزن، ذات جدران زجاجية، تعتمد كليًا على التكييف الميكانيكي، وغالبًا ما تكون نوافذها غير قابلة للفتح.
وهذه المباني كثيفة الاستهلاك للطاقة، وتسهم بدور كبير في انبعاثات الكربون، ما يجعلها جزءًا من حلقة مفرغة: تصميم يزيد من تغير المناخ، ثم يعجز عن التكيف مع نتائجه.
لذلك يدعو الباحثون إلى إعادة ربط المناخ الداخلي بالمناخ الخارجي، بدل عزل المباني تمامًا والاعتماد المطلق على الآلات.
ويقترحون العودة إلى مبادئ العمارة التقليدية التي طورت حلولًا محلية عبر قرون للتعامل مع بيئات قاسية، من الخيام في منغوليا إلى تصاميم جنوب شرق آسيا المعتمدة على التهوية الطبيعية والظل والمواد المحلية.
كما يؤكدون أهمية تبني نموذج “المباني الهجينة” أو متعددة الأوضاع، التي تعتمد قدر الإمكان على الطاقة الطبيعية المحلية مثل الشمس والرياح والكتلة الحرارية والتهوية الطبيعية، وتلجأ إلى التدفئة أو التبريد الميكانيكي عند الضرورة فقط، هذا النهج، بحسب الخبراء، يقلل استهلاك الطاقة والانبعاثات، ويعزز القدرة على الصمود في مواجهة الطقس المتطرف.
وقد نُشرت الدراسة الكاملة في دورية Adaptive Thermal Comfort، مؤكدة أن مستقبل العمارة في عصر تغير المناخ يتطلب تحولًا جذريًا في طريقة التفكير، يضع السلامة الحرارية والاستدامة في صميم التصميم، لا في هامشه.





