تصاعد استخدام المبيدات يهدد النظم البيئية عالميًا رغم التعهدات الدولية
20 مادة كيميائية مسؤولة عن أكثر من 90% من سمّية المبيدات حول العالم
تعتمد الزراعة الحديثة بشكل متزايد على المبيدات الكيميائية لحماية المحاصيل وضمان استقرار إنتاج الغذاء، إلا أن الأبحاث العلمية أثبتت على مدار السنوات الماضية أن هذه المواد لا تقتصر أضرارها على الآفات فقط، بل تمتد لتشمل الحشرات النافعة، والأسماك، والكائنات الحية الدقيقة في التربة، والنباتات التي تقوم عليها النظم البيئية السليمة.
وإدراكًا لهذه المخاطر، اتفقت الدول المشاركة في مؤتمر الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي عام 2022 بمدينة مونتريال على خفض المخاطر المرتبطة بالمبيدات إلى النصف بحلول عام 2030، في محاولة للحد من فقدان التنوع البيولوجي دون الإضرار بالأمن الغذائي العالمي.
إلا أن تحليلًا علميًا عالميًا جديدًا كشف أن الأضرار البيئية الناجمة عن استخدام المبيدات الزراعية آخذة في الارتفاع في العديد من المناطق الزراعية حول العالم.
الدراسة، التي أجراها باحثون من جامعة RPTU كايزرسلاوترن-لانداو بألمانيا، تُعد من أكثر الدراسات شمولًا، حيث حللت أنماط استخدام المبيدات في معظم المناطق الزراعية على مستوى العالم، وقيّمت تأثيرها الفعلي على النظم البيئية.
الدراسة نُشرت في دورية Science العلمية.

كيف تُقاس مخاطر المبيدات؟
اعتمدت دراسات سابقة على قياس المخاطر من خلال كميات المبيدات المستخدمة فقط، وهو أسلوب لا يعكس الواقع بدقة، إذ إن بعض المواد شديدة السمية تُحدث أضرارًا جسيمة حتى بكميات ضئيلة، بينما تكون مواد أخرى أقل خطرًا رغم استخدامها بجرعات أكبر.
وللتغلب على هذه الإشكالية، استخدم الباحثون مؤشر «السمّية الإجمالية المطبقة» (Total Applied Toxicity – TAT)، الذي يجمع بين كمية المبيد المستخدمة ودرجة سميته للكائنات الحية.

تتبع الأضرار البيئية
شملت الدراسة تحليل 625 نوعًا من المبيدات، وقياس تأثيرها على ثماني مجموعات من الكائنات الحية المستخدمة في اختبارات السلامة البيئية، من بينها الأسماك، والحشرات، والملقحات، وكائنات التربة، والنباتات، والفقاريات.
واعتمد الباحثون على بيانات السمية الصادرة عن الجهات التنظيمية في أستراليا وكندا والصين والاتحاد الأوروبي واليابان ونيوزيلندا والولايات المتحدة.
وقال الدكتور رالف شولتس، المشارك في إعداد الدراسة والمدير العلمي للجامعة: «هذا النهج يمنحنا رؤية جديدة تمامًا حول المخاطر المحتملة لاستخدام المبيدات على البيئة والتنوع البيولوجي».
بيانات استخدام المبيدات
وبسبب اختلاف طرق جمع البيانات بين الدول، اعتمدت الدراسة على بيانات تجارية لاستخدام المبيدات خلال الفترة من 2013 إلى 2019، وهي نفس الفترة المرجعية التي حددها اتفاق الأمم المتحدة.
وأكد الباحث الرئيسي ياكوب فولفرام أن «الإبلاغ السنوي المنتظم عن استخدام المبيدات حسب المادة الفعالة يُعد أمرًا ضروريًا لمتابعة التقدم الحقيقي نحو تحقيق أهداف حماية التنوع البيولوجي».
ارتفاع السمّية عبر النظم البيئية
أظهرت النتائج ارتفاع السمّية الإجمالية للمبيدات لمعظم الكائنات الحية خلال الفترة محل الدراسة، وكانت الحشرات البرية الأكثر تضررًا، تلتها كائنات التربة ثم الأسماك.
كما سجلت الملقحات والكائنات المائية اللافقارية ارتفاعًا ملحوظًا في المخاطر، بينما شهدت النباتات المائية والفقاريات البرية انخفاضًا طفيفًا فقط.
ويرجع هذا الارتفاع إلى عاملين رئيسيين: التوسع في الرقعة الزراعية، واللجوء إلى مبيدات أكثر سمّية بدلًا من المركبات الأقدم، خاصة المبيدات الحشرية.

عدد محدود من المواد يسبب معظم الضرر
كشفت الدراسة أن نحو 20 مادة فعالة فقط مسؤولة عن أكثر من 90% من السمية الإجمالية للمبيدات في العديد من الدول، ما يشير إلى أن استبدال هذه المواد قد يُحدث خفضًا كبيرًا في الأضرار البيئية.
وتُعد البيرثرويدات والفوسفات العضوية الأكثر إضرارًا بالحشرات والأسماك، بينما تؤثر النيونيكوتينويدات بشكل كبير على الملقحات، في حين تلعب بعض مبيدات الأعشاب والفطريات دورًا رئيسيًا في الإضرار بالنباتات وكائنات التربة.
بؤر ساخنة للخطر البيئي
تشير الأنماط العالمية إلى أن البرازيل والصين والولايات المتحدة والهند تسهم بأكثر من نصف السمّية العالمية للمبيدات.
وتسهم محاصيل مثل الفواكه والخضروات والذرة وفول الصويا والأرز والحبوب الأخرى بنحو 80% من إجمالي السمية، نتيجة الجمع بين المساحات الزراعية الواسعة واستخدام مبيدات عالية الخطورة.

الحاجة إلى تحرك عاجل
تشير التقديرات إلى أن تشيلي فقط تسير على الطريق الصحيح لتحقيق هدف الأمم المتحدة بحلول 2030، بينما تحتاج دول أخرى إلى خفض مستويات السمية إلى ما كانت عليه قبل أكثر من 15 عامًا.
وأكد الباحثون أن التحول إلى مواد أقل سمّية، والتوسع في الزراعة العضوية، يمثلان المسار الأكثر فاعلية لحماية التنوع البيولوجي دون الإضرار بالإنتاج الغذائي.





