تحويل بقايا الطعام إلى بلاستيك طبيعي قابل للتحلل.. بكتيريا تُحوّل السكر إلى بلاستيك مستدام
من القمامة إلى التغليف.. ابتكار يحوّل فضلات الطعام إلى بديل للبلاستيك
كل وجبة نستهلكها تخلّف وراءها بقايا، فماذا لو تحوّلت تلك الفضلات إلى بديل للبلاستيك؟ باحثون في جامعة موناش الأسترالية أثبتوا أن ذلك ممكن، بعد أن نجحوا في تحويل السكريات المستخلصة من نفايات الطعام إلى بلاستيك طبيعي يتحلل ذاتيًا بدلًا من تراكمه في مكبات النفايات.
هذا الابتكار يمكن أن يستبدل مواد التغليف البترولية التي تُستخدم لحماية الأغذية والمحاصيل، لكنها في المقابل تلوث البيئة وتسد المحيطات.
بكتيريا تصنع البلاستيك
لم يُصمم الباحثون هذه المواد داخل المختبرات الكيميائية، بل “نموها” عبر نوعين من بكتيريا التربة Cupriavidus necator وPseudomonas putida، واللتين تحوّلتا إلى مصانع حية للبلاستيك.

وقد نُشرت نتائج الدراسة في دورية Microbial Cell Factories.
فعندما تم تغذيتهما بمزيج من الجلوكوز والفركتوز، خزّنتا داخل خلاياهما نوعين مختلفين من البوليمرات. وبعد امتلاء الخلايا، استخرج العلماء تلك المواد، ثم أذابوها وصنعوا منها أفلامًا رقيقة لا يتجاوز سمكها 20 ميكرونًا.
يقول الباحث المشارك إدوارد أتنبره:
“يُظهر هذا البحث كيف يمكن تحويل نفايات الطعام إلى أفلام مستدامة قابلة للتحلل بخصائص قابلة للتعديل، لتوفير بدائل صديقة للبيئة عن البلاستيك التقليدي.”
مرونة وقوة في مادة واحدة
تنتج بكتيريا C. necator بوليمرًا صلبًا ولامعًا يُعرف باسم PHB، بينما تصنع P. putida بلاستيكًا أكثر ليونة يُسمى mcl-PHA. وعند دمجهما، حصل الفريق على مادة تجمع بين الصلابة والمرونة، وتشبه البلاستيك التجاري لكنها قابلة للتحلل طبيعيًا.
أظهرت التجارب أن البكتيريا الأولى تنتج ما يصل إلى 60٪ من وزنها بوليمرًا صلبًا عند تغذيتها بالفركتوز، في حين تنتج الثانية نحو 22٪ من وزنها بلاستيكًا مرنًا عند استخدام السكر نفسه.
كما أظهرت التحاليل المجهرية أن خلايا C. necator تنتفخ حتى 30 ميكرونًا عند امتلائها بحبيبات البلاستيك، بينما تبقى خلايا P. putida أصغر لكنها مملوءة بجزيئات مرنة خفيفة.

مادة تتصرف كالبلاستيك وتتحلل كالكائنات الحية
تُظهر الأفلام المنتجة نقطتين مختلفتين للانصهار، الأولى عند 175 درجة مئوية والثانية عند 40 درجة، ما يمنحها ثباتًا في درجات الحرارة العادية ومرونة عند التسخين. وبسبب رقتها، لم تتبلور تمامًا، بل اكتسبت بنية أكثر نعومة وقدرة على التمدد دون أن تنكسر، وهي ميزة يصعب تحقيقها في البلاستيك التقليدي إلا بإضافات كيميائية.
اقتصاد دائري من نفايات الطعام
تعتمد الطريقة على السكريات المستخلصة من بقايا الطعام والنفايات الزراعية كمصدر متجدد. فهي تغذي البكتيريا بدلًا من المصانع، وتعمل بكفاءة دون انبعاثات أو مخلفات سامة. كما أن انخفاض تكلفة المواد الخام وقلة استهلاك الطاقة يجعلانها مناسبة للتطبيق الصناعي.

نحو صناعة بلاستيك صديق للبيئة
في ظل ازدياد إنتاج البلاستيك وصعوبة إعادة تدويره، تمثل هذه التكنولوجيا خطوة واعدة نحو اقتصاد دائري يستخدم النفايات لتصنيع مواد قابلة للتحلل، ما يخفف الضغط على مكبات النفايات ويحمي البيئة.
ويختتم أتنبره:
“من خلال تصميم هذه المواد الطبيعية لمختلف الاستخدامات، نفتح الباب أمام حلول تغليف مستدامة يمكن تحويلها إلى سماد مع بقايا الطعام أو النفايات الزراعية.”
ويعمل الفريق الآن مع شركتي “جريت راب” و”إنزايد” لاختبار التطبيقات الصناعية الواسعة لهذه المواد، سواء في تغليف المنتجات أو صناعة العبوات القابلة للتحلل أو حتى في المجال الطبي.
إنها ليست مجرد تجربة علمية، بل بداية تحول جذري في مفهوم “النفايات”، إذ يصبح ما نرميه اليوم مادة لبناء مستقبل أنظف وأكثر استدامة.






