د.أحمد هاني: تحور الميكروبات.. هل نحن مستعدون لوباء جديد؟
أستاذ الحساسية والصدر وطب البيئة بالأكاديمية الطبية العسكرية

في الثلاث سنوات السابقة انتشر ميكروب كورونا بشكل وبائي، و أثر علي العالم أجمع، والحقيقة أن الميكروب ليس جديداً، وإنما نفس عائلة الكورونا تسببت في مرض السارس في الصين، ومرض متلازمة الشرق الأوسط.
وغير الكورونا، فميكروب الأنفلونزا قادر علي التحور، وتسبب في قتل ما يقرب من أربعين مليونا في مطلع القرن السابق، وأيضا البكتريا قادرة علي التحور لتفادي المضادات الحيوية، وأحيانا تترك الأطباء في حيرة أمام المريض المصاب ببكتريا، مقاومة للمضادات الحيوية.
أسباب التحور في الميكروبات عديدة، بعضها طبيعي، وبعضها مكتسب، والتحور في الميكروبات يعكس قدرتها علي التكيف مع البيئة المحيطة، وكافة المخلوقات لها قدرة علي التكيف مع البيئة المحيطة، حتي لا تنقرض، ومعروف عن فيروس الأنفلونزا بقدرته على التحور السريع، لمقاومة الأجسام المناعية التي تكونت من العدوات السابقة، وهو يتحور سنوياً، بتغير الترتيب الجيني، ويسمى تحور بسيط، أما التحور الشديد فيحدث كل عشر سنوات، ويسبب عدوى وأسعه وبائية.
التغيرات البيئية والميكروبات
والتغيرات البيئية تسبب تغيرات في الميكروبات، فالتلوث الجوي يجعل الميكروبات أشد قدرة علي إحداث العدوى، فمثلاً مرض الدرن، عاد إنتشاره في المدن، بسبب التلوث الجوي، الذي زاد من مقدرة الميكروب، وفي نفس الوقت قلل مناعة الجهاز التنفسي، حيث يسبب احتقان، وإلتهابات شعبية تمنع أهداب الخلايا المبطنة للشعب الهوائية من العمل بكفاءة، وتكون النتيجة عدم قدرة الرئتين علي طرد الميكروبات، كما أن إنتشار مرض الإيدز الذي يقضي على المناعة لعب دورا في ذلك.
أمراض جديدة
وحرائق الغابات، والتصحر، والجفاف، بسبب التغير المناخي، تدفع الحيوانات البرية بما تحمله من أمراض للتحرك نحو المناطق المأهولة بالسكان، وتنقل لهم هذه الأمراض، وقد نفاجأ بأمراض جديدة نادرا ما كانت تصيب الإنسان، خاصة الأمراض الفيروسية التي لها قدرة كبيرة علي التحور لتتناسب مع العائل الجديد لها وهو الإنسان.
الجهل وتحور الميكروبات
وتحور الميكروبات بفعل الإنسان قد يكون بسبب الجهل، وقد يكون متعمدا، فالجهل والتصرفات الخاطئة في الممارسة الطبية والصحية، وصرف المضادات الحيوية من الصيدليات دون تذكرة طبية، يتسبب في ظهور بكتريا مضادة للمضادات الحيوية، وقد تضر المريض أبلغ الضرر، ويحدث هذا في دول العالم الثالث، وبعض البكتريا تكتسب المناعة تلقائيا ضد المضادات الحيوية من خلال التأقلم، والتحور الجيني.
التحور المتعمد
وقد يحدث تحور متعمد للميكروبات، مثلما يحدث في معامل الحرب البيولوجية للدول الكبرى، كي يتم إستخدام الميكروبات، كسلاح ضد الجيوش في حالات الحرب، وضد الشعوب في فترات السلم، لإنهاك الشعوب، وضرب الاقتصاد، وإيقاف التنمية، والحقيقة أن تحضير ميكروب أو قنبلة بيولوجية، هو أسهل بكثير من الحصول على سلاح نووي، لذلك الخبراء يطلقون علي القنبلة البيولوجية، سلاح التدمير الشامل الخاص بالفقراء.
وتحور الميكروبات لها تأثير سئ علي الخدمات الصحية، فبداية تعرض المستشفيات، وخاصة غرف العمليات والرعايات المركزة، إلي الميكروبات قد تؤدي إلى عدوى خطيرة للمرضى تفضي إلى الموت، وقد يتم إغلاق المستشفى لفترة طويلة حتى يعاد تعقيمها.
تحور الميكروبات والاقتصاد
كما أن تحور الميكروبات يؤدي إلى موجات عدوى متكررة، ومتعاقبة، وخلال الوباء تستنزف الموارد الصحية، وتؤثر على الاقتصاد، فخلال الثلاث سنوات السابقة، حدث ما بين موجتين إلى ثلاث موجات من الكورونا، بسبب تحور الميكروب، وأدى هذا إلى مشاكل اقتصادية، بسبب الإغلاق، وتوقف الإنتاج، وبسبب زيادة أعداد المرضى بين العاملين، وإلى الآن لا يوجد تفسير لتحور الميكروب بشكل سريع، وظهور أنواع تستطع تفادي الأجسام المناعية، كما أن هناك العديد من الدول تحول معدل النمو بها إلى سالب، مما يؤدي إلى مشاكل اقتصادية أكثر مع عدم القدرة على اعتماد مخصصات أكثر للنظم الصحية.
النظم الصحية العالمية
ووباء الكوفيد، أثبت لنا أن النظم الصحية العالمية، ليست على درجة الاستعداد الكافية لمجابهة وباء عالمي ولابد من تطوير هذه النظم حيث أن الخبراء يتوقعوا أوبئة أخرى مستقبلا، والنظم الصحية تحتاج إلى تطوير البنية التحتية، وسياسات جديدة للتعامل مع الأوبئة، ونظم تسجيل موحد، حيث أن أحد معوقات النظام الإحصائي الصحي، هو إختلاف معايير التسجيل للأمراض بين بلد وأخر، و إلى الآن لم تضح أبعاد مشكلة متلازمة ما بعد الكوفيد، وهي قد تصيب العديد ممن أصابهم المرض، مما تعوقهم عن العمل، وأثر ذلك على نوعية حياتهم، وعلى الإنتاج ككل.
كما أن التغيرات المناخية تؤثر علي الميكروب، ليكون أكثر شراسة، وقد يقتل العائل الحيواني لينقرض بعض الحيوانات، مما يؤثر سلبا علي قضية تعدد الأنواع.
ما مدى استعدادنا لمجابهة وباء جديد؟
والسؤال الذى يحتاج لإجابة صريحة، هو مدى استعدادنا لمجابهة وباء جديد، فعمل منظمة الصحة العالمية يقتصر على تلقي البلاغات من الدول عن الأمراض، وتوزيعها علي جميع الدول، ويحتاج العالم إلي نظم تجعل الإبلاغ عن الأمراض إلزامي، وعن أنواع البكتريا المضادة للفيروسات كما يحتاج إلي هيئة قادرة علي توقع إنتشار الأمراض والإنفاق علي الأبحاث التي تفضي إلى بناء هذه القدرات، وقواعد الصحة العامة، ورصد الأمراض قد تتم في الدول المتقدمة، ولكنها من الصعب أن تتم في الدول الفقيرة لنقص الإمكانيات.
الخلاصة:
التغيرات البيئية والمناخية تجعل الميكروبات تتحور بطريقة أسهل، والنظام الصحي العالمي يحتاج إلى تطور مع توحيد طرق تسجيل الأمراض، والإبلاغ عن المتحورات مع إصلاح للمنظومة الصحية، كي تكون قادرة علي رصد وتوقع الوبائيات، والتعامل معها.





