بعد 30 عامًا من مؤتمرات المناخ.. لماذا تعجز الدول عن التخلص من الوقود الأحفوري؟
من واشنطن إلى بكين وبروكسل.. تناقضات كبرى في طريق التحول الأخضر العالمي
-
البرازيل تستضيف قمة المناخ وهي توسّع إنتاج النفط.. مفارقات ثلاثين عامًا من الوعود
ثلاثون عامًا من المفاوضات المناخية و«الرهان الخاطئ» على الوعود الخضراء
رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على بدء مفاوضات المناخ العالمية، وانخفاض تكلفة الطاقة المتجددة بصورة غير مسبوقة، ما زال الوقود الأحفوري – الفحم والنفط والغاز الطبيعي – يشكل العمود الفقري للنظام الطاقوي العالمي.
بل إن الاعتماد عليه لم يتراجع إلا هامشيًا، رغم كل الاتفاقيات والوعود الدولية، من اتفاق كيوتو (1997) إلى اتفاق باريس (2015)، وصولًا إلى الاستعداد لمؤتمر COP30 في البرازيل هذا العام.
هذا التناقض بين التزامات المناخ واستمرار الانبعاثات لا يعبّر عن فشل بيئي فقط، بل عن منظومة مصالح اقتصادية وجيوسياسية تشدّ العالم إلى الخلف، حيث يظل الوقود الأحفوري جزءًا من معادلة النفوذ والطاقة والأمن الوطني في كبرى الاقتصادات.

الولايات المتحدة: «الطاقة أولًا» وعودة شعار «احفر أكثر، استخرج أكثر»
منذ عودته إلى البيت الأبيض في يناير 2025، أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعريف السياسة الطاقوية الأمريكية على أساس شعارين متجددين:
“Drill, baby, drill” ثم “Mine, baby, mine”.
فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تمتلك أحد أكثر قطاعات الطاقة المتجددة تطورًا في العالم، فإن الإدارة الحالية ترى في الوقود الأحفوري – خصوصًا الفحم والنفط – ركيزة للأمن القومي والطاقة الرخيصة في ظل تزايد استهلاك الكهرباء الناتج عن التوسع في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
وفي خطوة مثيرة للجدل، أعلن وزارة الداخلية الأمريكية في سبتمبر 2025 فتح 13 مليون فدان من الأراضي الفيدرالية أمام عمليات التعدين الجديدة تحت شعار “إطلاق العنان لقوة الفحم الأمريكي”.
كما تعهدت وزارة الطاقة بتخصيص 625 مليون دولار لدعم محطات الفحم عبر خفض الإتاوات وتحديث البنية التحتية لتمديد عمرها التشغيلي.

لكن هذه العودة إلى الفحم تثير موجة انتقادات علمية وصحية، إذ تشير دراسات إلى أن تلوث الفحم ارتبط بأكثر من 70 ألف وفاة مبكرة سنويًا في الولايات المتحدة خلال العقدين الماضيين، إلى جانب خسائر بيئية واقتصادية فادحة.
في المقابل، قلّصت إدارة ترامب تمويل أبحاث الطاقة النظيفة بنسبة 45% مقارنة بعام 2025، لتصل إلى 2.9 مليار دولار فقط، وهو أدنى مستوى منذ منتصف الثمانينيات، ما يعني خسارة الولايات المتحدة لموقعها الريادي في سباق الابتكار الأخضر لصالح الصين وأوروبا.
الصين: مفارقة القوة الصناعية بين «الابتكار الأخضر» و«توسع الفحم»
تبدو الصين الوجه الآخر للمعادلة العالمية: فهي في الوقت ذاته رائدة التحول الطاقوي وأكبر مستهلك للفحم على وجه الأرض.
فبفضل حوافز حكومية ضخمة وسلاسل توريد متكاملة، أصبحت الصين تسيطر على أكثر من 80% من إنتاج الألواح الشمسية عالميًا، و70% من مكونات توربينات الرياح، إلى جانب الريادة في تصنيع البطاريات والسيارات الكهربائية.
كما ساهمت صادراتها من التكنولوجيا النظيفة في تمكين دول ناشئة مثل البرازيل وجنوب إفريقيا من تنويع مصادر طاقتها؛ إذ تجاوزت البرازيل ألمانيا في إنتاج الكهرباء الشمسية عام 2024، بواقع 75 تيراواط/ساعة.
لكن في الوقت نفسه، لا تزال الصين تضيف عشرات محطات الفحم سنويًا:
ففي النصف الأول من عام 2025 وحده، أطلقت تشغيل 21 جيجاواط جديدة من محطات الفحم، مع توقعات ببلوغ 80 جيجاواط بنهاية العام، وهي أكبر زيادة منذ عقد كامل.

تقول الحكومة إن هذه التوسعات ضرورية لتأمين الطلب المتصاعد على الكهرباء في ظل النمو الصناعي والتوسع في الذكاء الاصطناعي وصناعات أشباه الموصلات.
ورغم تعهد بكين بخفض استهلاك الفحم بين 2026 و2030، إلا أن الخبراء يشيرون إلى أن التوفيق بين الأمن الطاقوي والنزاهة المناخية سيظل معضلة صينية معقدة.
فالصين – مثل كثير من الدول النامية – ترى في الفحم شبكة أمان استراتيجية ضد تقلبات أسعار النفط والغاز، أكثر مما تعتبره مصدر انبعاثات فحسب.
أوروبا: التحول الأخضر بين «الطموح المناخي» و«واقعية الأمن الطاقوي»
بعد الحرب الروسية الأوكرانية، وجدت أوروبا نفسها أمام اختبار قاسٍ: كيف تستمر في ريادتها المناخية بينما تواجه أزمة طاقة حادة تهدد الصناعة والوظائف؟
فقد تسببت العقوبات على موسكو في تعطيل الإمدادات، ودفعت دول الاتحاد الأوروبي إلى البحث المحموم عن بدائل.
في يونيو 2025، أعلنت المفوضية الأوروبية عن خطة REPowerEU التي تهدف إلى إنهاء الاعتماد على الوقود الروسي بحلول 2027، مع تسريع التحول إلى الطاقة النظيفة وتحسين كفاءة الاستهلاك.
ونجحت أوروبا في تحقيق إنجاز تاريخي تمثل في أن الطاقة المتجددة أصبحت المصدر الأول للكهرباء في الاتحاد الأوروبي عام 2024، متجاوزة الفحم والغاز للمرة الأولى.
ومع ذلك، لا يزال النفط والغاز يشكلان أكثر من 50% من إجمالي الطاقة المستهلكة في أوروبا، مع استمرار الخلافات بين الدول الأعضاء.
فـهنغاريا وسلوفاكيا تعارضان حظر واردات الطاقة الروسية بدعوى أن ذلك سيؤدي إلى انكماش اقتصادي يصل إلى 4% من الناتج المحلي، بحسب رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان.

ويبدو أن أوروبا تكسب بعض الفوائد من انسحاب أمريكا من سباق الطاقة النظيفة؛ إذ تشير بيانات BloombergNEF إلى أن الاستثمارات العالمية في الطاقة المتجددة سجلت رقمًا قياسيًا في النصف الأول من 2025، مع ارتفاع حصة الاتحاد الأوروبي مقابل تراجع الولايات المتحدة.
البرازيل: تستضيف قمة المناخ وتوسع التنقيب عن النفط
في نوفمبر 2025، ستتجه أنظار العالم إلى مدينة بيليم في قلب غابات الأمازون، حيث تستضيف البرازيل مؤتمر COP30، بعد مرور عقد على توقيع اتفاق باريس وثلاثة عقود على أول مفاوضات مناخية رسمية.

اختيار الأمازون – أكبر خزان للكربون على الأرض – يحمل رمزية بالغة، لكنه يكشف أيضًا عن تناقضات الدولة المضيفة.
فبينما تعلن الحكومة البرازيلية التزامها بالقيادة المناخية، تمضي في الوقت ذاته نحو توسيع إنتاج النفط والغاز، خاصة في منطقة فوز دو أمازوناس عند مصب النهر، في خطوة وصفها نشطاء البيئة بأنها “طعنة في قلب الأمازون”.
هذه المفارقة تعكس التحدي الأوسع الذي يواجه الدول النامية: كيف يمكنها تحقيق التنمية الاقتصادية ومحاربة الفقر من دون الاستمرار في استغلال مواردها الأحفورية؟
فالدعم الدولي لتمويل الانتقال الأخضر لا يزال محدودًا، والوعود الغربية بتقديم 100 مليار دولار سنويًا لمساعدة الدول الفقيرة لم تتحقق بالكامل بعد.

العالم بين «الوعود» و«الواقع»
بعد 30 عامًا من القمم والاتفاقيات، لا يزال العالم يسير في الاتجاه الخطأ:
-
الانبعاثات الكربونية في 2025 أعلى بنسبة 6% مما كانت عليه عند توقيع اتفاق باريس.
-
التمويل المخصص للطاقة النظيفة يتركز في 10 دول فقط، تمثل 70% من الاستثمارات العالمية.
-
بينما تواصل شركات النفط العملاقة – مثل إكسون موبيل وشل وسعودي أرامكو – تحقيق أرباح قياسية تجاوزت 200 مليار دولار في 2024.
إن جوهر المشكلة لم يعد تقنيًا أو اقتصاديًا، بل سياسيًا وهيكليًا. فكل دولة ترى في الوقود الأحفوري ورقة قوة أو وسيلة بقاء، وليس عبئًا يمكن الاستغناء عنه بسهولة.

نحو «صفقة طاقوية جديدة»؟
يرى خبراء المناخ أن العالم يحتاج إلى صفقة طاقوية عالمية جديدة تقوم على ثلاث ركائز:
-
تمويل عادل للانتقال الأخضر في الدول النامية.
-
تحييد مصالح شركات الوقود الأحفوري من عملية صنع القرار المناخي.
-
إعادة تعريف مفهوم الأمن الطاقوي ليشمل الاستدامة والمرونة لا مجرد وفرة الوقود.
بدون هذه الخطوات، سيظل التحول الطاقوي رهينة للمصالح الوطنية وموازين القوى الاقتصادية، وستبقى مؤتمرات المناخ مناسبة للخطابات أكثر من كونها منصة لتغيير حقيقي.

خلاصة
إن أزمة التخلي عن الوقود الأحفوري ليست مسألة إرادة سياسية فحسب، بل صراع طويل بين الماضي والمستقبل؛ بين نظام عالمي تشكل حول النفط والفحم على مدار قرن، ومحاولة يائسة لإعادة صياغته في عقدين فقط.
وفي غياب التزام عالمي موحد، ستبقى البشرية تدور في حلقة من التناقضات: طموح بيئي مرتفع، ومصالح اقتصادية أعمق.





