جددت الزيادة الأخيرة في أسعار الكهرباء بمصر الجدل حول كلفة إنتاج الطاقة وآليات خفض أعبائها على الموازنة العامة، في وقت يرى فيه خبراء أن التوسع بوتيرة أسرع في مشروعات الطاقة المتجددة يمثل أحد أكثر البدائل فاعلية لتقليص فاتورة الوقود والدعم.
ورفعت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة أسعار بيع الكهرباء اعتبارًا من مطلع أغسطس الجاري، بمتوسط زيادة بلغ نحو 12%، مع تثبيت أسعار الشريحة الأولى دون تغيير.
ورغم الزيادات المتتالية خلال السنوات الماضية، لا تزال الدولة تتحمل جزءًا كبيرًا من تكلفة الإنتاج، إذ تُقدَّر قيمة الدعم بنحو 100 مليار جنيه سنويًا، وفق تصريحات حكومية، تمثل الفارق بين تكلفة إنتاج الكهرباء وتعريفة البيع المطبقة على المشتركين.
ويرى خبراء أن أحد المسارات القادرة على تقليص هذه الفجوة يتمثل في تسريع تنفيذ مستهدفات رؤية مصر 2030، التي تستهدف رفع مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء إلى نحو 40%، بما يقلل الاعتماد على الغاز الطبيعي ويخفض تكلفة التوليد على المدى الطويل.

الغاز يرفع تكلفة الكهرباء التقليدية
قال مصدر بقطاع الطاقة، إن تكلفة إنتاج الكيلوواط/ساعة من المحطات التقليدية المعتمدة على الغاز الطبيعي تتجاوز نظيرتها المنتجة من الطاقة الشمسية بنحو 3.89 جنيه، ومن طاقة الرياح بحوالي 3.64 جنيه.
وأضاف أن تكلفة إنتاج الكهرباء من المحطات التقليدية تُقدَّر بنحو 2.74 جنيه للكيلوواط/ساعة عند احتساب سعر الغاز المورد لمحطات الكهرباء عند 4 دولارات للمليون وحدة حرارية، وهو السعر المستخدم في الموازنة العامة للدولة.
لكن المصدر أوضح أن إمدادات الغاز للسوق المحلية تعتمد على مزيج من الإنتاج المحلي، وحصة الشركاء الأجانب، والغاز الطبيعي المسال المستورد، والغاز الوارد من إسرائيل، ما يرفع متوسط تكلفة الإمدادات إلى نحو 7.5 دولار للمليون وحدة حرارية.
ووفق هذا المستوى السعري، قد ترتفع تكلفة إنتاج الكيلوواط/ساعة إلى نحو 5.14 جنيه، أي بزيادة تقارب 87.5% مقارنة بالتكلفة المحسوبة وفق سعر الغاز المدعوم.
وأشار إلى أن تكلفة نقل وتوزيع الكهرباء تمثل نحو ثلث تكلفة الكيلوواط/ساعة، بواقع نحو 20% للنقل و15% للتوزيع، فيما يشكل الوقود قرابة 65% من تكلفة إنتاج الكهرباء بالمحطات الحرارية، مع تفاوت التكلفة بحسب كفاءة المحطات ونوعية الوقود المستخدم خلال فترات الذروة.
الطاقة المتجددة أكثر تنافسية
بحسب مصدر أخر، تشير عقود مشروعات الطاقة الشمسية الحديثة في مصر إلى أن تكلفة إنتاج الكيلوواط/ساعة تتراوح بين 2 و2.5 سنت أميركي، أي ما يعادل نحو 1.25 جنيه، فيما تبلغ تكلفة إنتاج الكهرباء من طاقة الرياح بين 2.5 و2.7 سنت أميركي للكيلوواط/ساعة، أي في حدود 1.5 جنيه.
وأوضح أن هذه التكاليف لا تشمل مصروفات النقل والتوزيع أو تكاليف التخزين المحتملة، لكنها تظل أقل من تكلفة التوليد باستخدام الوقود الأحفوري، خصوصًا في ظل ارتفاع أسعار الغاز خلال السنوات الأخيرة.
أما أنظمة الطاقة الشمسية الصغيرة المثبتة فوق أسطح المنازل، فتتراوح تكلفة إنتاج الكهرباء منها بين 1.9 و2 جنيه للكيلوواط/ساعة، ما يعزز جدواها الاقتصادية للأفراد والمؤسسات.

مضاعفة مساهمة الطاقة النظيفة
وتوقع مصدر بالهيئة المصرية للطاقة المتجددة ارتفاع قدرات الشبكة القومية للكهرباء من أكثر من 65 غيغاواط حاليًا إلى ما بين 75 و80 غيغاواط بحلول عام 2028، مدفوعة بالنمو السكاني والتوسع الصناعي.
وأشار إلى أن مساهمة محطات الطاقة المتجددة في الإنتاج الفعلي للكهرباء تتراوح حاليًا بين 12% و15%، وفقًا للظروف التشغيلية ومستويات السطوع الشمسي وسرعات الرياح.
ويعني الوصول إلى المستهدف الحكومي البالغ نحو 45% بحلول 2028 مضاعفة الحصة الحالية تقريبًا، وهو ما يتطلب إضافة قدرات جديدة تتراوح بين 28 و35 غيغاواط فوق القدرات القائمة.
توفير الغاز وتوجيهه إلى الصناعة
قال رئيس جهاز تنظيم مرفق الكهرباء الأسبق، حافظ السلماوي، إن التوسع في الطاقة المتجددة لا يقتصر أثره على خفض تكلفة الكهرباء، بل يمتد إلى تقليص استهلاك الغاز الطبيعي وتخفيف الضغط على فاتورة الاستيراد.
وأوضح أن كل 5 كيلوواط/ساعة من الكهرباء المنتجة تعادل تقريبًا استهلاك متر مكعب من الغاز الطبيعي، ما يعني أن زيادة الاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة ستخفض تدريجيًا احتياجات قطاع الكهرباء من الغاز، وتقلص واردات الغاز المسال وما يرتبط بها من تكاليف تشغيل واستئجار وحدات إعادة التغويز.
وأضاف أن كميات الغاز التي سيتم توفيرها يمكن توجيهها إلى صناعات ذات قيمة مضافة أعلى، مثل البتروكيماويات والأسمدة، بما يحقق عائدًا اقتصاديًا يفوق استخدام الغاز في توليد الكهرباء.
وأكد السلماوي أن تعظيم الاستفادة من هذه المنظومة يتطلب استكمال تحرير سوق الغاز الطبيعي، بما يتيح للمستهلكين المؤهلين استيراد احتياجاتهم مباشرة وفق آليات أكثر مرونة، وهو ما من شأنه تخفيف الأعباء المالية على الموازنة وتقليل الضغوط التي تنعكس في نهاية المطاف على أسعار الطاقة.

تكلفة المحطات الشمسية المنزلية
ووفقًا للسلماوي، تتراوح تكلفة الكيلوواط الواحد من القدرة المركبة للمحطات الشمسية المنزلية بين 25 و30 ألف جنيه، حسب حجم المشروع.
وبناءً على ذلك، تحتاج محطة بقدرة 5 كيلوواط، وهي مناسبة لشريحة واسعة من الوحدات السكنية، إلى استثمارات تقارب 150 ألف جنيه.
وتنتج هذه المحطة ما بين 700 و800 كيلوواط/ساعة شهريًا، وهي كمية تكفي لتغطية نسبة كبيرة من استهلاك الأسر متوسطة الأحمال، ما يجعل الطاقة الشمسية خيارًا متزايد الجاذبية في ظل ارتفاع تكلفة الكهرباء التقليدية.
الطاقة المتجددة.. من بديل إلى ضرورة اقتصادية
وتكشف هذه الأرقام عن تحول متزايد في معادلة إنتاج الكهرباء في مصر؛ فمع ارتفاع تكلفة إمدادات الغاز، لم تعد الطاقة المتجددة مجرد خيار بيئي لخفض الانبعاثات، وإنما أصبحت بديلًا اقتصاديًا يمكن أن يساعد في تقليص تكلفة التوليد، وتخفيف الضغط على الموازنة، وتقليل الحاجة إلى استيراد الغاز المسال.
وبالتوازي مع التوسع في قدرات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، يظل تطوير شبكات النقل والتوزيع وتعزيز قدرات التخزين ورفع كفاءة محطات التوليد التقليدية عوامل حاسمة لضمان الاستفادة الكاملة من الطاقة النظيفة وتحويل انخفاض تكلفة إنتاجها إلى وفورات فعلية للمستهلك والموازنة العامة.





