أخبارالاقتصاد الأخضرالطاقة

الهيدروجين الأخضر.. الوقود النظيف الذي قد يغيّر قواعد اللعبة في الصناعة والنقل

ثورة الطاقة النظيفة تبدأ بالماء.. هل يصبح الهيدروجين الأخضر بديلاً حقيقياً للوقود الأحفوري؟

الاستدامة تعني حتمًا استبدال الوقود الأحفوري – السبب الرئيسي للاحتباس الحراري – ببدائل أنظف من حيث انبعاثات غازات الدفيئة.

وفي هذا البحث المستمر عن مصادر طاقة أنظف، يبرز الهيدروجين الأخضر كخيار واعد، لكنه لا يزال بعيدًا عن تحقيق هدف إزالة الكربون من القطاعات التي يصعب تحويلها إلى طاقة كهربائية، مثل الصناعة والنقل الثقيل.

من الحلم إلى الواقع

تسخير قوة الماء كمصدر للطاقة.. الحلم الذي تخيله الكاتب جول فيرن في روايته “الجزيرة الغامضة” يقترب من التحقق بفضل الهيدروجين منخفض الانبعاثات، لا سيما الهيدروجين الأخضر.

يُنتج هذا الوقود عبر التحليل الكهربائي للماء (تفكيك جزيئات الماء إلى هيدروجين وأكسجين) باستخدام مصادر الطاقة المتجددة، وقد يمهّد الطريق لإزالة الكربون من قطاعات لا تزال الكهربة المباشرة فيها معقدة للغاية، مثل النقل الثقيل وبعض العمليات الصناعية.

يتمتع الهيدروجين الأخضر بعدة مزايا بارزة، منها تنوع استخداماته، وانخفاض انبعاثاته، والحد الأدنى من النفايات.

ويُعد بديلًا للهيدروجين الرمادي (الذي يُنتَج باستخدام الغاز الطبيعي أو الهيدروكربونات)، إذ يقلل الانبعاثات بشكل كبير مقارنة بالبدائل الأخرى.

ويعد استخدامه أمرًا حيويًا لإزالة الكربون من قطاعات مثل الصلب، والألومنيوم، والأسمنت، كما يحمل مفتاحًا لإزالة الكربون من قطاعي الشحن وإنتاج وقود الطيران المستدام (SAF) والميثانول الأخضر، وفقًا للمهندس جوتزون جوميز ساراسولا، رئيس مشروع “ستيجرا” في إسبانيا والبرتغال.

وقود الطيران المستدام

أرقام كبيرة وطموحات أوروبية

بحسب تقرير الاتحاد الأوروبي “خارطة طريق الهيدروجين في أوروبا: مسار مستدام لتحول الطاقة الأوروبي”، يمكن للهيدروجين النظيف أن يمنع انبعاث 560 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا بحلول عام 2050.

وتقدر بروكسل أن لديه القدرة على توليد نحو 2250 تيراواط/ساعة من الطاقة، وهو ما يعادل ربع إجمالي الطلب الأوروبي.

هذه الكمية يمكن أن تشغّل 42 مليون سيارة، و1.7 مليون شاحنة، وأكثر من 5500 قطار، كما يمكنها تدفئة 52 مليون منزل، وتلبية 10% من احتياجات المباني من الطاقة.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن دمج الكربون المُلتقَط أو الكتلة الحيوية مع 120 تيراواط/ساعة من الهيدروجين لإنتاج 40 مليون طن من المواد الكيميائية الصناعية بحلول 2050.

من هنا، لا عجب أن يكون الاتحاد الأوروبي أحد أكبر المدافعين عن هذه التقنية، وقد حدد هدفًا بإنتاج 10 ملايين طن من الهيدروجين الأخضر بحلول نهاية العقد الحالي.

لكن التحديات باقية

مع ذلك، لا يزال أمام الهيدروجين الأخضر طريق طويل قبل أن يصبح بديلًا فعليًا للوقود الأحفوري.

وتُعد التكلفة المرتفعة إحدى أبرز العقبات، إذ تعتمد جدوى هذه المشاريع على مدى استعداد المستهلكين لتحمّل “العلاوة الخضراء” – أي الفارق بين تكلفة الوقود المستدام والوقود التقليدي الأرخص والأكثر تلويثًا.

يقول غوميز ساراسولا: “العديد من مشاريع إنتاج الهيدروجين الأخضر لا تنطلق بسبب نقص المشترين المستعدين لدفع هذه العلاوة مقارنة بالهيدروجين الرمادي”.

كما أن اعتماد الهيدروجين الأخضر غالبًا ما يستلزم تعديلات كبيرة على البنية التحتية.

ويقول رافائيل كوسنت، الباحث في معهد البحوث التكنولوجية (IIT) التابع لكلية الهندسة في جامعة كوميلاس البابوية: “ثمة حاجة إلى محركات، وأفران، ومواقد جديدة، مما يعني تطوير شبكات الإمداد وإنشاء مرافق مخصصة”.

ويضيف أن من الأولويات أيضًا خفض تكاليف الاستثمار والتشغيل، وتحسين كفاءة التحليل الكهربائي، وتصميم المصانع لرفع كفاءة العمليات.

الهيدروجين الأخضر

نقل معقد وبنية تحتية محدودة

تُعد مسألة نقل الهيدروجين من أبرز التحديات، إذ أن الشاحنات تمثل حاليًا وسيلة النقل الوحيدة لكميات صغيرة وعلى مسافات قصيرة.

ويقول كوسنت، إن إنشاء شبكة توزيع واسعة النطاق يعتمد على توقع نمو الطلب بدرجة كافية لتبرير الاستثمارات.

بدوره، يرى فرانز بيتشولد من مجموعة “لايف” – التي أنشأت أول مصنع للهيدروجين الأخضر متصل بمزرعة رياح عام 2021 – أن نقص البنية التحتية يرفع التكاليف النهائية، ويعرقل تنفيذ مشاريع جديدة.

ويشير إلى غياب سياسات واضحة بشأن الضرائب والانبعاثات كعامل إضافي يبطئ التقدم في هذا المجال.

الهيدروجين الأخضر

زخم متزايد في أوروبا

رغم كل ما سبق، فإن مشاريع الهيدروجين الأخضر تتزايد بفضل الحاجة الملحة لإزالة الكربون من الصناعات الثقيلة.

تعمل شركة Lhyfe، الناشطة في 11 دولة أوروبية، على تطوير شبكة للهيدروجين المتجدد في شبه الجزيرة الأيبيرية، وتتوسع بمصانع مثل مصنع “فالمول” في تاراجونا، ويؤكد جوميز ساراسولا أن إسبانيا والبرتغال تملكان فرصًا استثنائية في هذا المجال، بفضل قدرتهما على إنتاج كهرباء متجددة بكميات ضخمة وتكلفة تنافسية، متوقعًا أن تصل نسبة الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء لديهما إلى 80–85% بحلول عام 2030.

كما أطلق “بنك الهيدروجين الأوروبي”، وهو مبادرة أوروبية لتقليص فجوة التكلفة بين الوقود الأخضر والوقود الأحفوري، مزادًا تجريبيًا بقيمة 720 مليون يورو لدعم سبعة مشاريع، بينها ثلاثة في إسبانيا واثنان في البرتغال.

ويختتم بيتشولد بالتأكيد على أن “التوسع في استخدام الطاقة المتجددة وتوفير الدعم الحكومي سيكونان عنصرين حاسمين في تحويل الهيدروجين الأخضر إلى أحد أكثر حلول الطاقة فاعلية في مواجهة أزمة المناخ”.

ويضيف جوميز ساراسولا أن تعزيز الربط الشبكي بين مواقع الإنتاج والاستهلاك يمكن أن يسرّع التحول المنشود.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading