الهواء الملوث يرفع خطر العدوى البكتيرية الخطيرة.. والسلالات تغير توقيت الإصابة
تلوث الهواء قد يوقظ بكتيريا خاملة ويزيد خطر الالتهاب الرئوي والتهاب السحايا
يحمل نحو شخص بالغ واحد من كل خمسة البكتيريا المسببة للالتهاب الرئوي في الأنف والحلق، وغالبًا ما تعيش هذه البكتيريا دون أن تسبب مرضًا.
لكن في ظروف معينة، يمكن أن تنتقل من موضعها الطبيعي إلى الرئتين أو مجرى الدم أو الأغشية المحيطة بالدماغ، لتسبب أمراضًا خطيرة تشمل الالتهاب الرئوي، وعدوى الدم، والتهاب السحايا.
وتشير دراسة جديدة إلى أن تلوث الهواء قد يكون أحد العوامل التي تزيد احتمال حدوث هذا الانتقال، لكن تأثيره لا يبدو متطابقًا لدى الجميع.
فنوع السلالة البكتيرية المنتشرة في المنطقة التي يعيش فيها الشخص يمكن أن يؤثر في مدى ارتفاع خطر الإصابة وموعد ظهوره بعد التعرض لتلوث الهواء.
وأجرى الدراسة باحثون من معهد ويلكوم سانجر، والمعهد الوطني للأمراض المعدية في جنوب أفريقيا، ومركز برشلونة للحوسبة الفائقة، وحللوا بيانات 59,017 حالة عدوى خطيرة من 531 مستشفى بين عامي 2005 و2023، إلى جانب بيانات أسبوعية عن تلوث الهواء والطقس.
لكن الدراسة رصدية تعتمد على تحليل السجلات والبيانات السابقة، ولذلك تكشف أنماطًا وارتباطات، ولا تثبت بمفردها أن تلوث الهواء تسبب مباشرة في هذه العدوى.
الجسيمات الدقيقة ترفع خطر العدوى
ركز الباحثون على الجسيمات الدقيقة PM2.5، وهي جسيمات يقل قطرها عن 2.5 ميكرومتر، ويمكنها الوصول إلى الأجزاء العميقة من الرئتين.
ووجد الباحثون أن الأسبوع الذي بلغ فيه متوسط تركيز هذه الجسيمات 50 ميكروجرامًا لكل متر مكعب ارتبط بزيادة قدرها 3.4% في خطر الإصابة بمرض المكورات الرئوية الغازي خلال الأسابيع الثمانية التالية.
وعند وصول التركيز إلى 100 ميكروجرام لكل متر مكعب، ارتفع الخطر بنحو 18%.
وكانت الزيادة محدودة عند مستويات التلوث الأقل، لكنها أصبحت أكثر وضوحًا خلال أسوأ أسابيع التلوث.
وفي جوهانسبرج، تجاوز متوسط التركيز مستوى 100 ميكروجرام لكل متر مكعب خلال 32 أسبوعًا من عام 2023.
وتبلغ الحدود اليومية في جنوب أفريقيا 40 ميكروجرامًا لكل متر مكعب، بينما توصي منظمة الصحة العالمية بألا يتجاوز التعرض لمتوسط PM2.5 اليومي 15 ميكروجرامًا لكل متر مكعب.

البكتيريا موجودة أصلًا في الأنف والحلق
البكتيريا التي تناولتها الدراسة هي المكورات الرئوية (Streptococcus pneumoniae)، وهي من الكائنات الدقيقة التي يمكن أن تستعمر الأنف والحلق لدى الأشخاص الأصحاء دون أن تسبب لهم أعراضًا.
لكن عندما تتجاوز الحواجز الطبيعية وتصل إلى أجزاء أخرى من الجسم، يمكن أن تسبب مرض المكورات الرئوية الغازي، وهو مصطلح يشمل حالات مثل الالتهاب الرئوي، وتجرثم الدم أو عدوى مجرى الدم، والتهاب السحايا.
ويشير الباحثون إلى أن تلوث الهواء قد يؤثر في دفاعات الجهاز التنفسي أو في قدرة البكتيريا على الالتصاق بالخلايا، وهي من الآليات المحتملة التي قد تفسر العلاقة التي رصدتها الدراسة، لكن هذه الآليات لم تُحسم بعد.
السلالة تحدد موعد الخطر
لا توجد المكورات الرئوية في صورة واحدة؛ إذ يوجد أكثر من 100 نمط مصلي منها، تختلف بحسب الغلاف السكري المحيط بالخلايا البكتيرية.
وربط الباحثون ثلاثة أنماط مصلية، هي 14 و19A و8، بزيادة في خطر الإصابة خلال فترة المتابعة مقارنة بغيرها.
لكن الاختلاف لم يكن في حجم الخطر فقط، وإنما في توقيته أيضًا، وفي معظم المناطق، بلغ الخطر ذروته بعد نحو أسبوعين من أسبوع التلوث المرتفع.
أما في المناطق التي تنتشر فيها الأنماط المصلية 4 و8 و23F، فقد ظهرت الزيادة في الخطر خلال الأسبوع نفسه الذي ارتفع فيه التلوث.
ولفهم هذا الاختلاف بصورة أعمق، حلل الباحثون التسلسل الجيني لـ4350 عينة من البكتيريا، وقسموا الحالات بحسب السلالات الجينية.
وأظهرت إحدى السلالات، التي كان معظمها من النمط المصلي 19F، تغيرًا واضحًا في توقيت الاستجابة للتلوث.
سلالة شديدة الضراوة غيّرت توقيت الإصابة
في المناطق التي كانت هذه السلالة شائعة فيها، ارتفع خطر العدوى خلال الأسبوع نفسه الذي شهد ارتفاعًا في التلوث.
أما في المناطق التي كانت السلالة نادرة فيها، فقد ظهر ارتفاع الخطر بعد نحو خمسة أسابيع.
وقالت صوفي بيلمان، الباحثة الأولى في الدراسة، إن بعض الأنماط المصلية التي أظهرت أسرع استجابة خلال فترات التلوث المرتفع تشمل النمط المصلي 4، الذي ارتبط سابقًا بتفشيات بين شباب تعرضوا لمستويات مرتفعة من الملوثات البيئية.
وأشارت بيلمان كذلك إلى السلالة الجينية GPSC21-19F، وهي سلالة شديدة الضراوة ظهرت في جنوب أفريقيا بعد إدخال التطعيم.
وترى الباحثة أن السلالات المنتشرة يمكن أن تتفاعل بطرق مختلفة مع التعرض للعوامل البيئية، بما يؤدي إلى اختلاف توقيت ظهور الخطر.

كبار السن أكثر تأثرًا
كان العمر عاملًا آخر مؤثرًا في حجم الخطر وتوقيته، فبين الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 عامًا فأكثر، ارتبط أسبوع بلغ فيه تركيز PM2.5 نحو 50 ميكروجرامًا لكل متر مكعب بزيادة قدرها 16% في خطر الإصابة خلال الأسابيع الثمانية التالية.
أما البالغون بين 15 و64 عامًا، فظهر ارتفاع الخطر لديهم خلال الأسبوع نفسه، وهو نمط قال الباحثون إنه قد يرتبط جزئيًا بارتفاع انتشار فيروس نقص المناعة البشرية في هذه الفئة بجنوب أفريقيا.
وشكل الأطفال دون السادسة من العمر نحو ربع الحالات، وارتفع خطر الإصابة لديهم بنحو 3%.
كما اختلف الخطر بحسب نوع المرض؛ إذ ارتفع خطر التهاب السحايا بنحو 5% بعد أسبوع بلغ فيه التلوث 50 ميكروجرامًا، مقابل نحو 1% لعدوى الدم.
وارتبطت مستويات التلوث نفسها بزيادة تقارب 9% في حالات العدوى المقاومة للبنسلين، وهي مشكلة تزداد أهميتها مع انتشار مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية.
الحرارة والبرودة والرطوبة تغير الصورة
لم يكن تلوث الهواء العامل البيئي الوحيد المرتبط بالعدوى، فالأسابيع الحارة، التي تراوحت فيها درجات الحرارة القصوى بين 27 و38 درجة مئوية، ارتبطت بزيادة في خطر الإصابة وصلت إلى 10% خلال أيام.
أما الأسابيع الباردة، التي تراوحت فيها درجات الحرارة الدنيا بين 4 و10 درجات مئوية، فأضافت نحو 4% إلى الخطر، لكن الحالات المرتبطة بها ظهرت في وقت متأخر نسبيًا.
وكانت الرطوبة أكثر تعقيدًا؛ إذ لم تكن العلاقة خطية.
فالرطوبة المتوسطة ارتبطت بزيادة في الخطر بنحو 5%، بينما ارتبطت مستويات رطوبة تقارب 75% بانخفاض الخطر بنحو ربع النسبة تقريبًا.
الدراسة لم تقِس الهواء داخل المنازل
يؤكد الباحثون أن تقديرات تلوث الهواء المستخدمة في الدراسة كانت نماذج لمستويات التلوث في المناطق المختلفة، بينما سُجلت حالات المرض في المستشفيات التي عالجتها، وليس في عناوين منازل المرضى.
وهذا يعني أن الدراسة لا تستطيع تحديد مقدار التلوث الذي تعرض له كل مريض فعليًا.
كما لم تشمل الدراسة حالات الالتهاب الرئوي العادية التي لا تنتقل إلى الدم أو الأنسجة الأخرى، وهي تمثل غالبية حالات الالتهاب الرئوي.
ولا يستطيع الباحثون أيضًا تحديد ما إذا كان تلوث الهواء يغير أنواع السلالات التي يحملها الأشخاص الأصحاء، لأن بيانات المراقبة المستخدمة اقتصرت على المرضى الذين أصيبوا بعدوى خطيرة.
خفض تلوث الهواء قد يمنع بعض الحالات
استخدم الباحثون بيانات مقاطعة خاوتينج في جنوب أفريقيا لتقدير عدد الحالات التي كان يمكن تفاديها نظريًا عند خفض مستويات PM2.5.
وفي عام 2019، بلغ عدد حالات مرض المكورات الرئوية الغازي المسجلة في المقاطعة 718 حالة.
ولو حافظت مستويات الجسيمات الدقيقة على الحد الجنوب أفريقي البالغ 40 ميكروجرامًا لكل متر مكعب أو أقل، لكان من الممكن، وفق النموذج المستخدم، تجنب نحو 16 حالة من تلك الحالات.
وعند تطبيق إرشادات منظمة الصحة العالمية البالغة 15 ميكروجرامًا لكل متر مكعب، قدر الباحثون أن نحو 25 حالة كان يمكن تجنبها.
وهذه أرقام تقديرية مبنية على النموذج، وليست حالات ثبت بصورة فردية أن التلوث تسبب فيها.

تحسين جودة الهواء هو خط الدفاع الأسرع
ترى آن فون جوتبرج، إحدى الباحثات الرئيسيات في الدراسة من المعهد الوطني للأمراض المعدية، أن تحسين جودة الهواء يمثل وسيلة مهمة للحد من التعرض.
ودعت إلى زيادة وعي الناس بمستويات جودة الهواء في المناطق التي يعيشون فيها، ومعرفة الحدود والمعايير الوطنية والإقليمية للتلوث، والعمل على تحسين جودة الهواء الذي يتنفسونه يوميًا.
ولا يزال السؤال الأساسي دون إجابة: لماذا تستجيب بعض السلالات لتلوث الهواء خلال أيام، بينما تستغرق سلالات أخرى أسابيع؟
ويقترح الباحثون عدة تفسيرات محتملة، من بينها حدوث تلف في آليات تنظيف الجهاز التنفسي، أو تغير قدرة البكتيريا على الالتصاق بالخلايا، لكن هذه الفرضيات تحتاج إلى مزيد من البحث.
مراقبة الهواء قد تكون أهم من مراقبة السلالات
يمكن أن تساعد النتائج مستقبلًا في تطوير أنظمة إنذار مبكر للمخاطر الصحية المرتبطة بالتلوث، لكن فون غوتبرغ لا ترى أن مراقبة السلالات البكتيرية وحدها ستكون الخيار الأسرع.
فجمع العينات ونقلها إلى المختبر وعزل البكتيريا وتحليلها يستغرق وقتًا.
أما مراقبة جودة الهواء فيمكن أن توفر بيانات أسرع، إلى جانب بيانات الطقس والعوامل البيئية الأخرى، بما يسمح للمستشفيات وخدمات الطوارئ بالاستعداد لفترات ارتفاع المخاطر الصحية.





