أخبارصحة الكوكب

النوم قد يكشف خطر ألزهايمر قبل سنوات.. منطقة صغيرة في الدماغ تحمل سرًا جديدًا

قبل فقدان الذاكرة.. تغيرات في النوم قد تكشف قابلية الإصابة بألزهايمر

قد يحمل النوم مؤشرات خفية على التغيرات التي تحدث داخل الدماغ قبل ظهور الأعراض الواضحة لبعض الاضطرابات العصبية، وفي مقدمتها مرض ألزهايمر، وفق دراسة جديدة كشفت عن علاقة بين منطقة صغيرة للغاية في جذع الدماغ وإيقاعات النوم المرتبطة بالذاكرة.

وتركز الدراسة على منطقة تعرف باسم الموضع الأزرق «Locus Coeruleus»، وهي مجموعة صغيرة من الخلايا العصبية في جذع الدماغ، لا يتجاوز حجمها تقريبًا حجم حبة الأرز، لكنها تؤدي دورًا مهمًا في تنظيم اليقظة والانتباه والانتقال بين حالات النوم والاستيقاظ.

وأجرى باحثون من جامعة لييج البلجيكية دراسة على بالغين أصحاء من فئات عمرية مختلفة، ووجدوا أن نشاط هذه المنطقة أثناء النهار يرتبط بأنماط محددة من نشاط الدماغ خلال مرحلة نوم حركة العين السريعة «REM»، وهي مرحلة ترتبط بعمليات الذاكرة والتعلم.

ولا تثبت النتائج أن اضطراب هذه المنطقة يؤدي إلى ألزهايمر، كما أنها لا تقدم اختبارًا تشخيصيًا للمرض، لكنها تفتح بابًا جديدًا لدراسة ما إذا كانت تغيرات النوم يمكن أن تكشف قابلية الإصابة بالمرض قبل سنوات من ظهور الأعراض.

النوم

منطقة صغيرة تتحكم في اليقظة

يقع الموضع الأزرق في جذع الدماغ، ويحتوي على خلايا عصبية تنتج مادة النورإبينفرين، وهي ناقل عصبي يشارك في تنظيم اليقظة والانتباه والاستجابة للمؤثرات الخارجية والانتقال بين حالات النوم المختلفة.

ويعمل الموضع الأزرق خلال اليقظة وفق نمطين رئيسيين من النشاط.

الأول هو النشاط المستمر أو الخلفي، الذي يساعد على تحديد المستوى العام لليقظة والانتباه.

أما الثاني فهو نشاط قصير ومفاجئ يظهر على هيئة دفعات من الإشارات العصبية عند حدوث شيء مهم، مثل رؤية ضوء مفاجئ أو سماع صوت غير متوقع.

ويحظى الموضع الأزرق باهتمام خاص في أبحاث ألزهايمر، لأن بروتين تاو غير الطبيعي، الذي يعد أحد السمات المميزة للمرض، يمكن أن يظهر في هذه المنطقة في مراحل مبكرة نسبيًا.

وقال الباحث جيل فاندرفال، الباحث المسؤول عن الدراسة، إن هذه المنطقة يصعب رصدها، لكنها تبدو مرتبطة بآليات مبكرة مرتبطة بالمرض.

كيف درس العلماء العلاقة بين النوم والدماغ؟

شملت الدراسة 52 شخصًا بالغًا يتمتعون بصحة جيدة، بينهم 34 شخصًا تتراوح أعمارهم بين 18 و31 عامًا، و18 شخصًا تتراوح أعمارهم بين 50 و70 عامًا.

واستبعد الباحثون المشاركين الذين يعانون اضطرابات عصبية أو اضطرابات في النوم أو عوامل أخرى يمكن أن تؤثر بصورة كبيرة في النوم.

وقضى المشاركون ليلة أولى داخل المختبر بهدف التأكد من عدم وجود مشكلات غير مكتشفة والتعود على بيئة النوم.

وبعد ذلك حافظوا على نمط نوم منتظم في المنزل لمدة سبعة أيام، قبل العودة إلى المختبر لقضاء ليلة كاملة خضعوا خلالها لتسجيل نشاط الدماغ.

واستخدم الباحثون أجهزة صغيرة توضع على فروة الرأس لتسجيل نشاط الدماغ من خلال تخطيط كهربية الدماغ «EEG».

وركز التحليل على إيقاعين عصبيين مرتبطين بالنوم، هما ثيتا أثناء نوم حركة العين السريعة «REM theta»، وهو إيقاع يرتبط بنشاط الذاكرة، وسيجما «sigma»، وهو إيقاع أسرع يرتفع قبل الدخول في مراحل نوم حركة العين السريعة.

النوم مفتاح مقاومة الدماغ للضغوط والتغيرات
النوم مفتاح مقاومة الدماغ للضغوط والتغيرات

تصوير الدماغ أثناء اليقظة

استخدم الفريق أيضًا جهاز تصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي بقوة 7 تسلا، وهو جهاز قوي يسمح بتتبع تغيرات دقيقة في الدم المرتبطة بنشاط الدماغ.

وخضع المشاركون لمهمتين مختلفتين أثناء النهار.

في المهمة الأولى، شاهد المشاركون مكعبًا يبدو وكأنه ينتقل بين اتجاهين مختلفين، وكان عليهم الضغط على زر عندما يتغير إدراكهم لاتجاه المكعب.

وكان الباحثون يتوقعون أن تؤدي هذه المهمة التي تعتمد بدرجة أكبر على المعالجة الداخلية إلى نشاط خلفي أقوى في الموضع الأزرق، مع دفعات استجابة أقل.

أما المهمة الثانية، فكانت تعتمد على الاستماع إلى أصوات منخفضة متكررة واكتشاف أصوات عالية نادرة بينها.

وكان المتوقع أن تؤدي هذه المهمة إلى نشاط خلفي أقل، مع ظهور دفعات أكبر من النشاط عندما يكتشف المشاركون الصوت المستهدف.

وأظهرت المهمتان نشاطًا في الجزء الأيسر من الموضع الأزرق.

وفي مجموعة أصغر من المشاركين، ارتبطت التغيرات في حجم حدقة العين خلال مهمة الأصوات باستجابة هذه المنطقة الدماغية.

لكن الباحثين يؤكدون أن هذه التجارب لم تقيس بصورة مباشرة النشاط المستمر أو الدفعات العصبية في الخلايا الفردية، وإنما استخدمت أنماط المهام لتقدير كيفية تفاعل المنطقة معها.

فقدان الإحساس بالوقت الفعلي. كما أن اضطراب النوم الناتج عن هذا الاستخدام يؤثر سلبًا على وظائف الدماغ
النوم

ماذا يحدث قبل نوم حركة العين السريعة؟

وجد الباحثون أنه في كلتا الفئتين العمريتين، ارتبطت الاستجابة الأقوى للموضع الأزرق خلال مهمة المكعب بارتفاع أكبر في نشاط موجات «ثيتا» أثناء نوم حركة العين السريعة.

وهذا يعني أن الإيقاع ظهر بقوة أكبر خلال الليل، وليس بالضرورة أن المشاركين ناموا لفترة أطول.

كما ارتبطت استجابة الموضع الأزرق خلال المهمة بزيادة نشاط «سيجما» خلال الدقيقة التي سبقت نوبات نوم حركة العين السريعة.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية لأن دراسات سابقة على الحيوانات ربطت ارتفاع نشاط «سيجما» بتغيرات في مستويات النورإبينفرين.

لكن الدراسة الحالية لم تقيس مادة النورإبينفرين بصورة مباشرة لدى البشر، ولذلك لا يمكن إثبات أن تغيراتها هي السبب وراء العلاقة التي رصدها الباحثون.

اختلاف مهم بين الشباب وكبار السن

أظهرت المهمة الثانية، الخاصة باكتشاف الأصوات العالية، نمطًا مختلفًا.

فبين المشاركين الأكبر سنًا، ارتبطت الاستجابة الأكبر للموضع الأزرق بانخفاض نشاط «ثيتا» أثناء نوم حركة العين السريعة.

أما لدى الشباب، فلم تظهر علاقة واضحة مماثلة.

ولم يجد الباحثون أيضًا ارتباطًا واضحًا بين نشاط الموضع الأزرق ونسبة الوقت الذي قضاه المشاركون في مرحلة نوم حركة العين السريعة، أو الوقت اللازم للوصول إلى هذه المرحلة.

كما لم تظهر علاقة واضحة مع مدة نوم حركة العين السريعة أو عدد مرات الاستيقاظ القصيرة خلال الليل.

النوم
النوم

التوازن قد يكون مفتاح العلاقة

تشير النتائج مجتمعة إلى احتمال أن يكون التوازن في نشاط الموضع الأزرق أكثر أهمية من مجرد ارتفاع النشاط أو انخفاضه.

وتفترض الدراسة أن نوم حركة العين السريعة قد يعمل بصورة أفضل عندما يظل النشاط الخلفي لهذه المنطقة ضمن نطاق متوازن.

فإذا كان النشاط منخفضًا للغاية أو مرتفعًا بصورة مفرطة، فقد يؤثر ذلك في قدرة المنطقة على إنتاج دفعات قصيرة من النشاط، كما قد يغير مقدار انخفاض النورإبينفرين قبل الدخول في نوم حركة العين السريعة.

لكن هذه الفكرة لا تزال فرضية تحتاج إلى اختبار مباشر.

فالتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي في الدراسة قاس نشاط الموضع الأزرق أثناء اليقظة، وليس أثناء النوم.

وبالتالي، استنتج الباحثون أن أنماط النشاط النهارية قد تعكس خصائص فردية مستقرة تظهر أيضًا خلال الليل، لكن إثبات ذلك يتطلب قياسات مباشرة لنشاط المنطقة أثناء النوم.

هل يمكن أن يكون النوم علامة مبكرة لألزهايمر؟

هنا تظهر أهمية الدراسة بالنسبة لأبحاث مرض ألزهايمر، الموضع الأزرق من المناطق التي يمكن أن تظهر فيها تغيرات مرتبطة ببروتين تاو في مراحل مبكرة من المرض.

لكن الدراسة الحالية لم تقيس بروتين تاو، ولم تختبر خطرًا وراثيًا للإصابة بألزهايمر، ولم تتابع المشاركين لمعرفة ما إذا كانوا سيصابون بالمرض مستقبلًا.

ولهذا، لا يمكن استخدام نتائجها حاليًا للتنبؤ بمن سيصاب بألزهايمر، وما تقدمه الدراسة هو دليل على وجود علاقة بين نشاط منطقة دماغية مرتبطة باليقظة وبين أنماط معينة من نشاط النوم.

وقد تصبح مثل هذه العلاقات في المستقبل جزءًا من مجموعة أكبر من المؤشرات التي يستخدمها العلماء لرصد التغيرات المبكرة في الدماغ.

النوم في هواء ملوث
تقلبات النوم

الاستيقاظات القصيرة قد تحمل معلومات إضافية

تأتي هذه النتائج في سياق أبحاث أخرى أجراها الفريق نفسه حول ما يعرف بـالاستيقاظات الدقيقة «Micro-arousals»، وهي دفعات قصيرة من نشاط الدماغ أثناء النوم لا تصل عادة إلى مرحلة الاستيقاظ الكامل.

وأشارت تلك الأبحاث، التي اعتمدت على مجموعة بيانات منفصلة، إلى أن هذه الاستيقاظات القصيرة قد لا تكون مجرد اضطرابات عابرة للنوم، وإنما يمكن أن تحمل معلومات عن صحة الدماغ.

وقال الباحث بونيت تالوار إن بعض أنماط هذه الاستيقاظات قد تكون مرتبطة بتراكم البروتينات المرتبطة بمرض ألزهايمر وزيادة قابلية الدماغ للتأثر.

لكن هذه النتائج منفصلة عن التجربة الحالية، ولا ينبغي دمجها معها باعتبارها دليلًا مباشرًا على أن الاستيقاظات الدقيقة تسبب ألزهايمر.

الدراسة لا تثبت علاقة سببية

من أهم النقاط التي يجب الانتباه إليها أن الدراسة وجدت ارتباطات إحصائية، وليس علاقة سببية.

بمعنى آخر، لا يمكن القول إن تغيير نشاط الموضع الأزرق سيؤدي بالضرورة إلى تحسين نوم حركة العين السريعة أو تعزيز الذاكرة.

كما لا يمكن الاستنتاج أن تحسين النوم سيمنع الإصابة بألزهايمر أو يبطئ تطور المرض.

ولم تختبر الدراسة أي تدخل علاجي، ولم تطلب من المشاركين تغيير عادات نومهم أو استخدام علاج معين، ثم قياس تأثير ذلك في الدماغ.

ولهذا، فإن أي حديث عن النوم باعتباره وسيلة للوقاية من ألزهايمر يحتاج إلى أدلة إضافية من دراسات تدخلية وطويلة الأجل.

عينة صغيرة تحد من قوة النتائج

تواجه الدراسة عددًا من القيود التي تمنع تحويل نتائجها في الوقت الحالي إلى أداة لفحص خطر ألزهايمر.

فعدد المشاركين كان محدودًا نسبيًا، ولم تضم مجموعة كبار السن سوى 18 شخصًا.

كما أن غالبية المشاركين كانوا من النساء، ما قد يحد من إمكانية تعميم النتائج على جميع السكان.

وكان هناك أيضًا اختلاف في توقيت التصوير بين المجموعتين العمريتين.

فقد خضع المشاركون الأصغر سنًا للتصوير في اليوم التالي لتسجيل النوم، بينما بلغ متوسط الفترة بين تسجيل النوم والتصوير لدى المشاركين الأكبر سنًا نحو 15.5 شهرًا.

وهذا الاختلاف الزمني يمكن أن يؤثر في تفسير العلاقة بين نشاط الدماغ أثناء النهار وأنماط النوم التي تم قياسها.

كذلك، يقيس التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي تغيرات في تدفق الدم والأكسجين، ولا يقيس النشاط الكهربائي للخلايا العصبية بصورة مباشرة.

الغذاء والنوم والكحول.. مفاتيح طول العمر في تقرير بريطاني مثير للجدل
النوم 

هل يمكن أن يصبح النوم أداة للكشف المبكر؟

يرى الباحثون أن النوم قد يتحول مستقبلًا إلى مؤشر يمكن الوصول إليه بسهولة أكبر لرصد بعض التغيرات المبكرة المرتبطة بقابلية الإصابة باضطرابات الدماغ.

لكن الطريق إلى ذلك لا يزال طويلًا، ولكي يصبح نمط معين من النوم أداة تنبؤية فعلية، يجب إثبات أنه قادر على التمييز بين الأشخاص الذين سيصابون بالمرض مستقبلًا وأولئك الذين لن يصابوا به.

ويحتاج العلماء أيضًا إلى معرفة مدى ثبات هذه المؤشرات عبر الزمن، وكيف تتأثر بالعمر والجنس ونمط الحياة والأدوية واضطرابات النوم والأمراض الأخرى.

كما يجب مقارنة مؤشرات النوم بعلامات حيوية أكثر مباشرة لألزهايمر، مثل بروتينات تاو وأميلويد، وقياسات الذاكرة والأداء الإدراكي.

النوم قد يصبح نافذة على صحة الدماغ

تقدم الدراسة صورة جديدة لعلاقة معقدة بين النوم واليقظة والذاكرة، من خلال منطقة صغيرة جدًا في جذع الدماغ تؤدي دورًا أكبر بكثير من حجمها.

فالنتائج تشير إلى أن نشاط الموضع الأزرق أثناء اليقظة يرتبط بإيقاعات محددة خلال نوم حركة العين السريعة، وأن هذه العلاقة تختلف جزئيًا مع التقدم في العمر.

لكن الأهم أن هذه النتائج لا تعني أن النوم يمكنه حاليًا تشخيص ألزهايمر، ولا أن اضطراب النوم يؤدي حتمًا إلى المرض.

إنها خطوة أولية نحو سؤال أكثر أهمية: هل يمكن أن تكشف الطريقة التي ينام بها الإنسان عن تغيرات في دماغه قبل سنوات من ظهور أعراض المرض؟

للإجابة عن هذا السؤال، يحتاج العلماء إلى دراسات أكبر تشمل أعدادًا أكثر تنوعًا من المشاركين، وقياسات مباشرة لنشاط الموضع الأزرق أثناء النوم، ومتابعة المشاركين لسنوات، إلى جانب قياس المؤشرات البيولوجية المرتبطة بألزهايمر.

ونُشرت الدراسة في Journal of Biomedical Science، وتضيف إلى الأدلة المتزايدة التي تبحث في النوم ليس فقط باعتباره حالة ضرورية لصحة الدماغ، وإنما أيضًا باعتباره نافذة محتملة لرصد التغيرات العصبية في مراحلها المبكرة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة