النفط والديون والتضخم.. كيف تهدد حرب إيران استقرار الاقتصاد الأميركي؟
الطاقة والتضخم والديون.. حرب إيران تضع واشنطن أمام اختبار اقتصادي صعب
دخل الاقتصاد الأميركي مرحلة من الحذر الشديد عقب تصاعد الصراع في الشرق الأوسط، إذ يرى مراقبون أن هذا التصعيد ضاعف من حدة الضغوط الهيكلية التي يعاني منها النظام المالي بالفعل.
ومع وصول عجز الموازنة إلى مستويات قياسية واقتراب التضخم الأساسي من حاجز 3 بالمئة، باتت الأسواق المالية تترقب انعكاسات قفزة أسعار النفط وتعطل سلاسل الإمداد العالمية، وسط تحذيرات من تلاشي “الهوامش المالية” التي كانت تتيح لواشنطن التدخل في أوقات الأزمات.
هذا التداخل بين الأعباء المالية القائمة والمتغيرات الجيوسياسية الطارئة يضع صناع القرار أمام تساؤلات جوهرية تتجاوز البعد العسكري لتضرب في عمق الاستقرار المعيشي والمالي: هل تعصف حرب إيران باستقرار الاقتصاد الأميركي المثقل بالديون؟ وهل ينجو الاقتصاد الأميركي من تداعيات الحرب في إيران؟ وهل تدفع هذه الحرب الأسواق الأميركية نحو انهيار لا يمكن تصحيحه؟

شبح “الركود التضخمي” وأزمة الطاقة
أوضح مقال نشرته وكالة “بلومبرج”، واطلعت عليه سكاي نيوز عربية، أن حرب إيران رفعت مستوى المخاطر الاقتصادية التي تواجه الولايات المتحدة من “مرتفع جداً” إلى مستوى “أقصى الحدود”.
وذكر كاتب المقال، كلايف كروك، أن هذا الضغط الجديد لا يأتي بمعزل عن الأزمات السابقة، بل يضاعف سلسلة من الضغوط الشديدة التي يواجهها الاقتصاد بالفعل، مما يجعل احتمالية خروجه من هذه الأزمة دون أضرار جسيمة أمراً غير مرجح.
وأشار الكاتب إلى أن الخطر المباشر يتمثل في حدوث انتكاسة داخل الأسواق المالية قد تخرج عن السيطرة، معتبراً أن هذا التراجع كان متوقعاً نتيجة المبالغة في تقييم الأسهم الأميركية، وعبء التعريفات الجمركية، وتدهور التوقعات المالية المستمر.
كما لفت كروك الانتباه إلى أرقام التضخم الأخيرة، مبيناً أن مؤشر أسعار المنتجين الأساسي، الذي يستثني الغذاء والطاقة، سجل ارتفاعاً بنسبة 0.8 بالمئة في يناير، وهو معدل أعلى بكثير من المتوقع.
وتصب مكوناته الرئيسية في مقياس الاحتياطي الفيدرالي المفضل، وهو تضخم نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي، الذي يسجل 3 بالمئة سنوياً حتى ديسمبر، وهو ما يزال أعلى بكثير من هدف الفيدرالي البالغ 2 بالمئة.
ويوم الإثنين، قدم معهد إدارة التوريدات (ISM) مزيداً من الأدلة، مشيراً إلى أن أسعار مدخلات التصنيع ترتفع بأسرع معدل لها منذ عام 2022.
وفيما يخص قطاع الطاقة، أفاد المقال بأن أسعار النفط بدأت في الارتفاع فور بدء الضربات، حيث يضع المحللون سيناريوهات لوصول البرميل إلى ما فوق 100 دولار في حال استمرار الصراع أو إغلاق مضيق هرمز.
وحذر الكاتب من أن هذا الارتفاع المستدام قد يعيد ذكريات السبعينيات من خلال حالة “الركود التضخمي”، وهو المزيج الذي يقف الاحتياطي الفيدرالي عاجزاً عن مواجهته.

هشاشة السياسة المالية والديون
على صعيد السياسة المالية، أوضح كروك أن قدرة الولايات المتحدة على توفير “خط دفاع” مالي باتت محل شك كبير، إذ إن وصول عجز الموازنة إلى 6 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي يعني أن الدين العام ينمو بشكل أسرع من الاقتصاد نفسه، وهو ما وصفه بالوضع “غير المستدام”.
كما لفت المقال إلى أن النكسات القانونية المتعلقة بالتعريفات الجمركية ستحرم الخزانة من إيرادات سنوية تقدر بـ150 مليار دولار، مما يقلص المساحة المالية المتاحة لواشنطن للرد على أي نكسة اقتصادية كبرى عبر خفض الضرائب أو زيادة الإنفاق العام.
واختتم كروك تحليله بالتأكيد على أن حالة عدم اليقين الخارجة عن السيطرة قد تكون الضربة القاضية للثقة في الأسواق. واعتبر أن سياسات الإدارة الحالية في مجالات التجارة والموازنة كانت تراهن بالفعل على كارثة مالية، إلا أن تصاعد الصراع في الشرق الأوسط قد ضاعف من حجم هذا الرهان، مما يضع القوة الاقتصادية الأميركية أمام اختبار امتصاص لا يُعرف مداه.

اقتصاد تحت ضغط الحرب
الأرقام والدروس التاريخية تكشف أن الاقتصاد الأميركي لم يعد يقف على الأرض الصلبة نفسها التي تمتع بها في عقود سابقة، واندلاع حرب إيران خلال الأيام الأخيرة يتقاطع مع نقاط ضعف مالية داخلية واضحة، تشمل ديوناً حكومية ضخمة، وعجزاً مالياً مزمناً، وإنفاقاً عسكرياً مرتفعاً، وتراجعاً تدريجياً في الثقة بالمؤسسات الاقتصادية.
والاقتصاد الأميركي يمتلك بالفعل عناصر قوة كبيرة، إلا أن هذه القوة لم تعد تمثل حصانة كاملة، فالحرب قد لا تكون سبب الأزمة الاقتصادية المقبلة بقدر ما قد تصبح الشرارة التي تكشف وتسّرع اختلالات مالية تراكمت على مدى سنوات.
هل الاقتصاد مهيأ لتحمل صدمة الحرب؟
والمؤشرات المالية الحالية توضح أن الاقتصاد الأميركي يدخل هذه الحرب في لحظة حساسة مالياً.
الدين والعجز:
بلغ الدين الفيدرالي القائم نحو 38.79 تريليون دولار في فبراير 2026، بينما يتوقع أن يصل العجز السنوي إلى نحو 1.9 تريليون دولار هذا العام، أي ما يقارب 5.8 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.
الإنفاق العسكري:
وصلت ميزانية الدفاع الأميركية المقترحة للسنة المالية 2026 إلى أكثر من 900 مليار دولار، وهي من أعلى المستويات في تاريخ الولايات المتحدة. ومع بدء العمليات العسكرية ضد إيران، يتوقع خبراء أن ترتفع النفقات الدفاعية بسرعة إذا طال أمد الصراع أو توسع إقليمياً.
التضخم وتكلفة خدمة الدين:
رغم تراجع التضخم إلى نحو 2.4 بالمئة في يناير 2026، فإن ارتفاع أسعار الفائدة خلال العامين الماضيين أدى إلى قفزة كبيرة في تكلفة خدمة الدين الحكومي، إذ أصبحت مدفوعات الفائدة من أكبر بنود الإنفاق الفيدرالي.
عوامل الصمود
ورغم التحديات، لا يزال الاقتصاد الأميركي يمتلك عدة عناصر قوة قد تساعده على احتواء تداعيات الحرب.
حجم الاقتصاد:
من المتوقع أن يصل الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة إلى نحو 29.8 تريليون دولار بحلول نهاية 2026، ما يجعله أكبر اقتصاد في العالم بفارق كبير.
التحول في قطاع الطاقة:
خلال العقد الأخير أصبحت الولايات المتحدة أحد أكبر منتجي النفط والغاز في العالم، بل تحولت إلى مصدر صافٍ للطاقة في بعض السنوات، ما يقلل من التأثير المباشر لارتفاع أسعار النفط على الاقتصاد المحلي مقارنة بما حدث خلال أزمة السبعينيات.
هيمنة الدولار:
لا يزال الدولار يمثل أكثر من 58 بالمئة من احتياطيات البنوك المركزية العالمية، كما تبقى السندات الأميركية أهم أصول الملاذ الآمن عالمياً، وهو ما يمنح واشنطن قدرة أكبر على تمويل العجز في أوقات الأزمات.
صدمة مالية عالمية محتملة
الخطر الأكبر يتمثل في احتمال حدوث صدمة في أسواق الطاقة، موضحاً أن ما بين 20 و30 بالمئة من تجارة النفط العالمية يمر عبر مضيق هرم، وإذا أدت الحرب إلى تعطيل الملاحة أو استهداف البنية التحتية للطاقة في الخليج، فقد ترتفع أسعار النفط بسهولة إلى أكثر من 100 دولار للبرميل.
كما شهدت أوروبا ارتفاعاً حاداً في أسعار الغاز الطبيعي، إذ قفز سعر الغاز الهولندي بنسبة تجاوزت 31 بالمئة ليصل إلى 58.6 يورو للميغاواط/ساعة، مسجلاً أعلى مستوى له منذ سنوات.
مرونة أميركية في مواجهة التقلبات
فالوضع الحالي لا يزال متقلباً للغاية نتيجة استمرار الحرب، وهو ما يحمل تداعيات كبيرة محتملة على الاقتصاد الأميركي والعالمي، وخطر الركود في الولايات المتحدة كان منخفضاً قبل بدء الهجوم، لكنه قد يرتفع إذا تحولت الحرب إلى صراع طويل الأمد يؤدي إلى ارتفاع كبير ومستمر في أسعار الطاقة.
والاقتصاد الأميركي ما يزال يتمتع بقدر من المرونة، خصوصاً بعد تحوله إلى مصدر صافٍ للنفط بفضل طفرة النفط الصخري، البيانات الحالية تشير إلى “مرونة لا ركوداً”، لكن الصورة النهائية ستعتمد على مسار الحرب خلال الأسابيع المقبلة، وما إذا كانت ستبقى صدمة محدودة أم بداية أزمة اقتصادية أوسع.





