كربون عمره 25 ألف عام يصل إلى البحر.. مفاجأة تكشفها ميكروبات القطب الشمالي
تآكل سواحل القطب الشمالي يطلق كربونًا عمره آلاف السنين إلى البحر.. والبكتيريا بالكاد تلتهمه
كشفت دراسة علمية جديدة أن تآكل سواحل القطب الشمالي ينقل كربونًا عضويًا قديمًا مخزنًا في التربة الصقيعية إلى البحر، لكن ميكروبات قاع المحيط لا تستهلك هذا الكربون بالسرعة التي كان العلماء يتوقعونها، إذ تفضل البكتيريا مصادر الكربون البحرية الحديثة، خاصة تلك القادمة من الطحالب.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة في ظل تسارع ذوبان التربة الصقيعية وتآكل السواحل القطبية مع ارتفاع درجات الحرارة، إذ تحتوي التربة الصقيعية في القطب الشمالي على نحو 1.4 تريليون طن من الكربون في صورة مواد عضوية ميتة.
وكان العلماء يخشون أن يؤدي وصول هذه الكميات الهائلة من الكربون القديم إلى قاع البحر إلى تحللها بواسطة الميكروبات وتحولها إلى ثاني أكسيد الكربون، بما يزيد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
لكن الدراسة الجديدة تشير إلى أن معظم الكربون القديم الذي يصل إلى قاع البحر لا يتحول سريعًا إلى ثاني أكسيد الكربون بواسطة الميكروبات.
ونُشرت الدراسة كاملة في مجلة Nature Geoscience.

كربون عمره 25 ألف عام يصل إلى البحر
أجرى الباحثون دراستهم قبالة جزيرة كيكيقتاروك، المعروفة أيضًا باسم جزيرة هيرشل، الواقعة قبالة ساحل يوكون الكندي في بحر بوفورت.
وتتميز المنطقة بوجود تربة صقيعية غنية بالجليد، ما يجعل السواحل شديدة الحساسية للتآكل والانهيار مع ارتفاع درجات الحرارة وذوبان الجليد الأرضي.
ويُقدر أن ما يصل إلى 16.5 مليون طن من الكربون المخزن في التربة الصقيعية يصل إلى المحيط المتجمد الشمالي كل عام، وتشير تقديرات سابقة إلى أن هذه الكمية قد ترتفع بنسبة تتراوح بين 70 و150% بحلول عام 2100.
وخلال بعثة علمية في يوليو 2022، جمع الباحثون عينات من الرواسب في قاع البحر من موقعين قبالة الجزيرة.
وأُخذت إحدى العينات من منطقة تبعد نحو 250 مترًا عن الشاطئ، في مياه يبلغ عمقها 5.8 متر، أسفل مجرى مائي يصرف المياه من منحدرين تعرضا للانهيار.
وكانت طبقة الطين التي جرى استخراجها بسمك 28 سنتيمترًا قد تراكمت خلال نحو 50 عامًا.
وأظهرت التحاليل أن 41% من الكربون الموجود في هذه الرواسب جاء من التربة الصقيعية التي تعود إلى العصر الجليدي.
أما الموقع الثاني، فكان يبعد نحو 3.2 كيلومتر عن الشاطئ، وفي مياه يبلغ عمقها 45 مترًا، وبلغت نسبة الكربون القادم من التربة الصقيعية القديمة 65% من إجمالي الكربون الموجود في الرواسب.
البكتيريا تفضل الكربون البحري الحديث
تحتوي رواسب قاع البحر على مياه بين حبيبات الطين والرمل، وتعيش فيها أعداد كبيرة من البكتيريا التي تتغذى على المواد العضوية المدفونة، ثم تنتج ثاني أكسيد الكربون خلال عملية التحلل.
لكن الباحثين اكتشفوا أن هذه الميكروبات لا تتعامل مع جميع مصادر الكربون بالطريقة نفسها.
واعتمد الفريق على تحليل نظائر الكربون، وهي أشكال مختلفة قليلًا من العنصر نفسه، للكشف عن مصدر الكربون الذي تستهلكه الكائنات الدقيقة.
وتحمل النباتات البرية والطحالب البحرية بصمات مختلفة من نظائر الكربون، كما أن الكربون-14، وهو نظير مشع للكربون، يتحلل بمرور الوقت، ولذلك لا تكاد تبقى منه آثار في النباتات والمواد العضوية التي تجمدت منذ العصر الجليدي الأخير.
وأظهرت النتائج أن الكربون الذي كانت البكتيريا تستهلكه وتعيد إطلاقه من الرواسب كان أصغر عمرًا بكثير من الكربون القادم من التربة الصقيعية.
فقد بلغ متوسط عمر الكربون الذي استهلكته البكتيريا نحو 4800 عام في الموقع الساحلي، ونحو 2300 عام في الحوض البحري الأعمق، في حين يبلغ عمر الكربون القادم من التربة الصقيعية القطبية نحو 25 ألف عام.

الطحالب تتفوق على الكربون القديم
كشفت الدراسة عن تفضيل واضح لدى ميكروبات قاع البحر للكربون البحري الحديث.
فعلى الرغم من أن الطحالب لم تمثل سوى 4% من الكربون الموجود في الرواسب في الموقع الساحلي، فإنها شكلت نحو 48% من الكربون الذي خرج من الرواسب بعد استهلاكه وتحويله بواسطة الكائنات الدقيقة.
وفي الموقع البحري الأعمق، شكلت الطحالب نحو 11% من الكربون الموجود في الرواسب، لكنها ساهمت بنحو 69% من الكربون الذي خرج من الرواسب.
وتشير هذه النتائج إلى أن البكتيريا لا تتجه بالضرورة إلى أقدم وأكثر مصادر الكربون وفرة، بل تفضل المواد العضوية البحرية الطازجة التي يسهل استهلاكها.
وقال مانويل روبن، الباحث في معهد ألفريد فيجنر وقائد الدراسة، إن هذه النتيجة لا تعني أن الكربون الموجود في التربة الصقيعية يمثل خبرًا جيدًا للمناخ.
وأوضح أن وصول كميات أكبر من هذا الكربون إلى البحر كل عام نتيجة ذوبان التربة وتآكل السواحل يعني أن كمية الكربون التي يمكن أن تتحول إلى غازات دفيئة مستقبلًا ستكون أكبر مما كانت عليه في الماضي.
أقل من عُشر الكربون القديم يتحول إلى ثاني أكسيد الكربون
قدّر الباحثون أن البكتيريا الموجودة في رواسب قاع البحر تحول ما بين 2.3 و9.7% من الكربون القادم من العصر الجليدي إلى ثاني أكسيد الكربون بعد استقراره في الرواسب.
وبالنسبة إلى الكربون الأصغر سنًا، القادم من التربة السطحية الذائبة وبقايا النباتات الحديثة نسبيًا، تراوحت النسبة بين 2.9 و15%.
وتشير هذه الأرقام إلى أن الميكروبات تستهلك جزءًا محدودًا نسبيًا من الكربون القديم بمجرد وصوله إلى قاع البحر.
لكن الباحثين حذروا من تفسير هذه النتيجة باعتبارها اختفاءً للخطر المناخي، إذ قد يكون الجزء الأكثر قابلية للتحلل من الكربون قد فقد بالفعل قبل أن يصل إلى قاع البحر.
لماذا لا تستهلك البكتيريا الكربون القديم؟
طرح الباحثون احتمالين رئيسيين لتفسير هذه الظاهرة.
الأول أن الجزء الأكثر سهولة في التحلل من الكربون القادم من التربة الصقيعية قد لا يصل أصلًا إلى قاع البحر، إذ يمكن أن يذوب أو يتحلل أثناء انتقاله من الشاطئ إلى المياه البحرية.
أما الاحتمال الثاني فيتعلق بظروف التجارب السابقة التي أجريت في المختبر، حيث وُضع الكربون القادم من التربة الصقيعية في ظروف منفصلة، دون وجود مصادر أخرى أكثر سهولة في الاستهلاك مثل الطحالب البحرية.
وفي البيئة الطبيعية، عندما تكون هناك كميات كبيرة من المواد العضوية الطازجة الناتجة عن ازدهار الطحالب، قد تختار البكتيريا هذه المواد أولًا وتترك الكربون القديم في الرواسب.
ويرى الباحثون أن الأمر يعتمد على الظروف المحلية، بما في ذلك كمية الكربون القادم من التربة الصقيعية، ومستويات الأكسجين في الرواسب، وحجم ازدهار الطحالب البحرية.

مفارقة مناخية في قاع المحيط
تقدم الدراسة صورة أكثر تعقيدًا لدورة الكربون في القطب الشمالي، فذوبان التربة الصقيعية وتآكل السواحل يطلقان كميات ضخمة من الكربون القديم إلى البيئة البحرية، لكن وصول هذا الكربون إلى البحر لا يعني بالضرورة تحوله بالكامل إلى ثاني أكسيد الكربون.
وفي المقابل، قد تكون المواد العضوية البحرية الحديثة أكثر أهمية بالنسبة إلى نشاط الميكروبات في قاع البحر، حتى عندما تمثل جزءًا صغيرًا من إجمالي الكربون الموجود في الرواسب.
وأظهرت دراسة سابقة للفريق نفسه في أحد المضايق البحرية في سفالبارد أن نحو 70% من الكربون الموجود في أغشية الخلايا الميكروبية جاء من مصادر بحرية، رغم أن الرواسب نفسها كانت تحتوي على نحو 5% فقط من الكربون البحري.
ويشير ذلك إلى أن الميكروبات قد تكون قادرة على التبديل بين مصادر الغذاء المختلفة، لكنها تستفيد أولًا من الكربون الأسهل والأكثر حداثة عندما يكون متاحًا.
نتائج مهمة.. لكن الدراسة لها حدود
أكد الباحثون أن الدراسة لا تقدم إجابة نهائية بشأن مصير الكربون القادم من التربة الصقيعية في المحيط المتجمد الشمالي.
فالعينات جُمعت من موقع واحد وجزئين فقط من الرواسب، كما اعتمد بعض الحسابات على نتائج من دراسات أخرى.
كما أن تقدير كمية الكربون الموجود في التربة الصقيعية يمثل حدًا أقصى وليس رقمًا دقيقًا نهائيًا، بسبب احتمال تسرب الكربون المذاب من طبقات أعمق من الرواسب إلى الطبقات التي جرى تحليلها.
وقد يأتي جزء من الكربون المذاب من المعادن التي تتحلل في الرواسب، وليس بالضرورة من مواد عضوية استهلكتها الكائنات الحية.
كما لم تشمل الدراسة الميثان ضمن الحسابات، ولم تقيس بصورة مباشرة كمية الأكسجين التي تستخدمها البكتيريا المسؤولة عن استهلاك المواد العضوية وإنتاج ثاني أكسيد الكربون.
وهناك نقطة أخرى مهمة، وهي أن الدراسة لم تتتبع الجزء الأكثر قابلية للتحلل من الكربون أثناء انتقاله من الساحل إلى قاع البحر، ما يعني أن جزءًا من الكربون قد يتحول إلى غازات دفيئة قبل وصوله إلى الرواسب.

القطب الشمالي يدخل مرحلة بحثية جديدة
يخطط الباحثون لمواصلة دراسة التغيرات السريعة في المياه الساحلية للقطب الشمالي، ومتابعة تأثير تآكل السواحل وذوبان التربة الصقيعية على النظم البيئية البحرية.
ومن المقرر أن تنطلق حملة بحثية جديدة في عام 2027 تحت اسم Arctic Pulse، بمشاركة فرق علمية تعمل على متن كاسحة الجليد البحثية «بولارسترن»، إضافة إلى طائرات بحثية وفرق ميدانية على اليابسة.
وتهدف الحملة إلى فهم سرعة تغير البيئات الساحلية في القطب الشمالي، وكيف تؤثر هذه التغيرات في الكائنات الحية التي تعتمد على هذه المناطق.
وتبرز الدراسة في النهاية حقيقة مهمة: الكربون القديم المخزن في التربة الصقيعية لا يختفي بمجرد وصوله إلى البحر، ولا يتحول بالضرورة سريعًا إلى ثاني أكسيد الكربون، لكنه يظل جزءًا من دورة كربون قطبية تتغير مع ارتفاع حرارة الأرض وتراجع استقرار السواحل المتجمدة.





