الفقراء يدفعون ثمن المناخ.. 32 دولة معرضة للخطر ونسبتها في الانبعاثات العالمية أقل من 7%
تقرير سياسي يكشف العلاقة بين التلوث والفقر في الدول الأكثر عرضة للمناخ
تغيّر المناخ لم يعد خطرًا بعيدًا أو مجرد تهديد نظري للدول منخفضة الدخل، بل أصبح قوة نظامية حقيقية تؤثر على قدرة الأسر على الكسب والإنفاق والبقاء.
دراسة دولية تربط بين تلوث الهواء وارتفاع درجات الحرارة وتدهور مستويات المعيشة في 32 دولة شديدة التأثر بالمناخ، وتوصي بسياسات حماية اجتماعية متكاملة.
الدراسات الحديثة تشير إلى أن تأثيرات المناخ تعيد تشكيل ديناميات الفقر، خصوصًا في الدول الأكثر عرضة للكوارث المناخية، حيث يمكن أن تعكس الإنجازات التنموية السابقة إذا لم تُتخذ تدابير فعّالة للتكيّف والتخفيف.
تشير التقييمات العالمية إلى أن تأثيرات تغيّر المناخ تمثل عقبة رئيسية أمام جهود الحدّ المستدام من الفقر، وأنه بدون سياسات تكيّف قوية، قد يرتفع عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر المدقع.
وأبرزت تقارير البنك الدولي أن الصدمات المناخية والتغيرات التدريجية في درجات الحرارة تزيد من التعرض للفقر وتبطئ جهود الحد منه.

الهواء الملوث والفقر: حلقة متشابكة من المخاطر
يُعد تلوث الهواء عاملاً مؤثرًا على الفقر، حيث تشير بيانات عالمية إلى أن ملايين الأشخاص الفقراء يعيشون في مناطق تتجاوز فيها تركيزات الجسيمات الدقيقة PM2.5 المستويات الآمنة، ما يزيد المخاطر الصحية والاقتصادية.
دراسة Rentschler & Leonova (2023) إلى أن 7.3 مليار شخص حول العالم يتعرضون لمستويات خطرة من PM2.5، 80٪ منهم في دول منخفضة ومتوسطة الدخل.
ومن هؤلاء، يعيش 716 مليون شخص من أفقر السكان (أقل من 1.90 دولار يوميًا) في مناطق ملوثة، معظمهم في أفريقيا جنوب الصحراء.

الدول الأكثر هشاشة: ضحايا أزمة لا تسببها
من الجدير بالذكر أن مساهمة الدول الأكثر عرضة للكوارث المناخية في انبعاثات الغازات الدفيئة العالمية ضئيلة للغاية، لكنها تتحمل الأضرار الكبرى. على سبيل المثال، تمثل مساهمة بنجلاديش 0.52٪ فقط من إجمالي الانبعاثات العالمية، لكنها تتعرض بشكل متكرر للفيضانات والأعاصير وارتفاع مستوى البحر وإجهاد حراري مطوّل.

بين 2017 و2021، ارتفعت حدة الظواهر الجوية المتطرفة في بنجلاديش بنسبة 46٪، وتسببت في أضرار مباشرة بقيمة 14,421.5 كرور تاكا في 2024، أي ما يعادل 1.8٪ من الميزانية الوطنية لعام 2025، مع آثار فورية على ملايين الأسر.
دول أخرى تعاني نفس السيناريو: في موزمبيق، تسبب إعصار إيدا (2019) بخسائر قدرها 3 مليارات دولار وأثر على أكثر من 1.5 مليون شخص، مما أزال سنوات من المكاسب التنموية المحلية.
وفي تونجا، أسفرت الثورات البركانية والتسونامي في 2022 عن أضرار تعادل 18.5٪ من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.
في باكستان، تسببت الفيضانات في 2022 في نزوح نحو 7.9 مليون شخص، وخسائر تجاوزت 30.1 مليار دولار، ما دفع ملايين السكان نحو الفقر .

حتى دول متوسطة الدخل مثل الفلبين تواجه خسائر سنوية من الأعاصير تعادل 1.2٪ من الناتج المحلي الإجمالي.
هذه الحقائق تبرز أن 32 دولة معرضة للمناخ تشكل أقل من 7٪ من الانبعاثات العالمية لكنها تتحمل أضرارًا غير متناسبة.
مسارات التأثير: من الحرارة والفيضانات إلى الأمن الغذائي
تغيّر المناخ يؤثر على الفقر عبر عدة قنوات مترابطة: ارتفاع درجات الحرارة وتلوث الهواء والصدمات الهيدرومناخية تقلل من إنتاجية العمال وتزيد النفقات الصحية، بينما تدمر الفيضانات والجفاف الأصول الإنتاجية وترفع أسعار المواد الغذائية، كل ذلك يقلل من استهلاك الأسر ويزيد من معدلات الفقر .
آثار هذه الصدمات أكثر حدة على الأسر منخفضة الدخل، ما قد يخلق حلقة من الفقر المستمر.
الأمن الغذائي يمثل قناة رئيسية أخرى: في بنجلاديش، تؤدي الفيضانات والجفاف إلى اضطرابات في الإنتاج الزراعي، ما يزيد من هشاشة الأسر، خصوصًا النساء، ويؤثر على رفاهية جميع أفراد الأسرة.

في أفريقيا جنوب الصحراء، تواجه النيجر وبوركينا فاسو موجات جفاف متكررة تؤدي إلى فشل المحاصيل وسوء تغذية الأطفال.
وفي أمريكا الوسطى، تقع غواتيمالا ونيكاراغوا في “الممر الجاف”، ما يزيد من الفقر الريفي والضغوط على الهجرة .
سياسات التكيف والتخفيف: أدوات لتعزيز الصمود
التدخلات السياسية المصممة بعناية يمكن أن تحقق فوائد كبيرة، مثل تحسين جودة الهواء وخلق فرص عمل خضراء جديدة، في حين أن الإجراءات غير الموجهة قد تزيد من الهشاشة إذا لم تُدعم بالحماية الاجتماعية .
بالتالي، يجب النظر إلى سياسات المناخ والفقر كجدول أعمال مترابط لتعزيز التنمية المستدامة.

النتائج الاقتصادية الكلية: الانبعاثات والدخل مقابل الرفاهية
تحليل بيانات 32 دولة معضة للمناخ خلال الفترة 1996–2020 أظهر أن الضغوط البيئية مثل PM2.5 والحرارة العالية تقلل من استهلاك الأسر بشكل ملموس: زيادة 1٪ في PM2.5 تقلل من الاستهلاك بنسبة 0.32٪، بينما تؤدي زيادة 1٪ في مؤشر الحرارة HI35 إلى انخفاض الاستهلاك بنسبة 0.49٪.
في المقابل، يرتبط الناتج المحلي للفرد والانبعاثات الكلية إيجابياً بالاستهلاك، ما يعكس التوتر بين النمو قصير الأجل والمخاطر المناخية طويلة الأجل.

التوصيات السياسية: مسارات نحو صمود أسر أكثر قوة
-
خطط الحماية من الحرارة الحضرية: إنشاء مساحات عامة مظللة، حماية العمال من الحر، وتحسين الاستعداد الصحي.
-
الانتقال إلى الطاقة النظيفة والنقل الأخضر: تقليل التعرض لـ PM2.5 وتحقيق أهداف المناخ.
-
دمج الحماية الاجتماعية مع التكيف المناخي: دعم الأسر الفقيرة بمدخلات زراعية مقاومة للتغيرات المناخية.
-
تعزيز الزراعة الذكية مناخياً وفرص العمل الخضراء: تثبيت الأمن الغذائي وتنويع مصادر الدخل.
-
آليات مالية لتعزيز الصمود: تسهيلات ائتمانية، تأمينات قائمة على المؤشرات المناخية، ومنصات ادخار رقمية.
-
الاستثمار في البنية التحتية المقاومة والتكيف المحلي: ملاجئ الأعاصير، طرق مقاومة للفيضانات، حلول طبيعية مجتمعية.
-
تعزيز التنسيق السياسي والحكومي الشامل: دمج خرائط التعرض للمخاطر مع الحماية الاجتماعية والتمويل المناخي، مع التركيز على الفئات الهشة.





