أهم الموضوعاتأخبارالتنمية المستدامة

الفحم الحيوي يعيد تشكيل دور ميكروبات التربة في سحب الكربون من الهواء

أسرار تحت الأرض.. الأرز والفحم الحيوي وميكروبات التربة معادلة جديدة لاحتجاز الكربون

غالبًا ما تبدو التربة مادة هامشية في حياتنا اليومية. نسير فوقها، ونزرع فيها، ونادرًا ما نفكر في دورها الأعمق. وفي النقاشات المناخية، غالبًا ما يتم تجاوزها لصالح الغابات أو المحيطات أو التقنيات الحديثة.

لكن هذا التجاهل يحمل أهمية كبيرة؛ فالتربة لا تقتصر على تخزين الكربون الذي تتركه النباتات، بل تشغّل عمليات بيولوجية نشطة تشكّل مخرجات المناخ يوميًا.

الميكروبات التي تعيش تحت سطح الأرض قادرة على سحب ثاني أكسيد الكربون من الهواء وتحويله إلى مادة عضوية، من دون الحاجة إلى ضوء الشمس أو الأوراق.

تسلّط دراسة حديثة الضوء على هذه العملية الخفية، موضحةً كيف يؤثر نوع التربة وجذور النباتات والفحم الحيوي في تثبيت الكربون الميكروبي داخل الأراضي الزراعية، كما تتحدى الطريقة التقليدية التي يتم بها فهم تخزين الكربون في التربة الزراعية.
ونُشرت الدراسة في دورية «Biochar».

كيف تلتقط ميكروبات التربة الكربون؟

تركز معظم دراسات الكربون في التربة على المسارات النباتية، حيث يدخل الكربون عبر الجذور وبقايا النباتات والمدخلات العضوية، ثم تقوم الميكروبات بتفكيكه وإعادة تدويره.

لكن الميكروبات ذاتية التغذية تعمل بطريقة مختلفة؛ إذ تقوم بتثبيت ثاني أكسيد الكربون مباشرة مستخدمة طاقة كيميائية بدلًا من ضوء الشمس. وتعتمد هذه العملية على دورة كالفن وإنزيم «روبيسكو»، وهو الإنزيم نفسه الذي تستخدمه النباتات.

ظلت هذه الآلية تعمل بصمت داخل التربة الزراعية، ولم يتم قياس حجمها أو محركاتها بدقة إلا مؤخرًا. وتغيّر الدراسة الجديدة هذه الصورة من خلال تتبع الجينات المسؤولة عن تثبيت الكربون الميكروبي في ظروف حقلية حقيقية.

الجينات تكشف مثبتات الكربون
ركز الباحثون على جينين ميكروبيين هما cbbL وcbbM، وكلاهما يرمز لشكل مختلف من إنزيم «روبيسكو»، يعمل كل منهما في ظروف بيئية مغايرة.
ظهرت الميكروبات الحاملة لجين cbbL في جميع أنواع التربة المدروسة، وكانت المسؤولة عن الجزء الأكبر من نشاط تثبيت الكربون، أما الميكروبات التي تحمل جين cbbM فكانت أقل انتشارًا، لكنها ارتبطت بنشاط إنزيمي مرتفع في ظروف محددة.

أتاح التحليل الجيني الربط المباشر بين هوية الميكروبات ووظيفتها، بدلًا من الاعتماد على التقديرات غير المباشرة.

تشكيل دور ميكروبات التربة في سحب الكربون من الهواء
تشكيل دور ميكروبات التربة في سحب الكربون من الهواء

التربة المغمورة تعزز التقاط الكربون

قارن الباحثون بين حقول الأرز المغمورة بالمياه والأراضي الزراعية الجافة جيدة التهوية، وهي نظم تختلف جذريًا في توفر الأكسجين والمياه والكيمياء الحيوية.

وأظهرت حقول الأرز مستويات أعلى بكثير من تثبيت الكربون الميكروبي، إذ خلقت التربة المغمورة تدرجات كيميائية دعمت الميكروبات ذاتية التغذية، ووفرت مصادر طاقة لا تتوافر في التربة الجافة.

وقال الباحث الرئيسي شياومين تشو من جامعة آرهوس: «تُظهر نتائجنا أن تربة الأرز، خصوصًا حول جذور النباتات، تُعد نقاطًا ساخنة لتثبيت الكربون الميكروبي، وهي عملية جرى تجاهلها إلى حد كبير في أبحاث كربون التربة».

أما الأراضي الجافة فدعمت أيضًا ميكروبات مثبتة للكربون، لكن بمستويات أقل، نظرًا لاختلاف الظروف الهوائية.

تشكيل دور ميكروبات التربة في سحب الكربون من الهواء
تشكيل دور ميكروبات التربة في سحب الكربون من الهواء

الجذور تضاعف النشاط الميكروبي

لعبت جذور النباتات دورًا محوريًا في كلا النظامين. فقد برز نطاق الريزوسفير، وهو المنطقة الضيقة المحيطة بالجذور، كمركز رئيسي للنشاط الميكروبي.

تفرز الجذور مركبات عضوية تغذي الميكروبات وتغير كيمياء التربة المحلية، وكان هذا التفاعل أكثر وضوحًا في تربة الأرز المغمورة.

بلغ نشاط إنزيم «روبيسكو» ذروته بالقرب من الجذور، وليس في التربة السائبة، ما يؤكد أن التفاعل بين النبات والميكروبات يعزز تثبيت الكربون حتى عندما تعتمد الميكروبات على ثاني أكسيد الكربون بدلًا من كربون النبات.

تشكيل دور ميكروبات التربة في سحب الكربون من الهواء
تشكيل دور ميكروبات التربة في سحب الكربون من الهواء

الفحم الحيوي يغير خريطة الميكروبات

دخل الفحم الحيوي التجربة بوصفه مُحسّنًا شائع الاستخدام للتربة، حيث يُنتَج من تسخين المخلفات الزراعية في ظروف منخفضة الأكسجين.

ولم تُظهر النتائج تأثيرًا موحدًا؛ إذ لم يعزز الفحم الحيوي تثبيت الكربون في جميع أنواع التربة، بل أعاد تشكيل المجتمعات الميكروبية بطرق محددة.

في تربة الأرز، قلل الفحم الحيوي من الميكروبات الحاملة لجين cbbM، والتي غالبًا ما ترتبط بنشاط مرتفع لإنزيم «روبيسكو» في ظروف منخفضة الأكسجين.

وأوضح تشو: «الفحم الحيوي لا يضيف الكربون إلى التربة فحسب، بل يغير أيضًا أي الميكروبات تكون نشطة وكيفية تدفق الكربون داخل النظام الأرضي، ما يخلق مفاضلات بين مسارات تثبيت الكربون المختلفة».

المغذيات توجه عمل الميكروبات

ارتبط تثبيت الكربون الميكروبي ارتباطًا وثيقًا بدورة النيتروجين. فقد أثرت وفرة المغذيات في تحديد المجموعات الميكروبية المهيمنة.

في تربة الأرز، تحكم النيتروجين غير العضوي وجهد الأكسدة والاختزال في أنماط النشاط، بينما لعبت الكتلة الحيوية الميكروبية والكربون والنيتروجين المتاحان دورًا أكبر في الأراضي الجافة.

كما ارتبط تثبيت الكربون بعمليات أخرى مثل اختزال النيتروجين ودورة الحديد وأيض الميثان وإزالة سمية الزرنيخ.

إعادة التفكير في كربون التربة

تُظهر الدراسة أن تثبيت الكربون الميكروبي يعمل بمعزل عن بقايا النباتات، ويتأثر بإدارة المياه وأشكال المغذيات والتنافس الميكروبي.

وقال تشو: «هذه الميكروبات تقف عند تقاطع العديد من الدورات الغذائية، ويمكن لإدارة التربة لدعمها أن تحقق فوائد متعددة، من التخفيف المناخي إلى تحسين صحة التربة وقدرة المحاصيل على الصمود».

واختتمت الدراسة بالتأكيد على أن الفحم الحيوي أداة مفيدة، لكنه ليس حلًا شاملًا، وأن الزراعة الذكية مناخيًا تحتاج إلى تجاوز النماذج النباتية التقليدية، والاعتراف بالدور النشط الذي تؤديه ميكروبات التربة يوميًا في مواجهة تغير المناخ.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading