أخبارالتنوع البيولوجيتغير المناخ

الضوضاء تحت الماء تهدد الحياة البرية في القطب الشمالي مع ذوبان الجليد

ذوبان الجليد يجعل بحار القطب الشمالي أكثر ضجيجًا

كان القطب الشمالي في الماضي منطقة تخفف كثيرًا من الضوضاء البشرية. فقد كان الجليد البحري السميك يحجب الأمواج، ويحد من حركة السفن، ويُبقي الأنشطة الصناعية بعيدة، لكن هذا الهدوء الطبيعي يتلاشى سريعًا.

ومع ذوبان الجليد، يتزايد الوجود البشري في المنطقة. مزيد من السفن والطائرات والدراجات الثلجية أصبحت تتحرك هناك، مصحوبة بتأثير غالبًا ما يتم تجاهله: الضوضاء تحت الماء التي تنتشر لمسافات بعيدة وتظل عالقة حتى بعد مرور المحركات.

الصوت عنصر أساسي في حياة القطب الشمالي

تحت سطح الماء، يؤدي الصوت دورًا يماثل دور الرؤية على اليابسة، تعتمد العديد من كائنات القطب الشمالي عليه في التنقل والتواصل والصيد وتجنب المخاطر.

وعندما تملأ الأصوات البشرية المياه، تصبح هذه الإشارات الحيوية أصعب في الرصد، وقد تضطر الحيتان والفقمات إلى مغادرة مناطق تغذيتها أو مسارات هجرتها المعتادة، أو تغيير سلوكها بطرق تستهلك مزيدًا من الطاقة والوقت.

ولا تقتصر التأثيرات على الحياة البرية وحدها. ففي كثير من المجتمعات الشمالية، لا يزال الصيد البحري والبري مصدرًا رئيسيًا للغذاء، وعندما تدفع الضوضاء الحيوانات بعيدًا عن مناطقها المعروفة، تصبح رحلات الصيد أطول وأكثر تقلبًا.

كما قد تختل الأنماط الموسمية التي اعتاد عليها الصيادون، ما يزيد من الضغوط في مناطق تفرض فيها الظروف المناخية القاسية تحديات كبيرة بالفعل.

ذوبان الجليد

من أين تأتي الضوضاء؟

غالبًا ما تُتهم السفن التجارية الكبرى بأنها المصدر الرئيسي للضوضاء، لكنها ليست الوحيدة. فالمشهد الصوتي الحديث في القطب الشمالي يشمل مصادر أخرى أقل وضوحًا.

الدراجات الثلجية التي تتحرك فوق الجليد قرب السواحل، والطائرات التي تحلق فوق المنطقة، والقوارب الصغيرة القريبة من التجمعات السكنية، كلها تسهم في رفع مستويات الضوضاء تحت الماء.

وتكمن أهمية هذا التنوع في أن كل وسيلة تنتج نوعًا مختلفًا من الأصوات. فبعض هذه المصادر يولد ترددات أعلى من النطاقات التي تركز عليها القوانين والأنظمة الرقابية عادة.

وعندما يقتصر الرصد على نطاق ترددي ضيق، قد يتم تجاهل جزء كبير من الضوضاء التي تؤثر فعليًا في الحيوانات والبشر.

تدهور وذوبان الأنهار الجليدية

عقد كامل من الاستماع

لمعالجة هذه الفجوة، حلل باحثون من جامعة باث البريطانية بيانات صوتية جُمعت على مدار عشر سنوات من مناطق في القطب الشمالي الكندي.

وقدمت الدراسة إطارًا عمليًا لرصد الضوضاء تحت الماء في بيئة تتغير فيها ظروف الجليد والطقس والنشاط البشري من موسم إلى آخر.
وقد نُشرت الدراسة في مجلة npj Acoustics العلمية، وأظهرت النتائج بوضوح أن الغطاء الجليدي يؤثر بشدة في مستويات الصوت، ما يعني أن القواعد المصممة للمياه المفتوحة في المناطق الجنوبية قد لا تصلح للبيئات القطبية.

فالقطب الشمالي لا يختلف فقط في كائناته وأنماط الملاحة فيه، بل تحكمه فيزياء مختلفة؛ إذ يمكن للجليد أن يحجب الصوت أو يشتته أو يعيد تشكيله، ما يجعل المعايير الموحدة غير فعالة.

ذوبان الجليد في القطب الشمالي

إعادة التفكير في حدود الضوضاء

تطرح الدراسة إشكالية سياسية وتنظيمية مباشرة، فبعض الأطر البيئية، مثل التوجيه الأوروبي للاستراتيجية البحرية، تعتمد على نطاقات ترددية منخفضة مرتبطة بحركة الشحن لقياس التلوث الضوضائي.

ويرى فريق جامعة باث، أن هذه النطاقات لم تعد تعكس واقع القطب الشمالي الحالي، حيث تتعدد أنواع السفن والأنشطة البشرية وتتسع نطاقات الترددات الصوتية.

لذلك يدعو الباحثون الجهات الدولية والسلطات التنظيمية إلى مراجعة الحدود المعتمدة للضوضاء تحت الماء في المناطق القطبية.

ولا يهدف هذا الطرح إلى وضع معايير جديدة اعتباطية، بل إلى قياس ما يحدث فعليًا عبر نطاق أوسع من الترددات، وبناء القرارات على بيانات مستمدة من ظروف القطب الشمالي نفسه، لا من نماذج مأخوذة من مناطق أقل برودة.

مياه مفتوحة تعني أصواتًا أعلى

يشهد القطب الشمالي تغيرًا متسارعًا بفعل تغير المناخ، بمعدل يقارب ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي.

ومع تراجع الجليد، تتوسع طرق الشحن، ويزداد النشاط الجوي، وتتحرك مزيد من القوارب الصغيرة لأغراض السياحة واستكشاف الموارد.

كما يُتوقع نمو الأنشطة الصناعية الساحلية، مثل التعدين والحفر، إلى جانب تصاعد الاهتمام الجيوسياسي بالمنطقة.

وقال الدكتور فيليب بلونديل، الباحث الرئيسي في الدراسة: «هذه التغيرات تزيد من شدة وتنوع الأصوات تحت الماء، التي يمكن أن تنتقل لمئات الكيلومترات عبر المياه الباردة في الشمال».

وأضاف: «جميع هذه المصادر تسهم في ضوضاء تؤثر في النظم البيئية المحلية، والحياة البرية، وأنشطة المعيشة التقليدية للمجتمعات الأصلية».

ليس الصمت، بل تنظيم أذكى

أكد بلونديل أن الهدف ليس فرض الصمت التام على بحار القطب الشمالي.

وأوضح أن «بعض الأصوات، مثل تلك الصادرة عن قوارب الصيد الصغيرة التي يستخدمها السكان المحليون، قد يكون تأثيرها محدودًا».

وأشار إلى أن أصواتًا بشرية أخرى تكون أقل تأثيرًا مقارنة بالضوضاء الطبيعية الناتجة عن ذوبان الجليد أو تشققه، أو أنها لا تقع ضمن نطاق السمع لدى الأنواع المحلية.

وبسبب هذا التفاوت، شدد الباحثون على ضرورة مراقبة نطاق واسع من الترددات، مع مراعاة التغيرات الموسمية والغطاء الجليدي.

فالمهم ليس فقط شدة الصوت، بل توقيته وطريقة تفاعله مع ظروف القطب الشمالي.

الاستماع إلى القطب الشمالي نفسه

تُظهر البيانات طويلة الأمد أن الصوت تحت الماء وسيلة دقيقة وموثوقة لرصد الأنشطة البشرية التي قد لا تظهر في بيانات الأقمار الصناعية.

كما توفر السجلات الصوتية أدلة مباشرة تساعد الجهات التنظيمية على تكييف القوانين مع الظروف الفعلية للقطب الشمالي، التي تختلف باختلاف المواسم ودرجة الجليد.

واعتمدت الدراسة على قياسات جمعتها منظمة «شبكات المحيطات الكندية» من مرصدها المجتمعي في خليج كامبريدج (إيكالوكتوتياك) بإقليم نونافوت.

ومع تزايد الاهتمام بالمنطقة، خلص الباحثون إلى أن الإدارة الفعالة ستتطلب رصد ترددات لطالما جرى تجاهلها، ووضع سياسات تستند إلى بيانات جُمعت من القطب الشمالي نفسه.

وفي منطقة تتغير بهذه السرعة، تبدو الفكرة بسيطة لكنها صعبة التنفيذ: الاستمرار في الاستماع، والاستماع بنطاق أوسع، وترك بيانات القطب الشمالي تقود المعايير المستقبلية.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading