السموم التي لا تختفي.. باحثون يتتبعون رحلة PFAS عبر السلسلة الغذائية في أكبر بحيرات العالم
العلماء يدقون ناقوس الخطر: السموم الصناعية المستقرة قد تبقى لعقود داخل النظم البيئية المائية
دراسة تمتد لأكثر من أربعة عقود تكشف كيف تنتقل «المواد الكيميائية الأبدية» عبر البحيرات العظمى وتصل إلى قمة السلسلة الغذائية
كشفت دراسة علمية موسعة استندت إلى 42 عامًا من البيانات البيولوجية عن الكيفية التي انتشرت بها المواد الكيميائية المعروفة باسم «PFAS» أو «المواد الكيميائية الأبدية» عبر منطقة البحيرات العظمى في أمريكا الشمالية، حيث تلوثت بها أنواع متعددة من الكائنات الحية بدءًا من الطحالب والكائنات الدقيقة وصولًا إلى الأسماك الجارحة والنسور الصلعاء.
وأجرى الدراسة باحثون من جامعة نوتردام الأمريكية، حيث قاموا بتحليل وتوحيد نتائج 50 دراسة علمية تضمنت أكثر من 2500 قياس بيولوجي، ما وفر واحدة من أكثر الصور شمولًا حتى الآن حول التغيرات المكانية والزمنية لهذه المركبات الكيميائية في أكبر منظومة للبحيرات العذبة على سطح الأرض.
وركز الباحثون على الكائنات الحية نفسها بدلًا من دراسة المياه أو الرواسب فقط، بهدف فهم كيفية انتقال المواد الكيميائية إلى الشبكات الغذائية الطبيعية، ومدى تراكمها داخل أجسام الكائنات المختلفة مع مرور الوقت.
وأوضح الباحث الرئيسي المشارك جاري لامبيرتي، الأستاذ الفخري لعلوم المياه بجامعة نوتردام، أن الهدف كان تتبع المركبات الكيميائية داخل الكائنات الحية بدءًا من الطحالب والبكتيريا والكائنات المجهرية وحتى المفترسات العليا مثل أسماك السلمون والنسور الصلعاء، لمعرفة كيفية انتقالها وتضخمها عبر مستويات السلسلة الغذائية المختلفة.
ما هي المواد الكيميائية الأبدية؟

تُعرف مركبات PFAS بأنها مجموعة كبيرة من المواد الكيميائية الصناعية التي تتميز بمقاومتها الشديدة للتحلل. ويرجع ذلك إلى احتوائها على روابط قوية للغاية بين ذرات الكربون والفلور، وهي من أقوى الروابط الكيميائية المعروفة.
وبفضل هذه الخصائص، تقاوم المركبات الحرارة والماء وعوامل التحلل الطبيعية، ما يسمح لها بالبقاء في البيئة لفترات طويلة جدًا قد تمتد لعقود أو حتى قرون. ولهذا السبب أُطلق عليها اسم «المواد الكيميائية الأبدية».
وعندما تمتص الطحالب أو الكائنات الدقيقة هذه المركبات من البيئة المائية، تنتقل لاحقًا إلى الحشرات والأسماك التي تتغذى عليها، ثم إلى الكائنات الأكبر حجمًا التي تتغذى على تلك الأسماك. ومع كل خطوة في السلسلة الغذائية تزداد تركيزات المواد الكيميائية داخل أجسام الكائنات، وهي ظاهرة تُعرف باسم «التضخم الحيوي».
تفاوت كبير بين البحيرات
رغم وجود آلاف الأنواع المختلفة من مركبات PFAS، ركزت الدراسة على ستة أنواع رئيسية كانت الأكثر انتشارًا واكتشافًا في البحيرات العظمى.
وأظهرت النتائج أن أحد أشهر هذه المركبات، وهو حمض بيرفلورو أوكتان سلفونيك المعروف اختصارًا باسم PFOS، شهد انخفاضًا ملحوظًا خلال فترة الدراسة بعد إيقاف إنتاجه تدريجيًا بين عامي 2000 و2002.
ومع ذلك، كشفت الدراسة عن تباينات كبيرة بين البحيرات المختلفة. فقد سجلت بحيرة سوبيريور أقل مستويات التلوث بهذه المركبات، بينما سجلت بحيرة أونتاريو أعلى معدلات التلوث.
ويرجع الباحثون هذا التفاوت إلى عدة عوامل، من بينها الكثافة السكانية والأنشطة الصناعية المحيطة بكل بحيرة، إضافة إلى الخصائص الفيزيائية للبحيرات نفسها. فبحيرتا سوبيريور وميشيجان أكبر حجمًا وأكثر عمقًا، ما يساعد على تخفيف تركيز الملوثات مقارنة ببعض البحيرات الأخرى.
أنماط مختلفة للتلوث عبر الزمن
قاد الدراسة بيتر مارتن، الذي بدأ المشروع خلال دراسته الجامعية في عام 2022 قبل أن يصبح لاحقًا طالب دكتوراه في جامعة ولاية ميشيجان.
وأشار مارتن إلى أن أكثر ما لفت انتباه الفريق البحثي هو عدم وجود نمط زمني موحد للتلوث بين البحيرات الخمس الكبرى.
وأوضح أن مستويات PFAS شهدت تقلبات كبيرة خلال العقود الأربعة الماضية، لكن كل بحيرة اتبعت مسارًا خاصًا بها، ما يعكس تعقيد العوامل البيئية والصناعية المؤثرة في انتشار هذه الملوثات.

التضخم الحيوي أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد
كما توصل الباحثون إلى أن عملية التضخم الحيوي لهذه المواد ليست عملية خطية أو بسيطة كما كان يُعتقد سابقًا.
وأوضحت الباحثة دانييلي دي ألميدا ميراندا أن هناك مسارات متعددة يمكن من خلالها انتقال المركبات الكيميائية إلى الكائنات الواقعة في قمة الشبكة الغذائية.
فالكائنات التي تعيش داخل الماء لا تكتسب المواد الكيميائية فقط من غذائها، وإنما أيضًا من المياه المحيطة بها. أما الطيور التي تتغذى على الأسماك، فإنها تحصل على جرعات مختلفة من هذه المواد لأنها لا تتبادل المركبات مباشرة مع المياه كما تفعل الكائنات المائية.
وتؤدي هذه الاختلافات إلى ظهور أنماط معقدة لتراكم المواد الكيميائية بين الأنواع المختلفة.
بعض النجاحات.. لكن الخطر مستمر
رغم أن تراجع مستويات PFOS يمثل نجاحًا مهمًا للجهود التنظيمية والصناعية، فإن الباحثين يحذرون من أن المشكلة لم تنته بعد.
فحتى بعد وقف إنتاج بعض المركبات، تستمر المواد الكيميائية الموجودة بالفعل في البيئة لعقود طويلة بسبب بطء خروجها من البحيرات.
وتختلف مدة بقاء المياه داخل البحيرات بشكل كبير. فمتوسط بقاء قطرة ماء واحدة في بحيرة إيري يقل عن ثلاث سنوات، بينما قد يصل إلى نحو 200 عام في بحيرة سوبيريور.
ويعني ذلك أن الملوثات قد تظل متداولة داخل النظام البيئي لفترات زمنية طويلة للغاية، ما يمنحها فرصة أكبر للانتقال إلى الكائنات الحية والتراكم داخل أجسامها.
وأشار لامبيرتي إلى أن البحيرات العظمى تحتفظ بمياهها وملوثاتها لفترات طويلة جدًا، الأمر الذي يتيح للسموم وقتًا كافيًا للتغلغل في الشبكات الغذائية الطبيعية.

فجوات معرفية تحتاج إلى مزيد من البحث
ورغم الكم الكبير من البيانات التي جرى جمعها، لا يزال العلماء يواجهون نقصًا في المعلومات المتعلقة بالمراحل الأولى من السلسلة الغذائية.
فمعظم الدراسات ركزت على الأسماك الكبيرة والمفترسات العليا، بينما لا تزال البيانات محدودة بشأن الطحالب والنباتات والكائنات الدقيقة التي تمثل نقطة الدخول الأولى لهذه المركبات إلى النظام البيئي.
ولهذا يعمل الباحثون حاليًا على جمع عينات من الأغشية الحيوية والطحالب والمواد العضوية المتحللة والحشرات المائية، بهدف فهم كيفية دخول مركبات PFAS إلى قاعدة الشبكة الغذائية وانتقالها تدريجيًا نحو المستويات الأعلى.
ويأمل الفريق البحثي أن تسهم نتائج الدراسة في زيادة وعي العلماء وصناع القرار والقطاع الصناعي والجمهور بخطورة هذه الملوثات طويلة الأمد.
ويؤكد الباحثون أن وقف إنتاج مركب كيميائي معين لا يعني اختفاءه من البيئة، فحتى بعد عقود من حظره قد يظل موجودًا في المياه والكائنات الحية، ليستمر تأثيره على النظم البيئية وصحة الكائنات التي تعتمد عليها.
وقد نُشرت نتائج الدراسة في مجلة Journal of Environmental Quality، لتقدم واحدة من أكثر الدراسات شمولًا حول مصير المواد الكيميائية الأبدية داخل النظم البيئية للمياه العذبة، وتسلط الضوء على تحدٍ بيئي قد يستمر لعقود قادمة.
Tags):
لينك الدراسة





