الذكاء الاصطناعي يكشف أسرارًا خفية في ملايين سجلات مراقبة الطيور
اكتشافات جديدة تدعم حماية الحياة البرية.. ملايين ملاحظات هواة مراقبة الطيور تتحول إلى كنز علمي
كشف علماء أن الذكاء الاصطناعي يمكنه استخراج معلومات بيئية مهمة من ملايين الملاحظات التي يسجلها هواة مراقبة الطيور ومحبو الطبيعة، ما يتيح اكتشاف علاقات غير موثقة بين الحيوانات والنباتات، ويساعد الباحثين على سد فجوات في قواعد بيانات التنوع البيولوجي.
وأظهرت دراسة جديدة أن نماذج الذكاء الاصطناعي القادرة على فهم اللغة البشرية تستطيع تحليل التعليقات التي يكتبها المواطنون عن مشاهداتهم للطبيعة، واستخراج تفاصيل عن تفاعلات الأنواع، مثل تغذي الطيور معًا أو زيارة الفراشات للأزهار.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة لأن فهم الحياة البرية لا يقتصر على معرفة الأنواع الموجودة في منطقة معينة، بل يتطلب أيضًا معرفة كيفية تفاعلها، وما تتغذى عليه، والنباتات التي تزورها، ومدى اعتماد بعضها على بعض داخل النظم البيئية.
وقد تساعد متابعة هذه العلاقات عبر الزمن والمناطق الجغرافية المختلفة العلماء على فهم استجابة المجتمعات الحيوية للتغيرات البيئية، وتطوير أدوات أكثر فاعلية لحماية الأنواع المهددة وصون التنوع البيولوجي.
ملايين الملاحظات تتحول إلى بيانات علمية
قاد هينج شينج زو، من جامعة ميشيجان الأمريكية، فريق البحث الذي اختبر قدرة الذكاء الاصطناعي على التعرف على التفاعلات بين الأنواع داخل النظم البيئية.
وأوضح زو أن رصد العلاقات بين الكائنات الحية يتطلب عادة ملاحظات مباشرة في الطبيعة، وهو أمر يصعب تحقيقه على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، لأن الباحثين لا يستطيعون مراقبة كل موقع بيئي بصورة مستمرة.
ورغم ذلك، تمثل هذه المعلومات عنصرًا مهمًا لفهم وظائف النظم البيئية واستقرارها، خصوصًا في ظل التغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم.
واختبر الفريق استخدام نماذج اللغة الكبيرة، وهي أنظمة ذكاء اصطناعي مدربة على فهم النصوص البشرية وتحليلها، لاستخراج المعلومات البيئية المدفونة داخل التعليقات التي ينشرها مراقبو الطيور وغيرهم من المهتمين بالطبيعة على المنصات الإلكترونية.
وتكمن أهمية هذه الطريقة في الاستفادة من ملاحظات موجودة بالفعل، بدلًا من الاعتماد حصريًا على حملات رصد ميدانية جديدة قد تتطلب وقتًا طويلًا وموارد مالية وبشرية كبيرة.
18 مليون سجل لمراقبة الطيور

حلل الباحثون أكثر من 18 مليون سجل لمراقبة الطيور في ولاية ميشيجان الأمريكية، جُمعت عبر منصة «eBird» المتخصصة في توثيق مشاهدات الطيور، خلال الفترة من يناير 2019 إلى يناير 2024.
وحدد أحد نماذج الذكاء الاصطناعي 29,345 تعليقًا يُحتمل أن تتضمن أوصافًا لتفاعلات بين الكائنات الحية.
وفي اختبار أصغر، أمضت الباحثة الجامعية أوليفيا شتاين نحو ثماني ساعات في تصنيف 485 تعليقًا وفقًا لطبيعة التفاعلات التي تصفها، بينما أنجزت أداة الذكاء الاصطناعي المهمة خلال دقائق، وصنفت نحو أربعة من كل خمسة تعليقات تصنيفًا صحيحًا.
وأعرب برايان ويكس، المؤلف الرئيسي المشارك للدراسة والأستاذ المشارك في كلية البيئة والاستدامة بجامعة ميشيجان، عن دهشته من تنوع الملاحظات التي يسجلها أفراد الجمهور عن التاريخ الطبيعي للكائنات الحية.
وأشار إلى أن هذه السجلات لا تقدم بيانات يمكن الاستفادة منها علميًا فحسب، بل تكشف أيضًا عن المتعة التي يجدها الناس في مراقبة الطيور والتفاعل مع الطبيعة.
وتوضح النتائج أن الملاحظات اليومية التي قد تبدو عادية أو محدودة القيمة يمكن أن تتحول، عند تحليلها بصورة منهجية، إلى مصدر مهم للمعلومات البيئية.
الفراشات تكشف فجوات في بيانات النباتات

لم يقتصر الاختبار على الطيور، بل امتد إلى فراشة سيدة الساحل الغربي، من خلال تحليل سجلاتها في مرفق معلومات التنوع البيولوجي العالمي (GBIF)، وهو منصة دولية تجمع بيانات عن الأنواع الحية ومواقع رصدها.
ومن بين 8,999 سجلًا خُصصت للفراشة، تضمنت 996 سجلًا تعليقات نصية.
وتمكن الذكاء الاصطناعي من تحديد 299 تعليقًا يصف تفاعلات مع كائنات أخرى، من بينها 100 تعليق يتعلق بزيارة الأزهار.
وقارن الباحثون أسماء النباتات الواردة في هذه التعليقات بقاعدة بيانات موجودة مسبقًا للعلاقات بين الأنواع.
وكشفت المقارنة عن 21 مجموعة نباتية لم تكن مدرجة ضمن قائمة النباتات المرتبطة بهذه الفراشة في قاعدة البيانات المستخدمة.
وتشير النتيجة إلى أن ملاحظات المواطنين يمكن أن تكشف علاقات بيئية لم تُوثق من قبل في بعض قواعد البيانات العلمية، وأن تحليلها قد يساعد على توسيع المعرفة بالتفاعلات بين الأنواع.
لكن الباحثين شددوا ضمنيًا على أهمية التمييز بين رصد التفاعل وإثبات أثره البيئي؛ فمشاهدة فراشة تزور زهرة لا تعني بالضرورة أنها نقلت حبوب اللقاح وأسهمت في تكاثر النبات.
الذكاء الاصطناعي يخطئ أيضًا.. والتدقيق البشري ضروري

رغم النتائج الواعدة، لم تكن أدوات الذكاء الاصطناعي دقيقة في جميع الحالات، ما يؤكد ضرورة مراجعة النتائج قبل اعتمادها في الأبحاث العلمية.
فقد احتاج أحد التعليقات التي استخدمت كلمة تشير إلى البوهيميين إلى تدخل بشري للتعرف على أن المقصود هو طائر «جناح الشمع البوهيمي» (Bohemian Waxwing)، وليس مجموعة بشرية.
كما أخفق نموذج فحص سجلات الطيور في اكتشاف ما يقرب من ربع التعليقات التي عُرف مسبقًا أنها تصف تفاعلات بين الأنواع، وهو ما يعني أن بعض العلاقات قد تظل غير مكتشفة حتى عندما يكون أحد هواة الطبيعة قد سجلها بالفعل.
وتناولت الاختبارات طيور ولاية أمريكية واحدة ونوعًا واحدًا من الفراشات، ولذلك لا يمكن اعتبار النتائج دليلًا على أن المنهج سيحقق مستوى الدقة نفسه في جميع الأنواع والمناطق واللغات.
كذلك، فإن كثرة التعليقات المتعلقة بتفاعل معين لا تعني بالضرورة أن هذا التفاعل يحدث بمعدل أعلى في الطبيعة، إذ قد تتأثر البيانات باختلاف أعداد المراقبين وشعبية الأنواع وسهولة رصدها.
وتؤكد هذه القيود أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد على تنظيم البيانات واكتشاف الأنماط، لكنه لا يلغي الحاجة إلى التحقق العلمي والتفسير البيئي المتخصص.
كيف يدعم الذكاء الاصطناعي حماية الحياة البرية؟

يرى الباحثون أن القيمة الأساسية لهذه التقنية تكمن في قدرتها على تحويل كميات ضخمة من النصوص غير المنظمة إلى مجموعات بيانات قابلة للتحليل العلمي.
وأوضح زو أن مراجعة ملايين التعليقات يدويًا ستكون مهمة شبه مستحيلة، بينما تستطيع نماذج اللغة الكبيرة فرز الملاحظات واستخراج المعلومات المتعلقة بالتفاعلات بين الأنواع، دون أن تحل محل العلماء في تحليل النتائج أو تنفيذ العمل الإبداعي والبحثي.
وقال كاي تشو، المؤلف الرئيسي المشارك للدراسة والأستاذ المشارك في كلية البيئة والاستدامة بجامعة ميشيجان، إن هذا النهج يتيح لعلماء البيئة دراسة العلاقات بين الأنواع على نطاقات مكانية وزمنية واسعة.
وأضاف أن الذكاء الاصطناعي يمكنه تحويل الملاحظات المتفرقة إلى مجموعات بيانات بيئية تساعد على فهم كيفية استجابة المجتمعات الحيوية للتغيرات العالمية.
وقد تساعد هذه المعلومات مستقبلًا في تحديد العلاقات البيئية التي تستحق مزيدًا من الدراسة، ورصد التغيرات في مصادر غذاء الحيوانات، وفهم ما يحدث عندما تنتقل الأنواع إلى مناطق جديدة أو تختفي من موائلها المعتادة.
ومع ذلك، لم تثبت الدراسة أن تغير المناخ قد غيّر بالفعل العلاقات البيئية التي ظهرت في التعليقات؛ إذ تركزت النتائج على اختبار وسيلة لاستخراج المعلومات، وليس قياس التأثيرات المناخية بصورة مباشرة.
المواطنون شركاء في إنتاج المعرفة البيئية
تسلط الدراسة الضوء على الدور الذي يمكن أن يؤديه علم المواطن، الذي يشارك فيه أفراد الجمهور في جمع الملاحظات والبيانات عن الطبيعة، في دعم الأبحاث البيئية.
فقد تتحول صورة لطائر أو ملاحظة عن فراشة تزور زهرة أو تعليق يصف سلوكًا غير معتاد إلى معلومة علمية مفيدة عند ربطها بسجلات أخرى وتحليلها بصورة دقيقة.
وتوفر أدوات الذكاء الاصطناعي فرصة للاستفادة من هذا المخزون الواسع من المعلومات، خصوصًا أن كثيرًا من التفاصيل المتعلقة بتفاعلات الكائنات الحية لا تظهر بوضوح في قواعد البيانات التي تركز على تسجيل وجود الأنواع ومواقع انتشارها فقط.
ونُشرت الدراسة في مجلة «Proceedings of the National Academy of Sciences» (PNAS)، لتقدم مثالًا على كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي في دعم علوم البيئة والتنوع البيولوجي، من خلال استخراج معلومات جديدة من بيانات جمعها الناس أثناء مراقبتهم للطبيعة.
وتشير النتائج إلى أن الجمع بين ملاحظات المواطنين والتحليل الآلي والمراجعة البشرية يمكن أن يوسع نطاق المعرفة بالعلاقات التي تعتمد عليها الحياة البرية، ويدعم جهود الحفاظ على النظم البيئية في عالم سريع التغير.





