أهم الموضوعاتأخبارتغير المناخ

الديمقراطية مقابل الاستبداد.. من يتحمل مسؤولية إنقاذ المناخ؟

شركات الكربون الكبرى تُبقي العالم رهينة للوقود الأحفوري.. الصين والسعودية وروسيا.. أنظمة تقرر مصير المناخ العالمي

يأتي الجزء الأكبر من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري في العالم من دول غير ديمقراطية، كما أن العديد من كبار مصدري النفط والغاز هم أيضًا دول استبدادية. هذه هي الحقيقة القائمة، ومن شبه المؤكد أنها ستظل كذلك خلال السنوات القليلة المتبقية التي نأمل فيها في تجنب أسوأ آثار الانهيار المناخي.

فإلى جانب دول الخليج النفطية، تُعد روسيا وفنزويلا من بين أبرز الدول ذات الأنظمة الاستبدادية التي تهيمن على إنتاج النفط والغاز، مما يسلط الضوء على نفوذها الهائل في محادثات المناخ العالمية.

وستكون طريقة تصرف حكومات هذه الدول حاسمة لمستقبل الكوكب. وبينما تخضع الديمقراطيات لأهواء الناخبين، غالبًا ما تتسم الدول الاستبدادية بالغموض.

“شركات الكربون الكبرى”

خذ مثلًا حفنة صغيرة من أكبر شركات الوقود الأحفوري في العالم، المعروفة باسم “شركات الكربون الكبرى”، فهي تُمسك بمستقبلنا بأيديها، ومن بين أكبر 20 شركة من حيث إنتاج الكربون، 16 منها مملوكة للدولة، وكانت مسؤولة عن 52% من الانبعاثات العالمية في عام 2023.

ومعظم هذه الشركات، مثل أرامكو السعودية، وشركة سي إتش إن الصينية للطاقة، ومجموعة جينينج القابضة، وشركة النفط الوطنية الإيرانية، مملوكة لأنظمة توصف بأنها غير ديمقراطية.

نشطاء يرفعون لافتات ضد شركات النفط وتطالب بتمويل جديد للمناخ cop29
نشطاء يرفعون لافتات ضد شركات النفط وتطالب بتمويل جديد للمناخ cop29

لطالما تبنّى دبلوماسيو المناخ موقفًا عمليًا يتجاهل طبيعة الأنظمة الحاكمة. يقول تود ستيرن، كبير المفاوضين الأميركيين في عهد باراك أوباما: “عندما كنا نتفاوض، لم أكن أفكر في موقع هذه الحكومات على مقياس الديمقراطية”.
لكن هذا النهج أصبح محل تساؤل اليوم، إذ بات نفوذ الأنظمة الاستبدادية أعظم من أي وقت مضى، وقد تحدد أفعالها قدرة العالم على خفض الاحتباس الحراري إلى مستويات غير كارثية.

قالت كريستيانا فيجيريس، الرئيسة السابقة لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، التي ترأست قمة باريس عام 2015: “تُبقي شركات الكربون الكبرى العالم معتمدًا على الوقود الأحفوري دون خطط واضحة لخفض الإنتاج. بينما تتقاعس الدول عن الوفاء بالتزاماتها، تهيمن الشركات المملوكة للدولة على الانبعاثات العالمية، متجاهلة احتياجات شعوبها”.

ناشطون من أجل المناخ يتظاهرون ضد شركات النفط

لكن كيف يمكن تغيير موقف هذه الأنظمة؟


ترى آنا توني، الرئيسة التنفيذية لقمة المناخ المقبلة في البرازيل، أن الأزمة المناخية لا تُحل إلا بنهج متعدد الأطراف يشمل الديمقراطيات والدول ذات الأنظمة السياسية المختلفة.


إلا أن دولًا مثل روسيا وإيران والسعودية، رابع وسابع وعاشر أكبر مصدر للانبعاثات في العالم على التوالي، غالبًا ما التزمت الصمت أو سعت إلى تعطيل التزامات قمم المناخ السابقة. بل وأخذت بعض هذه الدول دورًا نشطًا في تقويض المفاوضات، مثل روسيا التي تبث معلومات مضللة عن الأزمة، والسعودية التي تسعى إلى تعديل نصوص رئيسية في الاتفاقيات المناخية.

محطات توليد الطاقة من الفحم
محطات توليد الطاقة من الفحم

يقول بول بليدسو، مستشار المناخ السابق في البيت الأبيض: “نجحت هذه الدول في الإفلات من مساءلة اعتمادها المَرَضي على الموارد الأحفورية، وهو أمر كارثي للكوكب”.

لكن هل يمكن إقناعها بالتغيير؟ يرى فرانسيس فوكوياما، المفكر السياسي الأميركي، أن كون الشركات مملوكة للدولة لا يمنعها من التقدّم بيئيًا، وقال: “الأنظمة الاستبدادية تسيطر على مفاصل السلطة، ويمكنها ببساطة إصدار الأوامر بالتحول إلى تقنيات منخفضة الكربون دون مقاومة جماعات مصالح، كما في الديمقراطيات”.

الصين مثال على ذلك، فهي اليوم أكبر منتج للطاقة المتجددة في العالم، وتقود صادرات المركبات الكهربائية والألواح الشمسية.

وترى نجوزي أوكونجو إيويالا، المديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية، أن هذا النجاح يعود إلى بُعد نظر القيادة الصينية. وقالت: “قد يتخذ نظام استبدادي قرارًا صائبًا لأنه يدرك أن بقاءه مرهون بذلك”.

نجوزي أوكونجو إيويالا المديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية

مع ذلك، أظهرت الدراسات أن لا دليل قاطعًا على أن الأنظمة الديمقراطية أو الاستبدادية أفضل في التعامل مع أزمة المناخ.
ويقول روس ميتيجا، أستاذ العلوم السياسية في جامعة SOAS بلندن: “بعض أكبر الدول المصدّرة للانبعاثات ديمقراطية، وبعضها استبدادي، وجميعها تُقصّر في اتخاذ الحد الأدنى من الإجراءات”.

داخليًا، تعاني الأنظمة الاستبدادية من غياب الضغط الشعبي، الذي شكّل في الماضي أداة رئيسية لتحقيق التغيير البيئي. فعلى سبيل المثال، ساهمت مظاهرات “يوم الأرض” في الولايات المتحدة عام 1970، التي شارك فيها أكثر من 20 مليون شخص، في سن قوانين بيئية مهمة.

بينما يُعد الاحتجاج في الدول الاستبدادية اليوم خطرًا قد يكلّف الحياة، كما هو الحال في جورجيا، حيث يُواجه الناشطون القمع والاعتقال.

القبض على جريتا ثونبرج من قبل ضباط الشرطة خلال احتجاج مناخي خارج البرلمان السويدي
القبض على جريتا ثونبرج من قبل ضباط الشرطة خلال احتجاج مناخي خارج البرلمان السويدي

الوقود الأحفوري يمثل مصلحة اقتصادية كبرى

وتتمثل المشكلة الأعمق في كون الوقود الأحفوري يمثل مصلحة اقتصادية كبرى في هذه الدول.

ففي روسيا والسعودية وإيران، يعتمد الاقتصاد كليًا على الوقود الأحفوري، وغياب الاحتجاجات يجعل من الصعب كبح جماح هذه السياسات.
كما ترفض هذه الدول إصلاح تسريبات الميثان رغم إمكانية الاستفادة منها اقتصاديًا.

إلى جانب ذلك، تؤثر طبيعة التسلسل الهرمي الاستبدادي على تدفق المعلومات، تقول الباحثة شيران شين من جامعة ستانفورد إن القادة في الدول الاستبدادية قد يفتقرون إلى البيانات الدقيقة عن أداء الجهات المنفذة، ما يُعطّل تنفيذ السياسات.

الشفافية قضية جوهرية

أما الشفافية، فهي قضية جوهرية، بعد توقيع اتفاقية باريس عام 2016، توقّع مراقبون أن تصل انبعاثات الصين إلى ذروتها، لكن صور الأقمار الصناعية أظهرت زيادة بناء محطات الفحم، وتواصل الانبعاثات الارتفاع منذ ذلك الحين.
وتبقى الخطة الوطنية الصينية للانبعاثات – المتوقع إصدارها قبل قمة COP30 – محاطة بسرية تامة.

لا تُلزم الشركات المملوكة للدولة بالإفصاح عن أنشطتها المالية والبيئية، على عكس الشركات المدرجة في البورصات. وقد قلّصت السعودية خطط إدراج أرامكو لتجنّب الإفصاح، مما يزيد من صعوبة مراقبة أنشطتها.

يمكن ممارسة الضغط الخارجي عبر آليات اقتصادية مثل “تعديل حدود الكربون” (CBAM)، التي تفرض تعريفات جمركية على الواردات عالية الكربون، كالفولاذ. لكن هذه السياسات تُثير غضب الدول النامية التي تخشى من تضرر اقتصاداتها.

الرئيس الصيني يزور أحد مناجم الفحم

دبلوماسية الـ360 درجة

وقبل استخدام هذه الآليات، لجأت دول كفرنسا إلى “دبلوماسية الـ360 درجة” قبل قمة باريس، مستثمرةً سفاراتها ومنصاتها الثقافية للترويج لقضية المناخ. وتتبع البرازيل نهجًا مشابهًا قبيل استضافتها قمة COP30، حيث عيّنت 30 مبعوثًا خاصًا حول العالم.

العلاقات الشخصية أيضًا تلعب دورًا مهمًا. فقد جمعت علاقة صداقة دافئة بين المبعوث الأميركي جون كيري ونظيره الصيني شي تشن هوا، تُوّجت بمؤتمر صحفي مشترك في قمة COP28 عام 2023، لكن مثل هذه العلاقات يصعب استمرارها مع تغيّر الحكومات.

مبعوثا المناخ الأمريكي والصيني السابقين – جون كيري وشيه هو

بعض الديمقراطيات الكبرى لا تقدم أداء أفضل كثيرًا

والحقيقة أن بعض الديمقراطيات الكبرى لا تقدم أداء أفضل كثيرًا. انسحبت الولايات المتحدة من اتفاق باريس، وتسعى كل من كندا وأستراليا لتوسيع إنتاج الوقود الأحفوري رغم تعهداتها.

كما تواصل اليابان والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي الاعتماد على الوقود الأحفوري رغم التصريحات البيئية الطموحة.

تقول الخبيرة الاقتصادية الهندية جاياتي جوش: “الديمقراطيات أكثر نفاقًا، إذ يتمتع رأس المال بنفوذ هائل على القرار السياسي”.

وترى فيرا سونجوي، الخبيرة الاقتصادية الكاميرونية، أن الأمل في التعاون لا يزال قائمًا، وقالت: “الجميع يسعى إلى النمو. ويجب أن نُثبت أن النمو الأخضر ممكن”.

دونالد ترامب وانسحاب من اتفاقية باريس

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading